انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

مرافعات العفن في مرايا بابل

نص ميتاسريالي

غالب المسعودي
غالب المسعودي

كاتب وباحث عراقي

7 دقائق للقراءة
5 مشاهدة
مرافعات العفن في مرايا بابل
مشاركة:

لم تكن هنالك أرضٌ بالمعنى الترابي المقدس، بل كانت هُناك مدينةٌ تُدعى "جحيم الرؤية"؛ حاضرةٌ شُيّدت بواباتها من زجاجٍ أعمى لا ينفتح إلا حين تَرمدُ العيونُ من فرط التحديق في ظلماتها. وسط ساحتها الكبرى، حيث الهواء يتخثر كثمالة نبيذٍ أسود، انتصبت قبةٌ عظيمة شُيّدت من مرايا سديمية عتيقة، تعكس الوجوه قبل أن تتشكل ملامحها في الأرحام. كانت المرآة المركزية في تلك القبة مشروخةً بفمٍ كوني كالح، لا يبتلع الضوء فحسب، بل يلوك الزمن الرتيب ثم يلفظه دقائقَ هباءً لا قيامة ترجوها.

من جوف ذلك الصدع، ومن فوق قمم الجماجم المتراصة كأفاريز المعابد المتروكة، انبثق "العفن الشاخص".

لم يكن هذا الكائن الرطب مجرد فسادٍ نباتي أو غزوٍ فطري متطفل على الجسد الميت؛ بل تجلّى كبيانٍ وجودي مضاد، ووعيٍ ميتاسريالي غائر يطبع أختامه الطينية على عظام الهامات البشرية، حافراً في تجاويف القحف المحمومة عبارةً صاغتها يدُ العدم:

 "أنا الوعي حين يستطيب نومه الأخير".

كان قاطنو المدينة يعبرون الأزقة الحجرية كأطيافٍ مبتورة البصيرة. رؤوسهم مطرقةٌ صوب الحضيض، وأهدابهم مسبلة؛ لا يجرؤ شبحٌ منهم على اختلاس نظرةٍ إلى بؤبؤ جليسه، بعد أن رسخ في مدوّنتهم غير المكتوبة أن إشعال السؤال خطيئةٌ تدك أركان المدينة، وأن هذا النسيج الفطري المتسلق فوق الجباه هو الحقيقة المعفاة من الجدل والمقدسة في عفونتها.

أخذ العفن، ينسج طياته اللزجة على هيئة تيجانٍ رخوة بالغة الدقة والتنميق الإمبراطوري. كلما أطرق المرء خنوعاً لسلطة الخواء، تلألأت ذرات الفطر ببريقٍ فوسفوري بارد، وكلما انحنت جمجمةٌ تبركاً بالزيف ، انبجس من لحم التاج خيطٌ أبيض مريض ينبض كشريانٍ مسموم. كان قبحاً كاملاً يمارس شهوة الفتنة، مستحيلاً إلى طقسٍ لاهوتي تؤديه الجموع خاشعة، موهومةً بأنها تُتوَّج بتبر اليقين المطلق في ممالك الزوال.

وسط هذا الركود الذي يكاد يُسمع له طنين الذباب الكوني، وفي برهةٍ ميتاسريالية انسلخت قسراً عن حركة الفلك، انبلج في البهو "الصائغ".

لم يكن الصائغ رجلاً ذا سحنةٍ محددة، بل كان انعكاساً متعدداً لمرايا لم تصقل بعد. كان يتشح بدرعٍ مسبوكٍ من المفارقة ليتقي به الفراغ الروحي المعلق في الأنفاس:

 أساور من نحاس سومري عصي على التأكسد، وأشرطة من كتان أوروك الصامد في وجه ريح الفناء، وأقراطٌ ثقيلة تتدلى حول عنقه كأنها أسئلةٌ ثائرة تبحث عن رؤوسٍ تجرؤ على حملها. وقف الصائغ قبالة المرآة الكبرى، وهدر بصوتٍ يشبه تموج الفرات في هدأة ليلٍ كانوني:

"لن تقايضوا وعيكم بعد الآن بزينة التيجان العفنة؛ الليلة نبعث نبوخذ نصَّر من رحم الطين المسجور، لحماً عاصياً وفكرةً تمشي على ساقين".

لم يهبط نبوخذ نصَّر في هذا الفضاء بوصفه هيكلاً متحفياً مستخرجاً من قبور السلالات البائدة، بل انقدح كمشروعٍ رافديني مسلح بالرفض، كأطروحة ملحمية تُنتزع من رماد الرُقم الطينية كلما تكاثف الهوان الإنساني. انبثق الملك البابلي من شقوق لوحٍ نديّ لم يُفخر بعد؛ يمسك بصولجان الملكوت التقليدي،و تقدم نحو سدنة العفن كفيلسوفٍ شاهرٍ لأدوات الهدم الخلاق. مسح بنظره الرؤوس المحكومة بالخضار العفن، وصاح بصوتٍ يضارع صرير عجلات الحرب:

ويلٌ لكل هامةٍ رضيت برخاوة الفطر تاجاً وملاذاً! لقد خنتم براءة البدء الأولى. ليس العفن قدراً منزلاً من الغيب، بل هو استقالة العقل يوم استثقل مشقة الصعود".

