قلّة منا ، كانت تعرف لماذا جرى ما جرى ، وأكثر أبناء الحي العتيق ، كانوا يحركون رؤوسهم أسفاً وقلقاً وعيونهم تفيض بالتساؤل والحسرات .
جاء - حسو العربنجي - واقتحم الطاولة ، وإنهال بالسوط على - حموش الهبل - ضربه بسوط يسوس به حصاني عربته ، فإنطبعت خطوط حمر على وجهه ويديه وبدأ يعوي مثل جرو هزيل . الغريب أنه كان يتلقى ضربات السوط المضفور من جلد مرن ومتين ،من دون أن يتقيه أو يتحاشاه ويتجنب ناره اللاذعة ؟
من سواي وسوى الهبل والعربنجي وامرأته – أميرة – يعرف السر ؟ ومن منا يستطيع البوح بالسر ؟ هل أكشف المستور ؟ ومن يصدِّقني إن حكيت ما أبصرت ؟
لا أحد سيصدق أن الهبل قد تنعم وتقلب في الجنة ، لا أحد ؟
الهبل طرطور الحي ، ظفر بكأس العسل .
لن يعرف أولاد الحي العتيق ، أيّ ماكر هذا الهبل الذي درجنا أن نشاكسه كلما إلتقيناه بقولنا :
- ماتت ليلى .
فيثور ، ولسنا نعرف من هي ليلى التي ماتت ولماذا يثور ؟
كان – حموش الهبل – يعيش في سرداب جانبي من الطاولة ، ويشارك – هوبي الخصي – صاحب البقرات السمان الحلوبات ، سكنه ، كانا يحلبان البقرات ويبيعان لبنها الرائب الذي يزهو ببياضه الشهي في كاسات وطاسات من طين مفخور أخضر الباطن ، ومدهون بلون أخضر غامق يشبه لون الزيتون .
أهل حينا ، يقولون ، إن الهبل مقطوع من شجرة ، وقد خرج من الحائط ، ويقول - هوبي الخصي - إنه قد التقطه من المقبرة في ليلة باردة وهو قطعة لحم تصرخ في قماط ملوث بالدم!
والهبل له أسنان بارزة ، مدببة وخشنة ، طويل القامة ، ونحيف ، ولكنه يعاند بقرة ويضايقها حين يمسك قرنيها ويجبرها على الرضوخ ، ولذا وصف أهل الحي ، الهبل ، بصاحب الجسد الحديد !
كلنا نعرف ، أن - هوبي الخصي - تبنى - حموش الهبل - وكلنا نبصر الهبل يعاونه في حلب البقرات وتصريف الحليب واللبن ، وتنظيف المكان من الروث ، وحمل علف البقرات .
لم يهدأ غضب العربنجي ، ظل يضرب بالسوط الهبل ويصرخ :
- إبن الحرام ، إبن الحرام .
ولم يستطع - هوبي الخصي - أن يبعده قليلاً إلاّ بعد أن نالته نار السوط هو الآخر .
قال مختار الحي :
- لماذا تضرب هذا المسكين ؟
ردد العربنجي مهتاجاً :
- هذا سكين وليس مسكيناً .
قال المختار :
- ماذا فعل حتى تهرسه بهذا السوط الكافر ؟
ركن العربنجي جسده إلى جدار الطاولة وعيناه ترسلان شرراً ، إهتز صدره ، وتجهم وجهه ولزم الصمت وهو يلهث مرهقاً .
أنا أيضاً لزمت الصمت .
كنت صامتاً في تلك الظهيرة ، لا يفصلني عن منزل العربنجي ، سوى حائط شبه متهالك ، إعتدت أن أتسلقه في حر الظهيرة ، وأتخفى لأتلصص على - أميرة - زوجة العربنجي التي أحرقت قلبي .
رأيتها تهتز وتتمايل على وقع أنغام الأغنية التي يبثها المسجل ، كانت ترقص على أغنية :
- يا ريم وادي ثقيف -.
ترقص وقطعة العلكة في فمها ، تسرِّح شعرها وتعِّطر تحت إبطيها ، وترش نهديها بماء الورد الذي يتسلل إلى أنفي طيباً ! وتكحل عينيها اللتين لا تحتاجان الكحل فهما واسعتان مثل عيني غزالة ! وأوشكت أن أسقط صريعاً وأبكي وأنا أراها تستبدل فستانها الصيفي الخفيف بآخر أكثر شفافية ، رأيتها ترمي الفستان على السرير ، وتمسك الفستان الآخر وهي عارية إلاّ من سروال صغير وردي كشف عن فخذين مكتنزين لهما لون العسل ! ثدياها إندلقا أمامي وإندفعا وإشرأبا في إندفاعهما مثل تفاحتين مشرقتين ، تضوعان برائحة لذيذة أقسم بأني أشمها تهاجم دمائي المرتعشة .
