انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

فجر أحمر.. نهار ضبابي*

علي لفتة سعيد
علي لفتة سعيد

روائي وناقد عراقي

10 دقائق للقراءة
9 مشاهدة
فجر أحمر.. نهار ضبابي*
مشاركة:

لم يكنْ الفجرُ قد اكتمل بعد. كان الضوء ما يزال حائرًا بين سواد الليل وبياض الصباح، حين انتهى الناس من سحورهم في ذلك اليوم الرمضاني. أدّوا الصلاة، ثم تفرّقوا إلى فراشهم، كلٌّ منهم يسلّم جسده لنعاسٍ خفيفٍ قبل أن يبدأ يومٌ جديد. بدا العالم هادئًا على نحوٍ خادع، كأنّه يأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقول شيئًا كبيرًا. لكنّ الهدوء لم

يعمّر طويلًا.

فجأةً اشتعلت الشاشات والفضائيات والهواتف المحمولة ومنصّات التواصل الاجتماعي. تدفّقت جميعها بخبرٍ واحدٍ يتكرّر بصيغٍ متشابهة، كأنّه جملةٌ خرجت من فمٍ واحدٍ ثم توزّعت على ملايين الأفواه، أمريكا تضرب إيران.

كانت تلك العبارة كافيةً لتغيير إيقاع العالم. لم يعد النوم ممكنًا، ولم تعد العقول قادرةً على البقاء ساكنة. اشتعلت الأفكار مثل شرارةٍ في حقلٍ يابس، تتدحرج وتكبر، وتلتقط في طريقها كلّ ما تصادفه من أخبارٍ وتحليلاتٍ وشائعات، حتى تحوّلت الرؤوس إلى كراتٍ من نارٍ تتغذّى على القلق والتكهّنات.

لم يكن شهر شباط من عام 2026 قد انقضى بعد. وحتى تلك الليلة كان العالم لا يزال منتظرا نتائج مفاوضات جنيف، متشبّثًا بأملٍ واهنٍ في أن تنتهي الأزمة عند طاولة الحوار، وأن يُمنح السلام فرصةً أخيرة. ولم يكن ذلك حبًّا بالسلام لإيران أو أمريكا بقدر ما كان حلمًا بأن تتوقّف تداعيات الصراع التي أثقلت كاهل بلدانٍ أخرى، وفي مقدّمتها العراق، الذي ظلّ طويلًا ينساق بين طرفين يتنازعان مصالحهما على أرضه، فيما يدفع أبناؤه أثمان تلك المصالح التي لا يملكون فيها قرارًا، كما يردّد كثيرٌ من العراقيين.

غير أنّ ما حدث كان النقيض تمامًا. . فبدل البيان الدبلوماسي جاء هدير الطائرات.

ظهرت عشرات الطائرات في السماء، ثم بدأت الغارات تتوالى. مواقع عسكرية، وسفن، ومنشآت نووية، ومصافٍ نفطية، ومناطق سكنية تعرّضت للقصف. غير أنّ الحرب، كما يحدث دائمًا، لا تعترف بحدود الأهداف العسكرية، إذ سقطت القنابل أيضًا على مدرسةٍ ابتدائيةٍ للبنات، لتدخل البراءة، مرّةً أخرى، في حسابات النار.

وخلال أيامٍ متتابعةٍ ظلّ القصف يتصاعد ويتكاثر ويتّسع مداه، حتى بدا المشهد كلّه وكأنّ الأرض الإيرانية قد اشتعلت دفعةً واحدة. عندها أدرك العالم أنّ ما جرى لم يكن ضربةً عابرة،

بل بداية حكايةٍ طويلةٍ من النار، حكايةٍ ستغيّر مصائر كثيرين لم يكونوا يعلمون، وهم يتناولون سحورهم تلك الليلة، أنّ حياتهم كانت تقف على حافّة زمنٍ جديد.

 -1-

 في ذلك الفجر، وجد مهدي نفسه محاصرًا بالبكاءِ وهو يتابع الأخبار. لم تكن الأخبار مجرّد أصواتٍ عابرة، بل كانت تنتقل بين أفواه مذيعي القنوات الفضائية، وتتضخّم في تحليلات الضيوف داخل الاستوديوهات، ثم تتكاثر في كتابات المواقع الإلكترونية التي تزحف على شاشة هاتفه مثل سربٍ من الذباب، لا يكفّ عن الطنين. كلّ شيء كان يتحدّث عن الحرب، وكلّ شيء كان يزداد سخونةً ساعةً بعد أخرى، كأنّ العالم يُسخّن نفسه ليصل إلى الانفجار المرسوم.