استل الملك أداةً من حديداً مهندماً و منجلاً من نحاس وكانت مصنوعة من نصل التفكيك الأنطولوجي الصافي؛ نصل يقطع الوهم عند مفصل الدلالة. هوى به على هامات الحشود الساكنة، فلم ينفر دمٌ قاني ولم يتشظ عظم، بل انشطر الوهم المتراكم، وسقطت التفسيرات السقيمة التي استكانت إليها الرعايا أحقاباً ودهوراً. تصاعد من صدوع العفن دخانٌ أبيض كثيف مشبع برائحة الكبريت والأسئلة المؤجلة التي طال حبسها في الأقبية.

صرخ العفنُ بصوتٍ كصوت جدارٍ يتداعى:

ويحك يا مشيّد البروج والأسوار! لِمَ تجتث كينونتي؟ أنا السلام المتاح، أنا وليد اطمئنانكم إلى الهدأة، والثمرة العادلة لتنازل العقل عن قلقه!.

أغمد نبوخذ نصَّر نصله حتى مقبضه وهو يهتف:

إن كنتم سلام الغفلة، فأنا قلق التأسيس! سأستل من موتكم نسغ الصيرورة، كما استل مردوخ نظام الوجود من فوضى تيامات في ليل الأكوان الأولى!.

هنا، انفتحت بوابة الدهشة؛ إذ لم يُخلّف القطعُ خواءً أو جرحاً غائراً، بل تفجرت من مسام الجماجم المحررة جذورٌ كنعانية باسقة، كشجر الميس وعثاكيل النخيل البابلي؛ نباتاتٌ لا ترتوي من طين الأرض السفلية، بل تمتص نسغها من قراءاتٍ عذرية لم تدنسها الشروح. كانت عروقها أسطراً محفورة بالخط المسماري لكتبٍ عصية، وأغصانها صفحاتٍ من وميضٍ معرفي يقهر عتمة التيجان السابقة. تحولت الرؤوس التي طال استلابها إلى بساتين شاهقة تضج بالأخضر الحي، وغدا التاج وعياً ناطقاً يرفض الركوع، مشرئباً نحو الفضاء اللانهائي.

إلا أن الفردوس الذي شاده الملك البابلي سرعان ما اصطدم بتناقضه الوجودي الداخلي. فبينما كانت أوراق المعرفة المورقة تتنفس، انشقت الأرضية البلورية تحت الأقدام، وخرج من غياهبها شبحٌ طويل القامة، ملتحفاً بعباءةٍ فلورنسية قانية، يتوج رأسه بإكليل غارٍ يابس يتقاطر منه حبرُ الاعترافات الكاثوليكية الحارقة:

 إنه دانتي أليغييري....؟!

لم يحضر دانتي بصفته شاعراً مطروداً من أزقة إيطاليا، بل تجسد كقانونٍ للعقاب الميتافيزيقي الصارم، رائي الجحيم الذي قاس طبقات العذاب خطوةً خطوة. حدّج نبوخذ نصَّر بنظرةٍ لاهوتية لا تلين، وقال:

أتحسب يا ملك المعمار أنك بزراعة هذه الأفنان فوق القحف قد محوت الجحيم من الوجود؟ إنك واهم! ليس الجحيم رقعةً تحاصرها الجيوش وتهدم أسوارها، بل هو حركة الروح حين تهوي في غوايتها. نسيتَ سيزيف وهو يرفع الصخرة في دائرة العقاب الأبدي؟ الجحيم هو التكرار الأعمى، وهو ساكنٌ في نخاع الإنسان، حتى لو ألبستَ جمجمته حدائق بابل المعلقة!.

ابتسم نبوخذ نصَّر بصلابةٍ توازي عناد أسوار أوروك:

يا صاحب الكوميديا الإلهية، أنت تحبس الكائن في سراديب خطيئته وتجعله عبداً لعقابٍ عمودي لا فكاك منه، بينما نحن في بابل نصارع الموت بالفعل والمعمار وتدوين الألواح. أنت ترى الجحيم قدراً سديمياً، ونحن نراه جهلاً يمكن تقويضه بسندان السؤال. قبس بروميثيوس لم يكن مجرد تمردٍ عبثي، بل كان افتتاكاً لحق العقل في الإنارة. ناري لا تصهر الأرواح في بحيرات الجليد، بل تحرق سلاسل الأوهام لتولد البصيرة من الرماد.!

