لم أكن أهتمّ لجرحٍ ما عندما كنت طفلًا، بقدر ما كان الذهاب إلى مستوصف سكك حديد الموصل كابوسًا!
أعود إلى بيتنا باكيًا من شدة الألم، مصابًا، وأغادر الشارع الملعب المحاذي للخط المتري للقطار. يفصلنا عنه سياج من قضبان خضراء متراصة، جنبًا إلى جنب، يمتد طوال الخط.
كانت أمي ترسلني إلى الدكتور. أمشي والخوف كظلي يرافقني، وأقطع الدربونة الطويلة المحصورة بين جداري دفلى عاليين، تتدلى عليهما زهوره الوردية كسجادتيْن جميلتين، مكتظتين بالبعوض الشرس الذي يبدأ، عند المساء، غزواته الكبيرة.
لكن «أم الدخان» كانت كفيلة بالفتك به. ويا ويلنا في ليلة نقضيها تحت خراطيم البعوض اللاسع، لو لم تحضر سيارة تحمل ماكينة ضخ الدخان الثلجي، الذي كنا نسبح فيه، راكضين خلفها، ثم نعود وزيت النفط يسيح علينا من الرأس حتى القدم.
وعندما سقط عادل على وجهه، حملناه نحن الأربعة، كلٌّ منا ممسكًا بطرف من أطرافه، وتوجهنا لاهثين نحو المستوصف. لم يكن المضمد في مكانه، فهممنا، بلا وجل، دافعين باب الدكتور.
نهض من مكانه متفاجئًا، وتقدم نحو عادل الممدد على الأرض، وقد غطى الدم وجهه، نازفًا من أنفه وجبينه. تكتّف، وتنفس بعمق، ثم نظر إلينا وقال:
«المفروض، يا مقصوفين العمر، أن تأخذوه إلى المحروسة أمه أولًا، لتغسله بالماء والصابون، يا بياع النفط هذا!»
كان المستوصف يتوسط حديقة جميلة، يسيجها الآس، وتظلل مبناه أشجار سرو وصنوبر عاليات، وفوقه يرفرف العلم.
يستقبلنا مضمد، يسجل الاسم ويعطينا بطاقة صغيرة، مشيرًا إلى غرفة الطبيب. وكان وجه المضمد مرسومًا عليه، في كل مرة، السؤال نفسه:
«أنت ثانية؟!»
أما الدكتور أبو لؤي، فكان جالسًا دومًا على كرسيه الدوار، ظهره نحو الباب ووجهه نحو الحائط، حيث اللوحة التي ينتصب فيها الهيكل العظمي للإنسان. وكان خيط الدخان يتصاعد من سيجارة في منفضة فوق المنضدة.
يستدير نحوي، وكأنني ارتكبت جرم قطع أفكاره، ويسألني السؤال نفسه، وفيه توبيخ لنا لأننا نركض كالعميان ونصدم بعضنا بعضًا أثناء الجري خلف الكرة. ثم يعدل كرشه الشبيه بالبالكونة، ويسعل مرتين، وهو يكتب المرهم اللازم لتضميد الجرح على الركبة أو الذراع أو القدم.
هو المرهم القرمزي نفسه...
نلعب الكرة على الإسفلت الصلب ساعات طوال، وتنتهي المباراة بجرحى دومًا.
ذات مرة كنا ثلاثة معًا، واتخذنا طريقنا نحو مستوصف السكك. كان علينا المرور من أمام مركز الشرطة الذي تدل عليه كابينة خضراء، يجلس فيها شرطي من شرطة السكك، من أولئك الكسالى الذين يسكرون في الليل، وتعلو وجوههم في النهار مسحة من التثاؤب. وكانت البيريات على رؤوسهم بشكل سفائني، منزلقَة إما إلى الجانب، أو متدلية إلى الخلف بين الأذنين.
سمعنا صوت صافرته، وأمرنا بالتوقف. أشار إليّ وقال:
«أيقظتني من نومي أمس، مارًّا بنا بغنائك بصوت عالٍ. ما هذه الأغنية الغريبة؟»
قلت:
«آتيوت غازلا بي طورا وبريا»؛ أي: «أنت غزالة الجبل والبرية...».
قال:
«امشِ وَلّي مع جماعتك المُكَسَّرين. الغناء ممنوع حوالي مركز الشرطة!»
ضحكنا رغم آلامنا المبرحة، وكالعادة وصلنا إلى غرفة الدكتور، وتلقينا على يد المضمد الطيب لطخة مرهم من علبة كبيرة، يمسح بها جروحنا بسكين مفلطحة تشبه مالج البناء.
ثم نحصل على مخروط ورقي أبيض يحوي أقراصًا بيضاء. وهي نفسها التي كانت تُسلّم للجميع: للإنفلونزا، أو للمعدة، أو لآلام أخرى. هي هي نفس الحبوب؛ حبة واحدة ثلاث مرات في اليوم.
رغم أن والدي كان يصف كل إنسان بالطيب بالفطرة، وخاصة الكبار، وكان يردد دومًا بأن علينا ألّا نلتفت إلى شيء سيئ فيهم، بقدر ما نتعلم منهم، إلا أن الكيل قد طفح عندي. قصصت عليه حكايات ووقائع استقبالنا المتجهم من قبل الدكتور، وبتنا نخاف الذهاب إلى المستوصف.
