انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

ملونة التراب!!

( مسرودة ممسرحه)

شوقي كريم حسن
شوقي كريم حسن

قاص وكاتب عراقي.

5 دقائق للقراءة
15 مشاهدة
ملونة التراب!!
مشاركة:

[كلُّ ما فقدتُهُ…يبدو كأنه لم يضِع، بل غيّرَ طريقه …يعود إليّ بصمتٍ أذكى منّي،،،لأنه يعرف عنّي أكثر مما أعرف،

أ من ذاكرتي، من انتباهي المتأخر…أشعره يقترب  مثل ظلٍّ يتذكّرني كلما نسيتُ …كأنه لم يكن غيابًا، إنما تأجيلًا لطيفًا للقاء]

                      (حكيم سومري)

*قبل مغادرتي بهدوء، آسنة الأيام التي

عشتها مجبراً،ولا أدري لماذا وكيف،

سمعته يقول،بعد  أن أبصر نصف قنينة خمر مغشوشة،رفيقة سهراته الليلية التي لم يعرف في الحياة شيئاً مميزاً سواها، ترتج بين يديه،كمن أصابها زلزلال مفاجيء،منحته فرصة التأوه مطلقاً رياح الضيم المعشعشة في أعماقه،مثل غربان سود،حاول لمرات عدة طردها،لكنها ظلت متمسكة بتلابيب عقله المليء  بأسئلة لا تمنحه سوى الضجر والخفوت.

:—حين يجتمع الحب والخوف والحزن في قلب واحد، لا يعني أنه ضعيف…  بل حيّ،  قلب ما زال قادرًا على الشعور...أسوأ ما يمكن حدوثه  ليس الحزن من الحب، إنما أن يعيش سنوات عمره كلها دون حب. !!

أدركت المسافة ،بين اللهاث بإتجاه فراغ موحش خالي من الآمال، ولحظات إنفلات حقيقية،تمنح المنصت وابلاً من الحكم والوصايا التي

تلتصق فوق شغاف قلبه مثل عنكبوت،

 سمعته،قبل قرار فراري الى حيث اللاشيء،،يتمتم بكلمات، لم أك اصدق إنها نتاج عقل دمرته لوثات الحروب،

وقحط التفكير بإن ثمة أمل لخلاص

يوصله الى غاياته البسيطة ،والساذجة أحياناً كثيرة:—الحب ليس نقيض الخوف كما نظن،  يولد من قلبه.  نحب لأننا نخاف الفقد، ونتمسّك لأننا نعرف في أعماقنا أن اللحظات الجميلة عابرة. ..الخوف يعلّم الحب كيف يكون صادقًا، والحزن يعلّمه أن يكون عميقًا.!!

الأفكار التي يطلقها دون رغبة منه بجرأة مثيرة للدهشة و الاستغراب جعلتني أشد روحي إليه بحبال  صنعتها بدقة العارف بماهية ما يقول،

وما يريد الوصول إليه،خطيئتي التي لايمكن نسيانها ، إني ماكنت ادون شطحاته الشبيه بشطحات اولئك الذين خبروا الدنيا بغير ما خبرها

الناس، لم اعتده يصمت مثل هذا. الصمتٌ الثقيل، كأن الغرفة ابتلعت صوته واحتفظت به بين جدرانها المهملة، جدران  شهدت  شتائم الليل، وارتعاشات القلوب المحطمة، وضحكات سكارى يائسين يختبئون وراء أنفسهم أكثر مما يختبئون وراء العالم. المصباح العالق وسط السقف يتأرجح ، مثل فكرة لم تستقر بعد في رأس صاحبها.الظل الذي صنعه الجسد على الجدار بدا أطول من قامته الحقيقية، كأن الإنسان في لحظات انكساره يكبر ظلّه ويصغر وجوده.رفع القنينة ببطء .ليتأملها  مثل مرآةً لم يعرف بوجودها.قال بصوت خافت، كلمات تسللت من حنجرته هاربةً من رقابة عقله.

:—تعرف…الحروب لا تقتل الناس فقط…إنها تقتل الأسئلة  دون

أن تكترث  لها..!!.

ضحك.ضحكة قصيرة، جافة، مثل غصنٍ مكسور.:—في الحرب ، يصبح الإنسان أقل شجاعة مما يظن… وأكثر قسوة مما يحتمل…!!