قاطعه دانتي بصوتٍ يقطر حزناً صارماً:

ولكن، ألا تخشى أن تكون هذه المعرفة التي تمجدها هي شجرة السقوط ذاتها؟ ألم يشرب رفاقك من نهر "ليثي" ليمسحوا آلامهم، بينما الألم في دوائري التسع هو المبضع الذي يطهّر الروح لترقى نحو مدارات المطهر؟ فردوسك هذا المشيد فوق الهامات، إن عري من المسؤولية الأخلاقية والخشية الأنطولوجية، ستتعفن عروقه من جديد. فالعفن، يا ملك بابل، ليس إلا اشتهاء النفس للارتداد إلى حمأة الطين تجنباً لكبد المكابدة!.

اشتد السجال الفلسفي حتى كادت الكلمات تشعل مرايا القبة، فتدخل الصائغ ومد عباءته النحاسية كأفقٍ يلتحم فيه ليل نينوى بضحى فلورنسا؛ ليولد التركيب الميتاسريالي الأبهى:

 لم يُلغَ الجحيم، بل أُعيدت صياغة هندسته؛ فلم يعد حفرةً لتعذيب الخطاة، بل مشكاةً عقلية تطلق شرراً يحذر النفوس من الاستنامة، وصار ألم الشك ضريبةً لا بد من بذلها لولوج ضياء التجاوز.

فالعفن المهزوم، في محاولته الأخيرة للبقاء، لم يعد عبر الأجساد، بل تسلل إلى داخل لغة النص نفسها! تنكر في ثياب البلاغة المفرطة والخطابة الطنانة، محاولاً اختطاف التراكيب وتحويل التمرد إلى قوالب جامدة ومواعظ باردة.

هنا، انشطر جدار الوهم بالكامل، وخرق السرد قناعه التخييلي ليقتحم "الراوي/المؤلف" الخشبة عارياً من كل مجاز، مخاطباً القارئ مباشرة:

أنا من خط هذه الحروف، ولستُ محايداً ولا منزهاً عن العطب؛ أنا جذرٌ يبحث عن ارتوائه، وأنا العفن القادم إن تحولت كلماتي في ناظريك إلى يقينٍ ناجز لا يقبل التمحيص! إن قرأتني قراءة المستهلك الخانع، استحال هذا النص فوق جبهتك عفناً رخواً وتاجاً من هباء؛ أما إذا جرّدت نصلك وهدمتني بالسؤال والشك وإعادة التأويل، فإن هذه الأبجدية ستورق في رأسك فردوساً رافضاً للموت!.

سكت الصوت، وظلت المدينة ترقب المرايا بأعينٍ مفتوحة لا تطرف. نقش نسيم الفرات الممتزج بأنفاس دانتي على زجاج القبة المتشظي وصية الوعي الأخيرة:

 المعرفة لا تولد إلا باجتثاث الأوهام بمبضع الفكر، وحين تشرئب شجرة العقل فوق هامة الإنسان، يعاد رسم الجحيم ليصير مشعلاً للبصيرة لا قيداً للعبيد.

توارى نبوخذ نصَّر ممتشقاً سؤاله، ووقف دانتي عند الباب المفتوح على مصراعيه يرعى الطريق بعينين لا تنامان؛ مترقباً ذلك القارئ الجسور الذي يقبل التحدي:

 "أن يقرأ، فيقطع، فيصير هو البستان والبوصلة".

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٨ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٨:٥٩ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

طين و ورق
سرد

طين و ورق

لا ينبغي أن تكذب، فلا يمكن للشمس أن تدوس على ظلكَ. وإن تخطى النهر مسافة عنقك، فأنتَ أقرب لأن تكون طينا من ورقة. أصبحتَ الآن حرا ، وبطريقة ما، تكتب عما رافقك من نكسات وعِبَر. إن ما يمنحك سلطة التفوه بعبارات شاحبة وغير موزونة... هو ذلك الأبله: قلبك. في هذا اليوم والذي يليه سنبتكر قصة، يقرأها البعض…

· 2 د
وجع متراكم
سرد

وجع متراكم

( ) بدأ الشتاء فعلاً. طلائعه تتقدم نحونا كالكشافة، ونحن في حالة دفاع استنهضته غرائزنا. هذا شتاء ربما يكون الأخير لنا، نحن الفقراء. لا نحتمل مفاجآته. كنت جالساً في المقهى الشعبي أراقب حامد. كان يشرب سيكارته بشهوة، مرة يتحدث، ومرة يبتسم، وبعدها يكتئب فجأة. كأنه خرج للتو من معركة منكسراً. كلمته، لم…

· 2 د
حدثٌ في القرية
سرد

حدثٌ في القرية

لا ينبغي أن تتوقف اللعبة. عندما حدث جرح بليغ في قلب الكرة، لم نتحقق من الفاعل، رغم القسم المكرر، والأدلة التي تتوالى من الشهود الصغار خارج خطوط منطقة اللعب، لا يعنينا ذلك كله، الآن نبحث عن إصلاح الضرر، وإلا فقدنا متعة اليوم. أريد أخذكم إلى سردية تبين تفاصيل لعبة كرة القدم أيام طفولتنا: المواعيد،…

· 3 د