ظلّ جالسًا أمام الشاشة منذ الفجر، لم يغادر مكانه إلّا قليلًا، كأنّه يخشى إن ابتعد أن يفوته شيءٌ حاسم. عيناه معلّقتان بالصورة، ويداه ترتجفان كلّما تغيّرت العنوانات العاجلة التي تمرّ أسفل الشاشة. المذيع يتكلّم بصوتٍ متماسك، والمحلّل يشرح خرائط الضربات بخطوطٍ باردة، لكن الكلمات، في رأس مهدي، لم تعد مجرّد معلومات، كانت تتحوّل إلى طعناتٍ صغيرةٍ متتالية، تغوص في داخله دون رحمة.. كان يشعر أنّه لا يتابع الأخبار، بل تُتابعه هي، تلاحقه، تتسلّل إلى صدره، وتستقرّ بداخله كشيءٍ ثقيلٍ لا يُزاح.

ثم جاءت الجملة التي شقّت صدره دفعةً واحدة.. زحف الشريط الأحمر أسفل الشاشة، تباطأت الحروف كأنّها تتأهّب لتهوي عليه بضربةٍ قاضية، "عاجل: مقتل المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي في غارةٍ جوية". تلا ذلك سيل من العواجل تنسب البيان إلى دونالد ترامب، طبقة فوق طبقة من الذهول، جعلت المستحيل واقعًا يقف على الأبواب.

لم يصدّق في البداية.. حدّق في الشاشة طويلًا، بعينين قلقتين، ينتظر أن يخرج أحدٌ من هذا العالم لينفي الخبر، أن يرفع العاجل الأحمر، أن ينقطع البثّ، أن يظهر تكذيبٌ عاجلٌ

يُطفئ هذه النار التي اندلعت في داخله. لكنّ القنوات الأخرى كانت تقول الشيء نفسه. الصور، التعليقات، التأكيدات المتلاحقة.. كلّها كانت تتكاثر مثل موجٍ أسود، يتقدّم نحوه دون أن يترك له فرصةً للنجاة.

حينها انكسر شيءٌ عميقٌ في داخله. شعر بصدره يضيق فجأةً، كأنّ الهواء انسحب من الغرفة دفعةً واحدة. لم يعد قادرًا على البقاء جالسًا. نهض مرتبكًا، وبدأ يدور في المكان بخطواتٍ مضطربة، يضع يديه على رأسه، ويضغط أصابعه في شعره، كأنّه يريد أن ينتزع الفكرة من جذورها، أن يمحوها قبل أن تستقرّ فيه.

لم يكن الأمر خبرًا سياسيًا عابرًا. كان شيئًا يشبه الفقد، فقدًا غامضًا لا يعرف كيف يفسّره حتى لنفسه. يشعر أنّ جزءًا من عالمه الرمزي قد انهار، وأنّ الحرب لم تعد صراعًا بعيدًا خلف الحدود، بل صارت شيئًا يمسّه مباشرة، يدخل في أعصابه، ويعيد تشكيل خوفه المتراكم.. توقّف لينظر إلى الشاشة، ثم إلى الفراغ من حوله.. لم يجد ما يثبّت نفسه عليه. فجأةً انفجر. خرجت من حنجرته صرخةٌ حادّة، ارتطمت بجدران الغرفة، وارتدّت إليه مضاعفة. لم تكن صرخةً مفهومة، بل هي مزيجٌ من نحيبٍ واحتجاجٍ وغضبٍ متداخل. أخذ يصرخ، يرفع صوته، كأنّه يريد أن يسمعه أحد، في السماء أو في الأرض، أو حتى داخل نفسه التي لم تعد تستجيب. كانت الكلمات تخرج متكسّرة، تتعثر بالبكاء، ثم تعود فتندفع من جديد. لم يلتفت إلى زوجته التي كانت تغط في النوم، بقي وحده في الصالة، وصوته يتردّد بين الجدران، يرتطم بها ثم يعود إليه. ارتجفت النوافذ قليلًا، وانعكست صورته المرتبكة على الشاشة التي لا تزال تبثّ الأخبار نفسها بلا اكتراث، بينما المذيعون يتحدّثون ببرودٍ مهني، كأنّهم في عالمٍ آخر، بعيدٍ عن هذا الانهيار الذي يبتلع مهدي.

