انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

نرجسية كاتب

سعاد الراعي
سعاد الراعي

قاصة واديبة عراقية

5 دقائق للقراءة
13 مشاهدة
قصة " نرجسية كاتب"
مشاركة:

تجاوزتُ في تلبيتي دعوةَ صديقتي وزميلتي "أستاذة علم الاجتماع التي تقاسمتُ معها مظلةَ الجامعة وسنواتِ العمر" حدودَ الاحتفاء العابر ببلوعها الخمسين، إذ امتدت في داخلي أصداءُ نداءٍ خفيٍّ تسلل من أغوار زمننا المشترك. كان صوتاً يبتعد عن مجرد استرجاع الماضي ليحث الخطى نحو التأمل، وينأى عن استثارة الأشجان ليضعنا في مواجهة حاسمة مع علامات الاستفهام.
كان الأمر أشبه بالوقوف عند عتبةٍ غير مرئية، نطلّ منها على ما انقضى، وعلى ما تخلّق فينا عبر السنين، وعلى الصورة التي آل إليها حضورنا في مرايا العمر.
دخلت بيتها كما يدخل المرء ذاكرته، بخطى مترددة، كأن الأرض تحفظ وقع الأسئلة قبل وقع الأقدام، وبقلبٍ محمّلٍ بما لم يُقَل أكثر مما هو مثقل بما فُقِد.
كان البيت مضاءً بإضاءةٍ حميمية توحي بما فيه من تفاصيل.
صالون واسع تحوّل إلى ما يشبه ملتقى ثقافياً مصغرا.
وجوه متجاورة، متقابلة، لكنها متباعدة في العمق، تلتقي عند المجاملات ثم تنسحب سريعاً إلى عزلتها الأنيقة.
الضحكات خفيفة، مصقولة، تؤدَّى بمهارة، لكنها بلا دفء، كأنها جزء من بروتوكول غير مكتوب.
في الركن الأبعد من الصالة، تحلّقت مجموعة من الأسماء الأدبية التي اعتادت أن ترى نفسها مرايا لبعضها البعض.
انسحبوا من ضجيج الاحتفال، يقودهم زوجها هشام، الكاتب الذي بدا في ذروة احتفائه بذاته...
كان يوزّع نسخ مجموعته القصصية الجديدة كما تُوزَّع الغنائم بعد معركةٍ رابحة.
لا يقدّم كتاباً بقدر ما يعلن انتصاراً. يده واثقة، ابتسامته مصقولة بعناية، والغلاف بين أصابعه يبدو كمرآة إضافية تعكس صورته التي لا يملّ تأملها.
الكتاب يدور بين الأيدي التي تتصفحه لا لتقرئه بل لتشهد على حضور صاحبه وزهوه، على أنه هنا، في المركز، في الضوء وسط الهالة.
هنّأته بدوري، وتقدّمت خطوة، كأنني سأنضم إلى دائرتهم، غير أن حدساً غامضاً أوقفني عند العتبة. شيء يشبه البرودة وعدم الترحيب، أو نفوراً صامتاً لا اسم له.
تساءلت:
"هل لأنني امرأة؟ أم لأنني خارج شلّته المحكمة؟ أم لأن حضوري لا يضيف شيئاً إلى الصورة التي يحرص على تثبيتها لنفسه؟"
انسحبت بهدوء إلى ركن الصديقات، حيث الحديث أكثر عفوية وأقل ادّعاءً، لكن أذني ظلّت معلّقة هناك، كأن خيطاً غير مرئي يشدّني إلى تلك الدائرة.
كانوا يتحدّثون عن شاعرٍ عربي معاصر، اسمٌ ثقيل في تاريخ القصيدة الحديثة. غير أن هشام التقط الاسم كما يلتقط خصم في حلبة، وراح ينهال عليه بلغةٍ قاسية، أقرب إلى التشهير منها إلى النقد. قال ضاحكاً، ضحكة قصيرة حادّة:
ـ شاعر؟! أي شاعر! صور مستهلكة، لغة بلا روح، مجرّد ضجيج.
لم يسق مثالاً، لم يقتبس بيتاً، لم يشر إلى نص. بدا رأيه مكتفياً بذاته، لا يحتاج إلى شاهد.
استفزّني ذلك العنف الخالي من الحجة، ذلك التطاول الذي يتخفّى في ثوب الثقة، فقلت من مكاني، بصوتٍ حاولت أن أجعله هادئاً:
ـ ألا يستحق رأي كهذا شاهداً؟ نصاً واحداً على الأقل؟ نحن نتحدّث عن الشاعر ابن يوسف، عن تجربة أثّرت في أجيال كاملة.
رمقني بنظرةٍ عابرة، نظرة محايدة حدّ الإلغاء، ثم عاد إلى دائرته كأنني لم أكن. عندها أدركت أن هشام لا يناقش ليقتنع، بل ليؤكّد سيادته الرمزية.
كان كاتباً يخشى الضوء إذا سُلط على غيره، فيفضّل إطفاء المصابيح كلها.
كنت أعرف عنه أكثر مما يسمح به حضوره الواثق. خلف تلك القشرة اللامعة، كانت سيرة متشققة.
هشام، الابن الأكبر لأبٍ غادر البيت باكراً، تاركاً زوجة وكومة أطفال دفعة واحدة في مواجهة الفقر والأسئلة.
اضطر الفتى، وهو بالكاد يلامس المراهقة، إلى ترك المدرسة، ليحمل عبء الإعالة قبل أن يحمل شهادة. لم يكن الحرمان مادياً فحسب، بل عاطفياً أيضاً:
انكسار صورة الأب، غياب السند، والشعور المبكر بأن العالم مكان لا يمكن الوثوق به.
حين انتمى لاحقاً إلى حزبٍ يساري، لم يكن دخوله بوابة الأفكار بقدر ما كان بحثاً عن عائلة بديلة، عن اسمٍ يعلّقه على صدره ليغطي به انكساره القديم.
هناك، بين الجدران المزدحمة بالشعارات، اكتشف الكتب. لم يقرأ بدافع المتعة، بل بشراهة الجائع، كمن ينهش الورق ليعوّض حرمانًا مبكّراً من مقاعد الدراسة.
كانت المعرفة درعه وسيفه معاً، تعويضاً عن نقصٍ ظلّ ينهشه بصمت.
ومع الزمن، تسلّل ذلك النقص إلى نرجسيته. صار حضوره ثقيلاً، وكلماته مدجّجة، كأن الدرع أثقل من الجسد الذي يحمله.
في المنفى أحبّ امرأةً فهمت عقدته قبل أن ترى قوته. فهمته أكثر مما يحتمل رجل اعتاد أن يكون مفهوماً على طريقته فقط.
أنجبا توأمين، فسكب فيهما كل ما ادّخره من حنانٍ مؤجَّل، وترك الزوجة تتآكل بصمت على الهامش. كان قاسياً معها، يقلّل من شأنها، يهينها، لا لشيء سوى أن نجاحها التعليمي كان مرآة صافية تفضح جرحه القديم، جرح الصبي الذي لم يُكمل تعليمه وبقي أسير عقدته.
في الندوات الثقافية، كان يمارس طقسه المفضّل:
يبدأ بالتحشيد الخفي، الهمس المسموم، وبثّ الارتباك في القاعة كما لو كان موسيقى خلفية لذاته المتضخّمة. وحين تتعثّر ثقة شاعرٍ أو ترتجف كاتبة ارتباكا، كان يبتسم ابتسامة المنتصر. تلك لحظته الذهبية.
في إحدى الأمسيات، وبعد أن أنهت الروائية قراءتها لمقاطع من روايتها الأخيرة، رفع يده كمن يرفع راية، ووقف بلا تمهيد، قائلاً:
ـ ما هذا الهراء؟ قرأت كتابك، فوجدته قصصاً كانت أمّي وأمّك ترويانها على عتبة الدار.
هذا ليس أدباً… ثم لا أفهم لماذا تكتبين بصيغة الغائب. وأشار بسبابته اليها:
ـ لاحظت أنّ ارتباكك وخوفك كان واضحاً في الرواية، ولهذا تكتبين هكذا. ثم إنك تكثرين الكلام، والكاتب، في رأيي، عليه أن يصمت، أن يستمع...
أنهى كلامه وجلس، منتظراً صدى الانتصار. بقيت الكاتبة هادئة، مبتسمة.
قالت بصوتٍ ثابت:
ـ هذا رأيك، وأنا أحترمه، رغم أنه لا يمتّ للنقد بصلة. نحن لسنا في قاعة محاكمة ولا ساحة خصام.
وبعد أن وقّعت نسخاً من روايتها، اقترب منها هشام معتذراً بهمسٍ خجول:
ـ آسف، لم أقصد التعرّض لشخصك. ناولها كتابه إهداءً...
شكرته، وبدورها، قدّمت له روايتها، لكنه قال بتكبّر:
ـ لا، لا أحتاجها.
ابتسمت هذه المرّة بسخريةٍ شفيفة، وتركت كتابه على الطاولة كما يُترك شيءٌ بلا أثر.
التفتت إلى الآخرين الذين تحلقوا حولها لتحيتها والتعرف عليها.
بادلتهم التحية مع بضع كلمات ودودة... ثم ودّعتهم.
وخلفها بقي هشام محاطاً بكلماته الجوفاء، وقد أدرك، متأخراً، أن نرجسيته بكل ضجيجها لم تنتزع منها حتى لحظة انكسار واحدة، وأن الصمت الذي غادرت به كان أعلى صوتاً من كل ما قاله.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٤ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:١٤ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