مثل عادتي دوماً لم أفه بشيء، أصغي إليه كما يُصغى إلى شاهدٍ خرج للتو من تحت الأنقاض. في صوته شيء من الغبار… يشبه رائحة البيوت التي انهارت على أصحابها.اقتربت  إليه خطوة.لاجد وجهه مزيجاً من أعمارٍ كثيرة، كأن الازمنة مرّت عليه ، دون أن تمنحه فرصة التدرج في الخسارات.

قال :—هل رأيت مدينةً تموت؟!!

لم أعرف ماذا أقول.و لم يك ينتظر جواباً.:—أنا رأيت…ورأيت  كيف يموت الإنسان قبلها بقليل…!!

أغلق عينيه ،متمتماً:— حين  تموت المدينة لا تصرخ ..الناس هم من يصرخون…!!

شعرت بالكلمات تتدفق منه مثل تدفق دم من جرحٍ قديم اعيد فتحه.

قال:—كنت أظن أن الحرب معركة بين جيوش…لكنها في الحقيقة معركة بين الإنسان ونفسه…(ثم أضاف، وهو يمرر أصابعه على حافة القنينة):—المدافع لا تحطم الجدران فقط…إنها تحطم ترتيب العالم داخل رؤوسنا…!!

أشعل سيجارة،ظل يحتفظ بها لزمن

خلته طويلاً،وحين سحب نفسه الأول

انتابته نوبة سعال هادرة مثل طوفان،

ظننت جازماً إنها قاضية عليه،لكنه

رجع مبتسماً هادراً بصوته المزيج بين

الوجع والرجاء:—قبل الحرب، كنت أعتقد أن الخير والشر واضحان…لكن بعد أول جثة رأيتها، فهمت أن الأشياء اختلطت باسرع ما يستطيع القلب احتماله…!!

نظر إليّ فجأة. عيناه غائرتين، فيهما بريقٌ يشبه بقايا نارٍ لم تنطفئ تماماً.

—هل تعرف ما أكثر شيء يخيفني الآن؟

ظللت أبصر إليه بخوف:—أنني اعتدت.

(أغرق روحه عن عمد بصمت. أكثر ثقلاً من كل ما  هدر به).تابع:—في البداية، كنا نعدّ القتلى.بعد فترة، صرنا نعدّ الناجين.ثم… توقفنا عن العدّ تماماً. الإنسان لا يعتاد الموت…إنما يعتاد فقدان دهشته منه.!!

تسللت الرياح من  الشباك نصف الموارب، فاهتزّ المصباح ، كأنه يوافق على كلامه.كان الكرسي يئنّ تحت  ثقل جسده كما لو أنه يتذكر  القصص التي جلس أصحابها عليه قبله ليحكوا عنها.قال:—تعرف ما الذي فعلته الحرب بي..جعلتني أشك في الاحزان…!!

(رفع رأسه نحوي):—الحزن الحقيقي يحتاج وقتاً…لكن الحرب لا تمنح وقتاً للحزن…!!

أطرق قليلاً. قبل أن يطفيء سيجارته

ويزيح القنينة بعيداً، قال:—كنت أبكي في البداية…!!

قلت:—لماذا..؟!

قال— الدموع  تتعب. مع  انهمار الاهات،،!!

أحسست بشيء يضيق في صدري. تسلل كلامه إليّ كما تتسلل البرودة إلى العظام في ليلة خوف طويلة.

قال:—أتذكر أول مرة حملت فيها بندقية..كنت أرتجف.ليس خوفاً من الموت…بل خوفاً من أن أقتل. الحرب لا تعطيك وقتاً للتفكير في أخلاقك.. تعطيك وقتاً للبقاء حيّاً.!!

رفع القنينة، ثم وضعها من جديد دون أن يشرب.كأنه تذكر فجأة أن الخمر لا يمحو الذاكرة… بل يفتح أبوابها.قال بصوت هامس:—هناك وجه لا يفارقني…!!

سألته أخيراً:—وجه من..؟!!

لم يجب فوراً. وبعد طول إنتظار قال:

—وجه شاب في العشرين.لم يك يحمل سلاحاً.—كان ينظر إليّ …كأنه يسألني لماذا…لم أجد جواباً.ومنذ ذاك اليوم…  أحاول العيش كأن شيئاً لم يحدث…لكن الروح… لا تنسى.

قلت بهدوء—:ومع ذلك… ما زلت تتحدث عن الحب…؟!!

ابتسم ابتسامة خفيفة:—لأن الحب   الوحيد الذي لم تستطع الحرب مصادرته…!

