انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

مِسمارٌ في جَبينِ الظِّل

قصة ميتاسريالية

غالب المسعودي
غالب المسعودي

كاتب وباحث عراقي

5 دقائق للقراءة
3 مشاهدة
مِسمارٌ في جَبينِ الظِّل
مشاركة:

لم يكن أهل "الطَّبَرون" يعترفون بأنهم يسكنون تجويفًا صخريًا تسيل على حوافيه رطوبة الكلس وصديد النسيان. كانوا، بكامل ثيابهم المهترئة وفراستهم المعطوبة، يوقنون أن هذا الامتداد العاتم ليس كهفًا بل "أكاديمية الوجود الأسمى". لم يكن كبيرهم يرتدي صوفًا ولا كتانًا؛ كان يتزر بقماشٍ غليظ نسجه من خيوط اليقين المطلق، يقف على مصطبة ترابية تكدست فوقها بقايا قصب يابس، ويخاطبهم بصوت مشبع برنين المقابر:

أنتم الفاهمون منذ البَدْء... منذ اللحظة التي سبقت انغراس النار في جلود الطين. ارفعوا أذقانكم إلى السقف، فالأنا العليا المستقرة في رؤوسكم ليست سوى رَقَمٍ طيني مُقدس؛ وما يُخط بأظافرنا على الهواء هو جوهر الحقيقة الذي لا يقبل الفَنَاء.

كان الطقس مريبًا ومحكمًا. يفتح الكبير فمه المتآكل، فيبدو للواقفين كأن لوحًا مسماريًا ينبثق من فراغ حنجرته، يحمل نصوصًا لم تُكتب بل كُشفت كأسرار معبد سرق أسراره من السماء. كانت "الأنا العليا" عندهم كالإله "إنليل" في غضبه التاريخي: لا تُسأل عما تفعل، ولا تخضع لفحص، ولا تُدنسها التجربة الحسية. إذا اهتزت صخرة، كان التصفيق يعلو، لأن التصفيق في شريعة الطبرون هو المعادل الموضوعي للبرهان، وهو القناع الذي يداري صرير العظام المتكلسة تحت عبء العماء.

لكن الكهف، كأي فخ ميتافيزيقي قديم، لا يستقر على عقيدة حتى تحاصره أسطورة أشد غورًا. تسللت إليهم نبوءة رافدينية غامضة، ملفوفة بأغبرة الأودية السفلية، تقول:

 إن في قاع العَتَمَة المطلقة مكتبة هائلة لا تبصرها العيون، حيث رُصفت فيها "الأسماء" قبل أن توجد الأشياء ومسمياتها.

 وراح هاتفهم يفسر:

إذا صفت سرائركم، تطابقت أسماؤكم المستعارة مع تلكم الأسماء الأزواج، وحينها لن تعود الظلال مجرد انكسارات لنار شاحبة خلفكم، بل ستتحول إلى قِوَى سحرية خارقة تُعيد هندسة الكون. المعرفة اقتحام؛ والتدخل في أدق تفاصيل العدم هو سمة المصفى النبيل.

هكذا، انقلب الكهف إلى ورشة تزييف لاهوتية. لم تعد حركة الظلال على الجدار مجرد أطياف متراقصة بفعل تيارات الهواء العابثة، بل شفرات موحاة. تقدموا نحو الجدار الوعر، ولصقوا جباههم بصخوره الباردة، وبدؤوا يعيدون ضبط حركات أيديهم وسكناتهم وفقًا للتمدد والانكماش الظلي. اعتقدوا أن الإله يكتب مصائرهم مباشرة بالفحم والدخان. وإذا انكسر ظل أحدهم وتلاشى في شق مظلم دون أن تتحقق البشارة، قالوا بملء أفواههم المرتجفة:

لقد اختُبِرنا خطأ.. لقد داهمتنا آلهة مراوغة تعبث بأدوات القياس، لتختبر مقدار ثباتنا في محراب التخمين!.