تثاقلت ساقاه أخيرًا.. جلس على الأرض، أسند ظهره إلى الحائط، وقد فقد القدرة على حمل نفسه. ظلّ يحدّق في الشاشة بعينين حمراوين، خرجت دموعه ببطءٍ في البداية، ثم راحت تنساب بحرقة، كأنّها تعبٌ مختبئٌ يجد طريقه أخيرًا إلى السطح. في داخله، ظلّ السؤال يتردّد، مريرًا ومفتوحًا على فراغٍ واسع، كيف يمكن للعالم أن يستمرّ هكذا.. وكأنّ شيئًا لم يحدث؟

فجر أحمر.. نهار ضبابي*

2- 

 كان عبد القادر، في ذلك المقطع الزمني من الفجر، يقظًا على نحوٍ غير معتاد. لم يكن في داخله ما يدعوه إلى العودة إلى النوم، ثمة ما هو مبرر لذلك، رغم الصفاء الذي يتسلّل إلى الروح بعد تلاوة القرآن. كان قد جلس إلى جوار أبيه، يقرأ معه بصوتٍ خافت، تتعاقب الآيات بينهما، في محاولةٍ لتثبيت العالم في مكانه، أو تأجيل ما قد يحدث فيه. كان يتهيّأ، بعد أن ينتهيا، أن يتمدّد قليلًا على الفراش، يسرق دقائق للنوم، ثم ينهض إلى دائرته، حيث تتكرّر الأيام دون أن تترك أثرًا واضحًا.. لكنه لم ينم، رغم أن اليوم هو السبت، حيث لا دوام فيه.

لم يكن يعلم بما يحصل، ولا بالتطورات التي شهدتها الحرب، بالنسبة إليه، كان امتدادًا لحالة الضجر التي يعيشها، ضجرٌ هادئٌ لا يصرخ، لكنه يملأ التفاصيل الصغيرة. تأخّر زواجه كان أحد وجوه هذا الفراغ، لكنّه لم يكن من النوع الذي يملأ حياته بالبدائل السيّئة. وحتى يعلن أنه غير مكترث بما هو آتٍ من مستقبله، كان يمضي أمسياته الرمضانية مع أصدقائه، كما كان يفعل قبل رمضان، يجلسون في أحد المقاهي أو الكازينوهات، يضحكون، يتبادلون النكات، كأنّهم يخفّفون عن الليل ثقله، ثم يعودون بعد انتصافه، كلٌّ إلى بيتنه، وهو إلى وحدته التي لا يعترف بها أمام الآخرين.، حتى تشابهت عليه ليالي شباط ورمضان، وبدا الزمن مثل دائرةٍ مغلقة. غير أنّ تلك الليلة كانت تحمل لسعة بردٍ خفيفة، لسعةً محبّبة لا تدفع إلى الهروب نحو الفراش، بل تمنح الجلسة شيئًا من الحيوية. أنفاسهم داخل الكازينو القريبة من نهر دجلة، تتصاعد في الهواء كخيوطٍ شفافة، والأصابع تتحرّك حول أكواب الشاي الساخن، تستمدّ منها دفئًا مؤقّتًا. التفّوا بمعاطفهم، شعارين بملمس الفرو، مخفين الدشاديش تحت طبقاتها، فبدوا كأنّهم رجالٌ يتحلّقون حول دفءٍ غير مرئي، أو حول فكرةٍ لم تتشكّل بعد.

كانت هذه الليلة تسير ببطءٍ على غير المعتاد. ضحكاتٌ تعلو، ثم تهبط، ثم تعود. والنكات تتقاذفها الأفواه كما لو أنّها لعبةٌ خفيفةٌ لتزجية الوقت. بدت الأعظمية، غير قادرةٍ على منحهم امتياز المزاح، أو نبذة من حرّية أن يكونوا خارج ثقل العالم، ولو مؤقّتًا.. وبين دخان الأراكيل، وصوت التلفاز ولغط الرواد.. انبرى أحد أصدقائه وهو يحدّق في الشاشة المعلّقة على الجدار المقابل لهم، ليقول كلمات، كانت لاسعة لتخرجهم من حالة الملل والركود وغياب التواصل في حديث شيّق:

- أشعر أنّ شيئًا ما سيحصل الليلة.. شيءٌ ربما يكون حزينًا ومفرحًا.

