لم يكن الليل في مدينة كيل الساحلية يشبه ليالي المدن الأخرى. كان البرد ينساب في الشوارع، والغيوم تتجمع فوق البحر دون أن تفرغ دموعها. أمواج البلطيق تضرب الصخور بإصرار، كأنها تذكّره بأنه ما زال هنا… وأنها ما زالت هناك، في البعيد.
في ذلك المساء، عاد إلى الميناء بعد يوم طويل من الصيد دون أن يصطاد شيئاً، وكأن البحر يعاقبه على انتظار طال أكثر مما ينبغي.
جلس على الصخرة التي اعتاد أن يلجأ إليها كلما ضاق صدره، تلك الصخرة التي استمعت لأحزانه أكثر مما فعل أهل المدينة.
ظلّ يحدّق في البحر الذي يتنفس بعمق ويرسل أمواجه كرسائل لا يقرؤها سواه. هبّت نسمات دافئة من جهته، فشعر ببعض الراحة. أشعل سيجارة، ثم مدّ يده إلى جيبه وأخرج الرسالة التي قرأها مئات المرات… لكنه هذه المرة لم يقرأها، بل ترك عينيه تتبعان الأفق.
كانت قد أرسلت له رسالة قصيرة فور وصوله إلى تلك البلاد، كتبت فيها:
"سآتي إليك مثل غيمة، أحمل لك دفئي وحناني… لكنني لا أعرف متى. هل ستنتظرني؟"
منذ ذلك اليوم صار يقرأ الغيم كما يقرأ الغريب بلاده، وكما يقرأ العاشق وجه حبيبته. كان يفتّش في السماء عن ملامحها، وفي الريح عن صوتها، وفي الغيوم عن وعدها.
لكنها كانت تخدعه دائماً، تعده بالمطر… ولا تأتي. مثلها تماماً.
كان صيّاداً، لكن البحر كان يعيده دائماً إلى الشاطئ بشباك فارغة. فيجلس على الصخرة حزيناً، ضائعاً بين غيمة نائمة في البعيد… وسمكة لا تمنحه سوى البكاء.
في تلك الليلة أراد أن يداوي جرح غيابها، فمال نحو البحر وهمس كأنه يخاطبها: "بيني وبينكِ بحر من عتب… ومحيط من اشتياق".
وبينما كانت همساته تطير فوق الأمواج، رأى امرأة تتقدّم نحوه بخطوات هادئة، بثوب أبيض، كأنها حمامة انسابت من تواشيح الضياء.
ظنّ للحظة أنها هي، المرأة التي جعلته يكتب اسمها على كل منعطف من شرايينه. نهض فجأة، كأن قلبه يسبقه، وظلّ يحدّق فيها باندهاش.
وحين اقتربت، انطفأت دهشته، وبات مثل مدينة لا تؤجّل أحزانها.
رمقته المرأة الغريبة بنظرة غامضة وقالت:
ـ أأنت الصيّاد الذي ينتظر امرأة لا يعرف موعد عودتها؟
بعد أن خرج من دائرة الاندهاش أجاب:
ـ أنا الصياد الذي أبكته السمكة، والذي ما زال يصدّق الغيم.
رسمت أمامه ابتسامة هادئة، ثم مدّت يدها تصافحه وقالت:
ـ أحمل لك منها سلاماً… قالت لي: أخبريه إن مررتِ به، سنهمس أنا وهو في ليل قريب فوق أراجيح الوداد.
شعر للحظة أنه يسمع صوتها من خلفه. التفت سريعاً، فلم يجد أحداً. أراد أن يسأل المرأة إن كانت قد التقت بها، لكنه لم يجدها.
اختفت كما لو أنها لم تكن هنا قبل لحظات. ترك غيابها المفاجئ في قلبه لحناً حزيناً، جعله يتوه في دروب الحيارى. وبينما كان يحدّق في الأفق، بدأت قطرات المطر الأولى تتساقط.