رفع إصبعه قليلاً، كأنه يلقي حكمة قديمة:—الحرب تدمر المدن…لكنها لا تستطيع منع قلباً من الخفقان. في أكثر الأماكن خراباً…ينبت شيء يشبه الأمل…!!

سكت.ثم قال بنبرةٍ كأنه أكتشف الفكرة للتو:— لهذا السبب يخاف الطغاة من الحب..!!

ابتسمت رغم كآبتي.قلت:—لماذا؟

قال:—لأن الحب يجعل الإنسان أقل طاعة… وأكثر جرأة ورفض..!!

ضحكنا . ضحكة قصيرة، تشبه استراحة عند منتصف طريق طويل من الخراب.ببطء عاد صوته إلى هدوئه الثقيل.—تعرف ما الذي يقتل الارواح فعلاً؟!!

سألته:—من هو؟

قال:—أن ينجو الإنسان بقدر او صدفة ..ولا يعرف لماذا.؟!!

ظللت صامتاً… الليل يتكاثف وراء الشباك، مثل حبرٍ يُسكب ببطء فوق صفحة السماء.قال:—كلنا يظن أن النجاة انتصار…لكنها أحياناً عبء. الذين ماتوا وانتهت حكايتهم.

أما نحن فنحملها.لهذا أتكلم كثيراً.

..الكلام الطريقة الوحيدة التي أجيدها لأخفف وزن الذاكرة…الذاكرة ليست صندوقاً نحفظ فيه الماضي.—إنها ساحة حربٍ ثانية…!!

 الليل الذي بدى موحشاً  استقر وسط الغرفة تماماً.وحده المصباح  يقاوم العتمة، مثل فكرة  تصر على البقاء.

قال أخيراً:—إذا قررت الهرب يوماً…

لا تهرب من العالم…اهرب من الكراهية ..العالم يمكن إصلاحه …

لكن الكراهية لا…لهذا…ما زلت أؤمن بالحب….!!

 تلك آخر كلمات قالها قبل أن يسقط الصمت بيننا …صمتٌ يشبه هدنة في حربٍ لم تنتهِ بعد. قبل أن أغادر بهدوء

الى أزمنة اللاشيء!!

مشاركة:
شوقي كريم حسن
شوقي كريم حسن

قاص وكاتب عراقي.

آخر تحديث: ٢٨ آب ٢٠٢٦ في ٠٩:٥٣ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

إِيلُوهِيمُ القَفَص: هَذَيَانُ الرِّيشِ أَمَامَ آلِهَةِ الفُولَاذ
سرد

إِيلُوهِيمُ القَفَص: هَذَيَانُ الرِّيشِ أَمَامَ آلِهَةِ الفُولَاذ

اللوح الأول: رقيمُ السِّلكِ وتَقْدِيسُ الرَّحِمِ العَاقِر تبدأ الحكايةُ دائمًا من اعترافٍ صلبٍ: إنّ ما يجري في جوف هذا القفص السلكي ليس مجرد هزلٍ مسرحيّ عابر، ولا رتابة بيولوجية بريئة، بل هو طقسٌ كهنوتيّ مُحنّط، يعيد إنتاجَ حماقته بانتظامٍ ميكانيكيّ مريب؛ كأنّ الزمن موظفٌ أزليّ كسيح في ديوان بابل…

· 7 د
لحظة حب
سرد

لحظة حب

صحيح أنك تأخرت عن اللقاء... ورغم انتظاري قرب تلك الشجرة التي طالما عشقناها... تلك التي تسمع حديثنا ولا تشي به لأحد... على أية حال، تركت لك رسالة على جذعها، اقرأها إن حضرت... اقرأها بقلبك قبل عينيك، فالحروف لم تُكتب بحبرٍ مجرد، بل بنبضٍ أرهقه طول الانتظار. كتبتُ لك عن البرد الذي تسلل إلى أطرافي،…

· 2 د
إلى أين نمضي؟
سرد

إلى أين نمضي؟

في تلك الليلة، لم تكن الحرب مجرد صوت بعيد. كانت حاضرة في كل شيء: في وقع القذائف التي تهز الصفائح المعدنية التي تغطي المواضع الدفاعية، وفي ارتجاج الأرض تحت القدمين، وفي ذلك الغبار الذي يجتاح المكان بعد سقوط تلك القذائف، وفي ذلك الصمت المريب الذي يسبق وصول الأوامر. كان الضابط، آمر السرية، يعرف أن…

· 6 د