ساد صمتٌ قصير. التفتت العيون نحوه، لا بدافع التصديق، بل بدافع الفضول الذي يسبق القلق. اعتدل عبد القادر قليلًا في جلسته. كان يعرف هذا الصديق جيّدًا، رجلٌ مولعٌ بالتنبؤات، يطلق حدسه كما لو أنّه يرمي حجرًا داخل ماءٍ ساكن. كثيرٌ من تنبؤاته كانت تحمل قلقها، وبعضها ذهب بلا أثر وأخرى أصابهم على نحوٍ أربكهم، كأنّ الواقع نفسه يتواطأ معه أحيانًا. استعاد عبد القادر، من دون أن يقصد، ما قاله الرجل عقب حرب الاثني عشر يومًا في حزيران 2025، حين توقّع أن تنتهي سريعًا، وأن لا تتضرّر إيران كثيرًا. يومها ضحكوا منه، ثم حدث ما يشبه قوله، فبقيت كلماته عالقةً في ذاكرتهم، كشيءٍ لا يُطمأن إليه، ولا يُهمل تمامًا. لكن صديقًا ثالثًا لوّح بيده، بإشارةٍ لا تخلو من السخرية:

- وما الفائدة إذا لم يخسر أحد؟ أين الحكمة من مقولة اضرب الظالمين بالظالمين؟

تدحرجت العبارة بينهم، وأثارت جدلًا خفيفًا، سرعان ما خفّت. غير أنّ الجملة الأولى ظلّت معلّقةً في الهواء تقترب من مخيلته، وما يجذبه من أفكار يشعر بها، "شيءٌ مفرحٌ وحزين سيحدث الليلة".

حينها تغيّر إيقاع الجلسة. خفّت النكات تدريجيًا، وانسحبت الضحكات كما لو أنّها تشعر بأنّها لم تعد مناسبة. صارت العيون تذهب إلى الشاشة أكثر ممّا تذهب إلى وجوه بعضهم. الأخبار تتوالى، التحليلات تتكرّر، والعناوين العاجلة تمرّ كوميضٍ سريع. كانت القنوات تتحدّث عن مفاوضات جنيف، عن تقدّمٍ محتمل، عن نتائجٍ قد تكون إيجابية.. وأن الوسيط العماني يقر بوجود تطور إيجابي للمفاوضات بين ايران وأمريكا. لكنّ القلق كان يتسرّب رغم ذلك.

هواء دجلة، وهو يمرّ بضفاف الأعظمية، لم يكن قادرًا على إخفاء ما في داخلهم. من انتظارٍ مزعج، انتظار لا يريدون الاعتراف به. بعضهم كان يريده تنفيسًا عن ضيقٍ داخلي، وبعضهم الآخر يراه تعويضًا عن خساراتٍ لا تُقال. ومع ذلك، لم يكن أحدٌ مستعدًّا للاعتراف بأنّه، في مكانٍ خفيّ من نفسه، ينتظر ما لا ينبغي أن يُنتظر.

أعاد الصديق المتنبّئ صوته ليكون الأعلى، وهو يلف خرطوم الأركيلة حول عنقها الزجاجي، وينفث الدخان:

- اسكتوا.. اسكتوا.. خل نسمع؟

انقطعت الأصوات دفعةً واحدة. حتى أنفاسهم صارت أبطأ. أشار إلى الشاشة:

- اقرأوا.

كان الشريط الأحمر يمرّ ببطءٍ ثقيل، وفهموا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعلن بدء الحرب على إيران، وأن مئات الطلعات الجوية استهدفت مواقع داخلية. وقبل أن تكتمل الجملة، خرجت من أحدهم صرخة:

- الله أكبر.. الله أكبر.

قفزت الكلمات كأنّها فرحٌ مكبوت، تبعها الآخرون، ارتفعت الأصوات، اختلطت بالضحك والدهشة، وتحوّل المكان إلى موجةٍ من الصخب، كانت كافية لتحويل الانتظار إلى احتفال، والقلق إلى هتاف.

لكن عبد القادر لم يكن مثلهم.. شعر أنّ شيئًا ما ينسحب من داخله، لا يتّسق مع هذا الفرح المفاجئ. بدا له المشهد كما لو أنّه يرى نفسه من الخارج. حاول أن يعيد الكلام إلى مساره:

- لا تفرحوا كثيرًا.. الحرب لا تبقى بعيدة.

لم يُصغِ إليه أحد. كان صديقًا آخر قفز وانحنى يقبّل رأس صاحب التنبؤ وهو يضحك:

- ألم أقل لكم؟ هذا يرى ما لا نراه.