ثم وقعت الكارثة التافه:

 سلك القنب الذي يمسك المشعل المعلق تهرأ بفعل القوارض، فترنحت شعلة الزيت وسقطت في حفرة المياه الآسنة، فانطفأت العين الوحيدة التي كانت توزع الإشارات على الجدار. انهار فجأة نظام "المعرفة الكاملة"، وسالت المسميات كالطين الرخو حين يغمره فيضان دجلة المباغت. لم تعد "الأنا العليا" قادرة على استدعاء حاشيتها من اليقينيات.

في تلك العَتَمَة المستجدة، لم يولد التواضع، بل انبثق طور جديد من التوحش: "الانحدار المنطقي للجهل". حين يفشل الوهم ويتعرى أمام عينيه، يصبح التمسك بالجهل دفاعًا وجوديًا مستميتًا. ارتقى أحد المتفلسفين الجدد صخرة كانت ملوثة بالرماد، وصاح بوجه محتقن ونبرة تستبطن مكرًا لاهوتيًا صريحًا:

أيها الطبرونيون! هذا ليس فشلًا ولا عماءً.. هذا البرهان القاطع على أن مداركنا أسمى من قدرة المادة على البقاء! الواقع أدنى من أن يمتحن صدقنا، وما حدث هو أن الواقع انسحب خجلًا من سطوة يقيننا!.

تحول الإخفاق المبتذل في ثوانٍ معدودة إلى "فتح معرفي". ألبسوا العماء أردية جديدة، واستحضروا شخوص "الميثوس" الرافديني ليوزعوا عليها أدوار المحاماة عن قبح التجربة:

هتف قائلهم: إنليل لم يُطفئ النار إلا لأن الظلال القديمة لم تعد تليق بكبريائه الممتد؛ إنه يدربنا على رؤية ما لا يُرى.

وردد آخر: بل هي حكمة إنكي العميقة؛ الماء أطفأ النار ليطهر حواسنا من شوائب الحس، وما تأخر الإشراق إلا اختبار لأصحاب الصبر البابلي.

صرخت امرأة متماهية مع عشتار: إنه طور الهبوط إلى العالم السفلي.. سنموت في العَتَمَة أسبوعًا أو دهرًا، ثم نعود وعلى صدورنا شارات النصر المستحيل!.

قال شيخهم ملوحًا بيدٍ فارغة:

 مردوخ يواجه عنا في السديم تنين الفوضى "تعامة"؛ فكل وخزة جوع تصيبكم، وكل تخبط في الظلام، هو طعنة نوجهها نحن إلى خاصرة الوحش الكوني!.

صار الكهف هذيانًا جماعيًا مسيجًا بالرعب. المعرفة عندهم لم تعد مطابقة الفكر للواقع، بل أضحت طقسًا لفظيًا مفرغًا؛ يرددون اسم الإله، فيتخيلون أن الجدار يومض بالذهب، مع أنّ الواقع الفعلي قابع في أركانهم: صامت، وقاسٍ، وميت كرقم طيني جف في الظل دون أن تلمسه حرارة شمس أو ينقش عليه كاتب بصير.

وَسَط هذا الصخب المدفوع بالخوف، همس فتى يافع، كان قد تحسس أطراف أصابعه الدامية من الارتطام بالصخور:

ولكن.. معذرة يا سادة.. هل نحن ندرك حقًا ما يحدث؟ أم أننا نطلق أسماء رنانة على ما نعجز عن فهمه؟ هل نحن علماء هذا الكون، أم مجرد مفسرين لخيباتنا؟

ارتجف الكهف لجرأة السؤال. التفتت الوجوه المكفهرة نحوه وكأنه ارتكب خيانة عظمى لنواميس السماء، وجاءه الرد صاعقًا، مصحوبًا بركلات خشنة:

اخرس أيها المجدف! الإيمان عندنا كأختام الملوك: لا تُسأل ولا تُناقش، بل تُتلى وتُطاع. الشك ثُغْرَة في جدار الأنا، والطعن في اللوح خروج من مدرسة الخلود.

