تراجع أيها الساعي، قف عند السرير الأبيض، لا تبادر إلى غرفة الإصدارات، لا تفكر بنقر جداره الزجاجي، ليس هناك خبر، فهذا الطبيب بقرب الأجهزة، لم يغادر، فما عنده قد يكون تتمة سيرة دفء متبق.
ولماذا يتأخر كاتب الشهادات، قد لا يكتب شيء، قد يتأخر النبأ، قد لا يكتب التاريخ الآجل، قد يدقق في صفحة راحل سابق، وله أن يغلق سجل الممات ليوم آخر.
لا أعرف مالذي يقلق الكاتب، فما زال يقلب الأوراق، يعود إلى أرشيف الوفيات، يراجع الأيام، ثم ما إن حل الفجر، راح يفتح صفحة بيضاء من سجله الكبير، يكتب في الأعلى " يوم الثلاثاء"، ثم يضع ثلاث نقاط.
يترجل بعض السطور يضع واصلة ترقيم، ويترك قلمه يتدحرج دون غطاء حتى يستقر قرب عنوان اليوميات، عنوانه المعلق المفتوح في الأعلى.
فيبدأ في طواف الرفوف الثقيلة بالموت، بعد كل ارتحال وعودة إلى محل جلوسه؛ يحدق إلى هناك، خلف الزجاج الذي يحقق له معاينة مضاعفة، ولما لا يأتيه قادم، يلقي نظرة على بياض صفحته عما سوى عنونة مؤجلة.
وهناك في غفلة من الكاتب المعني بتأريخ المتوفين، حل البرد بعجل كما لو أنه مطارد، أو به لزوم القدوم، ليغادر الطبيب دون أية مفاوضة معه.
ولما عرف من عليه أن يعرف يقين الرحيل، تعثر، تثاقل، سلك ممشى خطأ، بل تأخر إلى غرفة الكاتب المترقب،
كمن يريد إيقاف ولادة تاريخ جديد.
فما به الناعي، فقد غدا فيصل تاريخين، ينتظر، يتكاسل، والقدر يدفع به إلى مواصلة الدرب المحتوم، الناعي لا ينكر حتمية القضاء، لما طال وقوفه أمام غرفة مخيفة بكل شفافيتها.
فكلما به الناعي، مطلب؛ وحيد، صغير، يسير، لو أن شهادة الوفاة تتأخر، كيما تشطب شهادة الميلاد.
وحدث أن الكاتب الذي طال انتظاره، جلس أخيرًا، كتب وكتب فكتب؛ تقرير يوم الثلاثاء؛ كله...







التعليقات