كان القلق مرهونًا بالوضوح، بل يشعر به يسري في عروقه، لكنّه لم يكن صافيًا. كان مشوبًا بشيءٍ خفي، شيءٍ يشبه الرغبة في أن يحدث أيّ شيء يكسر هذا الركود الطويل، حتى لو كان خرابًا. لذا لجأ الى الجلوس والصمت، يراقب النقاشات، فهو يعرف من أبيه، ومما حصل لهم في مواجهات مسلحة، أنّ الحرب، التي يتحدّثون عنها، ليست هناك فقط، في الخرائط التي يشير إليها المحلّلون، بل هنا أيضًا، في داخلهم. في هذا التناقض بين الفرح والخوف، بين الرغبة في الانفجار، والخشية من نتائجه.. لم ينتبه إلى حدة النقاش وتقاطعاته واتفاقاته، بين أصدقائه حيث ذهب كل منهم إلى جهة من النقاش. نهض، لافًّا عباءته الفرو حول جسده:

- سأذهب.. تصبحون على خير.

لم ينتظر ردًّا. خرج إلى الشارع، والبرد يلفحه بوضوحٍ أكبر الآن. حاملًا معه ذهولًا لا يستقرّ على معنى. بين جذبٍ

تاريخي، كأنّ المنطقة لا تعيش إلّا على حافة الحروب، وقلقٍ حاضر، يعرف أنّه قد يمتدّ إليه متى يشاء. وقبل أن يبتعد كثيرًا، لمح أضواء مرقد أبي حنيفة النعمان، وهي لا تحمل تلألؤًا كما في كل مرة، بل يحيطها سراب، وضباب، يتحرّك بعشوائية داخل عينيه.

رمى رأسه على الأريكة، يريد إزالة القلق الذي بدا يتغلغل في أفكاره، يفكر في النقاش الذي سيكون حتمي مع زميل وظيفته مهدي، وعن هذه الحرب، ومن هو المسؤول، وما هو موقف العراق. لكن عاجلًا أخرجه من حالة التفكير. كان واضحا وعريضا كتب على مستطيل أحمر أسفل الشاشة. من أنه تم اغتيال المرشد الإيراني علي الخامنائي في الغارة الأمريكية.

توقّفت كل الأشياء حوله، أراد مناداة أبيه، لكن صوته اختفى.. لم يشعر هذه المرّة بأيّ صوتٍ يخرج منه. فقط إحساسٌ ثقيل، كأنّ العالم بدأ يتحرّك فعلًا.. ولكن في الاتجاه الذي لا يمكن إيقافه. ومرّ في داخله، بصمتٍ أشدّ من الصراخ، أنّ ما حصل، لن يتوقّف بسهولة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* فصل من رواية بنفس الأسم من المؤمل صدورها قريبا

مشاركة:

آخر تحديث: ٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:٣٦ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

خيوط القلب
سرد

خيوط القلب

لولا رائحة (الكليجة) التي تهب من بعض البيوت، تلك المتعة الصغيرة التي يمن بها الزمن على الفقراء بين عيد وعيد، لما كانت هذه الليلة تختلف كثيرًا عن باقي ليالي السنة في منزل أم مهدي القابع بزقاق قديم من منطقة مهملة في جانب الرصافة من العاصمة.. كانت أم مهدي، ككل الليالي، تجلس منحنية أمام ماكينة الخياطة…

· 7 د
قصة " ولادة في مهاد المسيح"
سرد

قصة " ولادة في مهاد المسيح"

ولادة في مِهاد المسيح تحت خيوط الفجر المرتعشة، حين كان الضوء الوليد يتسلل بحذر بين غبار القصف ورائحة البارود، كانت زينب تمشي ببطء في باحة كنيسة العائلة المقدسة. لم تكن خطواتها تقيس المسافة بقدر ما كانت تحاول مهادنة الألم الذي أخذ يتفتح في جسدها كجرحٍ حيّ، مخاض مبكر يعلن نفسه في شهرها السابع، كأن…

· 4 د
سر نخلة
سرد

سر نخلة

اجتمع رجال القرية فوق جثة كشفها الجفاف، كانت ذاكرتي تحتفظ بمشهد، لا يبرحها منذ الطفولة، مر ببطء شديد ووضوح لا يشوهه صوت الرجال من حولي. ​كنا صبية ننتشي بأجواء ربيعية ساحرة، حقول خضراء يمتد فيها الزرع، ونخيل مترامي الأطراف يتاخم أهوارا فسيحة. يومها كانت تجمعنا لعبة ( أم حجيم ) المحببة، كنا فريقين…

· 3 د