هنا اكتملت دورة السقوط:

معرفة متبجحة تزيّن نفسها في البَدْء...

ثم جهل مركَب يبتدع البلاغة لتبرير عجزه..

ثم أسطورة مقدسة تخدر الحاجة إلى التفكير..

ولأن الرواية تأبى إلا أن تفضح أقنعتها، فقد قرر أهل الطبرون في نهاية المطاف أن يعلنوا "التحرر الكبير". لم يخرجوا إلى فضاء الشمس الحقيقي الممتد خارج فوهة الكهف، فالشمس هناك تحرق الأعين الكليلة وتكشف عري الأجساد تواطؤوا على أنهم "خرجوا مجازًا".

نصبوا داخل القبو شعلة كبريتية خافتة، ورفعوا لافتات عريضة نُحتت من عظام الحيوانات المفترسة، تتحدث عن "نور العقل البابلي الطليق". ادعوا الخلاص وهم يزدادون رسوخًا في القيود، إذ استبدلوا السلاسل القديمة بأسلاك من الوهم أرق وأقسى، موقنين أن تبديل اسم القيد هو الحرية بعينها، وأن إعادة ترتيب الظلال على حائط جديد هي امتلاك للحقيقة المطلقة.

صعدوا سلالم من أوهام متراكمة، درجة تلو أخرى، ظانين أنهم يعانقون كبد السماء، حتى ارتطمت جماجمهم بسقف الكهف الأصم، فسموا الرضوض "تيجان المعرفة العليا".

وفي الهامش الأخير، خط الراوي الذي كسر قلمه المسماري في الطين عبارته الختامية، وكأنه يرمي بها في وجوه كل العصور التي تتغذى على الأنا المتضخمة:

لا يهل أهل الطبرون لأنهم حُرموا من المعرفة.. بل لأنهم حين اعتنقوا الجهل المزخرف، قدسوه بصفة طقس عبادة، وسموا انكسارهم تفوقًا، واستدعوا الآلهة من مراقدها القديمة لكي تمنحهم صكًا أبديًا بألا يراجعوا خيباتهم أبدًا.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٤ أيلول ٢٠٢٦ في ٠١:٢٤ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

دليفري
سرد

دليفري

كان الشتاء ثقيلًا في تلك الليلة، والوقت تأخر قليلا في الكرادة، وهذا قد يكون وراء امتعاض (عبد الله) من فكرة أن يوصل طلبية طعام، في هذ الجو البارد، إلى مكان بعيد بعض الشيء عن المطعم الذي يعمل معه كعامل توصيل - أم علي.. ببغداد الجديدة.. تطلب أن يصلها الطلب سريعا، وتقول أن عليك أن تطرق الباب - وهل هذا…

· 9 د
إسفلت بارد
سرد

إسفلت بارد

لم يحفل، ولم يحاول حتى، إخفاء ترنح مشيته على طول إسفلت الشارع البارد الذي أدمن -حد الضجر- وقع أقدامه خلال رحلاته اليومية عديمة الجدوى.. كل همه الآن كان التفكير في أن الحظ سيحالفه هذه المرة.. وأنه سوف يراها مرة أخرى، كانت في عينيه نظرة جادة قوية سكبت فيه الجرأة، كأنه عاش كل دقيقة من عمره، بكل كيانه…

· 3 د
محمصة العم صالح
سرد

محمصة العم صالح

محمصة العم صالح كان أول ما باغت حواسي، وأنا أنسلّ داخل السوق الشعبي في قلب المدينة، تلك الرائحة الكثيفة للفول السوداني المحمّص، رائحة لا تُشمّ بقدر ما تُستعاد، كأنها ذاكرة قديمة انفلتت من قبضتها وراحت تلاحق العابرين. لم تكن صاعدة من محمصة فحسب، بل من طبقات خفية في الروح، من مطابخ الطفولة، ومن ليالٍ…

· 4 د