الأفول
سرد

الأفول

أغمضت عينيها الذابلتين وسحبت نفسًا عميقًا، لم تعد تجد القدرة على استيعاب ذاتها.. ذاتها التي تتفجر تارةٍ كبركان ثائر مل أسره الطويل في جوف الأرض.. وتارة تظهر على هيئة طائرٍ هزيل فقد كل ريشه، ذلك الريش الذي يساعدها على أن تكون هي وتطير في سماء الحرية والانعتاق، تنهدت بحرقة وغمغمت وهي تجلس في غرفتها…

· 3 د
رحلة الشاطر كلكامش إلى دار السلام*
سرد

رحلة الشاطر كلكامش إلى دار السلام*

- كلكامش لا تعرض. انك لمن الخاسرين، واقصص ما جرى لك في دار السلام على الناس، لكل الناس. - أنا الشاطر كلكامش أني لمن الخاسرين سأقص عليكم ما رأيت وما شعرت به تماماً كما رأيته وشعرت به، انه حدث بالطريقة التي أقصها عليكم: لقد كنت من الخائبين، كنت خائباً في كل شيء، أنا خائب حتى في العاب البنات، إذ كانت…

· 14 د
أمواج الوهم ونوافذ البقاء
سرد

أمواج الوهم ونوافذ البقاء

كان يمشي على الرصيف، والطقس مشمس تتخلله رياح خفيفة تتناوب بين السكون والعبور السريع. الأغصان المتدلية كعناقيد العنب كانت تتمايل مع الرياح، فيما ضوء الشمس يتسلل عبر شقوقها ليهطل على الأرض. بدت الخطوط الضوئية المتكسرة على أرضية الرصيف كأنها مياه متحركة، وكلما تحركت الأغصان تراقص الضوء مكوّنًا أمواجًا…

· 2 د