يدخل عم حندوقة الشارع تسبق صوته رائحة الجاز. كان للزمن نفسه رائحة لا يعرفها إلا أبناء جيلي في السبعينيات وما قبلها.
تحفظ الشوارع والحارات نداءه الممدود :
- جااااز
تخرج النسوة بصفائح صغيرة وعم حندوقة في جلبابٍ باهت يجلس خلف بغلته وفي عينيه طيبة زمان. نحيل أسمر شققت الشمس جبينه، عربته هي مملكته الصغيرة تسير بأربع عجلات متعبة يعلوها خزان الجاز يتدلى منه الصنبور النحاسي.
يعرف الجميع أن قلب عم حندوقة مع " اللول " بغله الذي يجر العربة كل يومٍ بصبرٍ وجلد.
يعامله كصديق عمرٍ؛ إذا اشتدت الشمس أوقف العربة بجوار حائطٍ طويل يربت على رقبته:
- ريَّح شوية يا صاحبي.
يفك عنه اللجام ويأتي بجردل ماءٍ بارد من أقرب بيتٍ ويطعمه بيده.
وفي الشتاء يغطي ظهره ويمسح المطر عن عينيه بطرف جلبابه.
أما في البيوت فتمضي الحياة على إيقاع بابور الجاز، تشعل الأم البابور بعد عدة محاولات فيخرج صوته المألوف وتتوهج النار تحت الصاجة السوداء، تغمس السمك في الردة وترصه فوق الصاجة فتتصاعد رائحة شوي السمك رائحة لو مرت اليوم في شارعٍ لبكى قلب كل من عاش تلك الأيام.
الصغار حول الأم وعندما ينتهي الشوي تضعه في ماءٍ به ملح وثوم وشطة فيتشربها السمك المشوي، ثم تفرش الصحون على الطبلية الخشبية، ويجلس الأب متعبًا من يومه فتناوله الأم نصيب الأسد، والجميع في سعادة يأكلون السمك والصيادية والسلطة الخضراء مع أرغفة الخبز البلدي بنار الفرن.
تملأ الضحكات البيت فيعلو صوتٌ فرحًا:
- لقيت بطروخ
تنفجر الوجوه بالضحك وينظر إليه الصغار بحسدٍ طفولي بريء، ثم ترفع الأم براد الشاي من فوق بابور الجاز تصب كوبين وتضع ورقتي نعناع فيتصاعد بخاره مختلطًا برائحة النعناع، تشيش الشبابيك وتهش الذباب فتبدأ السكينة تخيم على أركان البيت.
يمد الأب جسده المتعب فوق سريره يغمض عينيه مستسلمًا لراحةٍ قصيرة بعد يوم عملٍ شاق.
أما الأم فتجلس على الأرض ورؤوس الأطفال في حجرها الدافئ تفرك شعورهم بأصابعها الحانية فيسري في أجسادهم نعاس الأمان؛ فالأم وحدها هي التي تعرف كيف تطفئ تعب الدنيا.
يلتف الصغار حولها وتبدأ الحواديت، وبصوتٍ خفيض تحكي عن الغولة وبنت السلطان وعن مراكب تشق البحر إلى بلاد العجائب التي لا يعرفها أحد فتتسع العيون دهشةً في حين ينساب صوت الأم الهامس في أرواحهم .
وفي الخارج يبتعد صوت عم حندوقة ليواصل رحلته بين الشوارع والحارات حتى يسدل الغروب أستاره. كبر الطفل الذي صرخ يومًا فرحًا لأنه وجد البطروخ وصار رجلًا يحمل على كتفيه تعب الأيام.
تغيرت البيوت واختفت الطبلية، وحلت مواسير الغاز مكان بابور الجاز حتى الشوارع والحارات لم تعد تعرف رائحة السمك المشوي بالردة على بابور الجاز ولا صوت الأم وهي تهش الذباب عند الغروب.
وذات يومٍ وبينما أقف في الشرفة إذا بعربة كارو يجرها بغل يرتجف لها قلبي إذ تعود لي الذكريات، وصوت بابور الجاز وصوت أمي الدافئ .
تذكرت عم حندوقة وسعاله عندما يضحك ويده وهي تربت على رقبة اللول بحنان .
تذكرت زمن الطيبين .







التعليقات