انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

صوت من تحت الركام

أنوار حسين الدليمي
أنوار حسين الدليمي

قاصة وأديبة عراقية

2 دقائق للقراءة
11 مشاهدة
صوت من تحت الركام
مشاركة:

تنقض الرؤيا عليه كل ليلة كوحشٍ كاسر، تقتحمه بين اليقظة والحلم، تُلقي به وسط مدينة خاوية تُشبه أطلال ذاكرته. الأبنية المهدّمة شاهدة على كارثة، والشوارع صامتة كأنها تبتلع أنفاسها. انفجاراتٌ بعيدة تهزّ الأرض، تُرسل الحصى والغبار في كل اتجاه، فيما يحيط به الخراب كعباءة ثقيلة، تخنق الهواء في صدره.. ولكنه كان يسمع صوتًا آخر، أنينًا خافتًا ينبعث من بين الأنقاض، كأنّ روحًا تائهة تستغيث.

رائحة الرماد تملأ المكان، لكنّه كان يستنشق شيئًا آخر، شيئًا يشبه عبيرها. صوتها يتردد في أذنيه، كأنها تناديه من غرفة مجاورة، أو ربما من خلف الجدار المتصدّع.

"هل أحضر لك بعض الماء؟" سأل بصوت خافت، كأنه يخشى أن يزعجها. التفت حوله يبحث عن الرد، لكنه لم يسمع سوى صمتٍ ثقيل. ومع ذلك، كان يقسم أنّه لمح ظلّها يمرّ بين الحطام، خفيفًا كنسمة، وسمع ضحكتها تخترق هذا الخراب، فتبدو الحياة أقرب مما هي عليه.

بين الحين والآخر، يتردد في أذنيه صوت خافت، أنينٌ متقطّع ينبعث من تحت الأنقاض. كان يقسم أن الصوت يحمل معنى، كأن هناك حياة مختبئة في هذا الركام، تناديه بخفوتٍ مرير. ومع ذلك، كان يخشى أن يُصدق، أن يسمح لهذه الأصداء أن تخترق قلبه المتعب.

حين يستفيق، كان يجد نفسه في غرفة بيضاء، سقفها خاوٍ. الجدران حوله ساكنة، تخشى أن تبوح له بسرّها. لم يكن يدرك تمامًا أين هو، لكنّ الصمت الذي يلفّ المكان كان يثقل صدره كالصخور. في زاوية ما، كان هناك صوت خطوات حذرة، همسات مكتومة تتردد خلف الأبواب.

جلس متكئًا على عكازه، عينيه التائهتين تبحثان عن شيء لا يُرى. استدار إلى صاحبه الجالس بجواره، أشار بيده المرتعشة نحو زاوية بعيدة. "هناك... سمعت صوتًا. كان يتألم."

صاحبه، الذي أثقلته الحقيقة أكثر مما أثقلته الرؤيا، ابتسم ابتسامة شاحبة، تخفي في طياتها شفقة عميقة. "ربما كان صوت حيوان،" قالها بخفة مصطنعة، محاولًا أن يطمئن روحه التي لم تبرأ من صدمة الفقدان.

لكنّه لم يقتنع. ظلّ جالسًا لساعات، يحدّق في الفراغ كأنّه يرى ما لا يراه الآخرون. كان يشعر بثقل غامض على كاهله، كأن العالم بأسره ينوء به. بين أنقاض ذاكرته، كان يرى ظلّها يمرّ خفيفًا كنسمة، يسمع صوتها يهمس له، يضحك له وجهها، كأنها ما زالت هنا، تشاركه هذا الخراب.

"هل رأيتها؟" سأل فجأة، صوته يخرج كهمسٍ مُثقل بالرجاء. نظر إليه، تردد للحظة، ثم هزّ رأسه نفيًا خفيفًا، يخشى أن يكسر شيئًا هشًا في روحه.. فالحقيقة، كانت أثقل من أن تُقال.. يجب أن تظل تحت الركام.. مثلها تمامًا.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٧ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:٣٢ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

على ضفاف الجراح
سرد

على ضفاف الجراح

على ضفاف الجراح إشراق، اسم امرأة يوحي بالضياء، ربما يرمز لشروق الشمس التي تمنحها دفء المشاعر والأحلام في الطفولة، بينما تلسع حرارتها جسدها الذائب بعد حين؛ ليلتهب بنار غير مسبوقة بأعراض. تنظر إلى الحياة من خلف أسلاك شائكة من الحزن فلا ترى الدنيا في عينها سوى: سوادِ ليل حالك، وذبولِ أزهار في خريف…

· 7 د
ليلة جنب التوابيت
سرد

ليلة جنب التوابيت

الساعة الثالثة بعد منتصف الليل.. أجلس مع بضعة موتى لم يحالفهم الحظ هذه الليلة، فغلبهم النعاس، وبضعة أحياء ماتوا للتو. خارج هذه الصالة كان العالم، وداخلها كان الخوف يتسرّب من النوافذ والجدران، يتجوّل بين الأسرّة وتحت الستائر، ويداعب الهواء المريض. كان جسده شفافًا ويده باردة. يتعب من جولاته، فيجلس…

· 2 د
أنياب البنادق
سرد

أنياب البنادق

| قاص وأديب | عراقي تنفّس بعمق حين انسكب الضوء على وجهه في يومٍ مشمسٍ يوحي بدفءٍ طاغٍ. وقف أمامها، فلامست عيناه ثقبًا مجوَّفًا أسفل ذقنها. تألّم في داخله لرؤيتها بتلك الحال. استنطق الصمت، فتدحرجت الأجوبة كسيلٍ صخري تراكم في حفرة أحدثتها تجارب الزمان. همست له بعد صمتٍ طويل التفَّ على حنجرتها بصوتٍ…

· 2 د