قال أبي:
«عيني عليكم، هل شتمكم أو ضربكم؟»
قلت:
«يا أبي، لم يضربنا أو يشتمنا، لكن...»
«لكن ماذا؟ هو يعرف شغله، ثم إنه درس الطب في لندن!»
ولندن هذه لم تكن تسقط من فم لؤي، ابن الدكتور الذي كان يلعب معنا. كان يتحدث عن والده في استراحات بين سويعات اللعب الضاري، ونحن جالسون تحت فيء شجرة التوت:
«والدي أعظم طبيب في العراق، والرئيس طلبه كطبيب خاص، فرفض وفضّل مستوصف السكك. فلماذا لا تشكرونه بدل أن تتشكون من معاملته لكم؟»
«هل صحيح أن الرئيس...؟»
«حقكم، أنتم كالعادة لا تعرفون أي شيء عن أي شيء!»
كان لؤي يكبرنا بسنوات، وكان شيئًا طبيعيًا أن يلعب معنا من هو أكبر منا. فابن الفورمان صباح، طالب المتوسطة، كان يلعب معنا الدعابل.
قال لؤي:
«أنا لؤي... تعرفون بأنني لا أكذب. أبي ليس بحاجة إلى فحص المريض؛ فبمجرد النظر إلى عينيه، ينطبع اسم الدواء في دماغه.»
سألناه:
«قبل أن تأتوا إلى هنا، أين كان والدك يعمل؟»
«أوووووه.. ألم أقل إنكم لا تعرفون؟! والدي فعل المعجزات لجرحى الحروب؛ أعاد أذرعًا مقطوعة إلى مكانها، وأحشاءً مندلقة إلى مكانها، وخاط بطونهم. وليكن في معلومكم: لو لم نكن في سرسنك، عندما فصل السلك الكهربائي المتقاطع عموديًا مع السكة رأس الجندي عن جسده المنتصب على دبابة، تحملها عربة يسحبها القطار الآتي من بغداد، متوجهًا إلى سوريا في حرب تشرين، حتمًا كان أبي سيجد حلًا!»
كنا نسمع هذه المدائح والعجائب فاغري الأفواه، إلا أن عبير سأله:
«يعني، هل والدكم مَسيح؟!»
«أوووووه.. انظروا يا عالم واسمعوه! أقول لك إن أبي أعاد يدًا مقطوعة لعامل بناء روماني...!»
بطريقة أو بأخرى، أثّر فينا كلامه، رغم الشك الذي حلّ في مخيلاتنا الطرية حول عجائب الدكتور أبي لؤي.
وكانت أيامًا تصل إليه رسائل في مظاريف ملصقة من شباب المحلة؛ بعضها موجهة إلى والده، يسترحمونه رحمة الاستقبال مثلي، وأخرى علمنا لاحقًا، عندما كبرنا، بأنها جنجلوتيات رومانسية موجهة إلى شقيقاته الثلاث الجميلات المهذبات، اللواتي يمشين على مهل إلى المدرسة، لا ينظرن يمينًا أو يسارًا، ويلحقهن من بعيد هائم يبلع ريقه دون أن يتجرأ على الاقتراب منهن
وكانت الرسائل السرية تختلط مع بعضها بعضًا؛ فرسالة الهيام تصل إلى يد الدكتور، ورسالة الشاكين من غرائب الدكتور تصل إلى بناته، وهكذا.
أما رسالتي إليه: «أرجوك عمو، لا تصرخ بوجهي»، التي حملها لؤي مع رسائل الآخرين، فتسببت في أن أتوقف نهائيًا عن الذهاب، عند الحاجة، إلى المستوصف إياه، وتحولنا إلى مستوصف باب الجديد.
فبعد أن هدّني التعب إثر اللعب، اتكأت على السياج الأخضر، وفكرت أن أوسّع الفتحة بين قضيبين حديديين، وأمر من خلالهما لوضع قطعة نقدية على السكة، فتمر عجلات القطار عليها لتفلطحها وتحولها إلى رقاقة كبيرة.
وما إن حشرت رأسي في الفتحة حتى كانت الورطة أكبر من توقعاتي. لم أستطع بعدها النفاذ إلى الأمام، ولا سحب رأسي والتخلص من هذه الكماشة الحديدية. سحب الأصدقاء رأسي إلى الخلف، وخرجت بآذان مخدوشة...
ذهبت هذه المرة واثقًا من أن الدكتور الخارق سيرأف بحالي. فقد أكد لؤي بأن رسائلنا تُقرأ، وأنني ألقى من جناب أبيه كل الرعاية والحنان، حتى إنه يسأله عن سر القلوب المرسومة في الرسائل.
فكان لؤي يخبره بأنها محبتهم الكبيرة لكم، أبي الطبيب الشهير.
فيعاود أبو لؤي سؤاله:
«ولماذا يكتبون أسماء خواتك فيها؟»
فيجيبه لؤي:
«يا أبتاه، إنه الارتباك فقط؛ فهم تحت رهبتك يرتبكون ويهذون، ويكتبون لمياء بدل أبو لؤي.»
ما إن وقفت أمام الدكتور حتى نظر إليّ وقال:
«عُد إلى أمك كما أتيت. والله يا زمن، ابنُ التاسعة يطلب يد لُمياء!»







التعليقات