الشي الذي صعقني أن - أميرة - تقدمت من المرآة ، نظرت إلى نهديها ، امسكتهما بلا مبالاة، لاعبتهما فإنهمرا بين يديها كالزبدة ، ورأيتها تزم شفتيها وكأنها غير راضية راسمة بيديها ما يوحي بالملل ، ثم نكثت شعرها وشدته بعصبية بأصابعها وانخرطت في بكاء مباغت جعل نهديها يرتعشان ، وظلّت تنظر في المرآة نظرات جامدة وتنقل عينيها إلى نهديها المنسكبين مثل قنديلي نور يتوقدان ، ولطمت خديها بلطف وبدأت تبكي !
أحرقني بكاؤها ، وظلت - أميرة - تقض مضجعي وتطيِّر النوم من عيني وتجعلني مكروباً حزيناً .
نهض - حسو العربنجي - وقال لـ – هوبي الخصي - :
- لا أريد أن أراكما في طاولتي غداً ، ألغيت عقد الإيجار بيننا .
سأل الخصي :
- من دون سبب ؟
قال العربنجي :
- الملك ملكي ، وأنا حر ، وهذا إنذار ، وإلاّ فالموت قادم .
شعر الخصي بأنه مهزوم ، فآثر الصمت وعيناه تلوبان بالحيرة إلاّ أنه أومأ برأسه موافقاً .
كان الهبل يجأر ويعوي مثل جرو جريح .
وجرجر العربنجي قدميه وسار صوب منزله بإعياء .
قال مختار الحي :
- كيف تترك العنين الذي لا رجاء فيه ، يطردك ؟ هذا ليس برجل ، ضمرت خصيتاه في صباه حين ضربه داء النكاف !
قال - هوبي الخصي - :
- أنت تلاحظ أن الله يعطي الجوز للذي لا أسنان له !
قال مختار الحي :
- أخبرتني أم أولادي ، إن بطن إمرأة العربنجي قد إرتفعت .
سأل هوبي بلؤم :
- كيف وليس لديه سوى خرقة مثل خرقتي ؟
ضحك المختار وقال :
- الله وحده يعلم .
وسكت لحظة وقال :
- كلنا نحسد هذا الزنخ على النعمة التي بين يديه !
خالي هو الآخر ، كان يحسد العربنجي ، ويعشق - أميرة - عن بعد ، وكان يقول لي بنبرة أسى وغيرة أراهما في عينيه الظامئتين :
- ألا تعجب لحسو العربنجي ! بين أحضانه كل هذا اللحم اللدن الغض الذي يصدر نوراً يبدد بجماله الآسر ، ظلام الدنيا ؟
وحين يبصر حيرتي وعينيّ ، يقول :
- هل نظرت إلى وجهها المنير الذي يرشح فتنة ، وهل تشعر مثلي بهذه البشرة الرقيقة التي ترش الروح بعذوبة مربكة ؟ أم أنك صغير على هذه الأمور أيها الثعلب الصغير ؟
يصمت خالي ويهمس بضراعة :
- يا ربي ، في عينيها صرخة منقوشة تظل في الذاكرة حتى قيام الساعة ! أما رقبتها الصقيلة كالبلّور التي تشف عن عروق زرق مرهفة ، فتكاد تهلكني !
وعلى الرغم من أنني كنت أعشق - أميرة - إلاّ أنني لم أجسر على البوح لخالي ، وكنت مستاءً لأنه يراني صغيراً ، من دون أن يعرف أن قلبي متعلق بـ – أميرة – صاحبة الخال القهوائي الذي يزين خدها الأيسر ، وسطه تماماً ، ويطلق وجهها شرر الغواية حين تبتسم فترسم غمازتاها ، دعوة حلوة ! كنت ممتلئاً بالنار ، وكانت – أميرة – ممتلئة بالنور ، ولكنها لم تكن لي ، ولم تكن لخالي ، وقد ذهبت مع الريح كل تلك العطور التي أهرقناها على جسدينا ، لنلفت نظرها ، مثلما لم تأبه لنا ونحن نتزين ونرتدي أجمل الثياب ، وقد بليت أقدامنا ونحن نمر مرات كثيرة في اليوم أمام باب منزل - أميرة - لنجعلها تشعر بنا ! ولكن ما من فائدة ، فمزاج – أميرة – لم يكن معنا ، وشيطانها قد إختار شيطانه الآخر !
من منزل العربنجي ، إنبثق صراخ ، وتعالت ضجة ، وإرتفع صخب !
وفي الطاولة ما زال الهبل يئن ويعوي .
وأنا أقف قريباً من الخصي ومختار حينا ، وقد أودعنا آذاننا لنلتقط الشتائم والعويل والصراخ من منزل العربنجي.
تسللت بعض نساء الحي إلى منزل العربنجي الذي غادره وهو يكلم نفسه ويتطلع من دون هدىً إلى كل الجهات ، ولست أدري لماذا شعرت بأنه مهجور !
وتسلل - حموش الهبل - في تلك الظهيرة التي كانت الشمس فيها تنفث اللهيب الذي حاولت إتقاءه بقبعة منسوجة من قش ، وأنا على سطح المنزل أتلصص .
تسلل حموش إلى منزل العربنجي ، وكانت - أميرة - تنتظره ، لم تصدِّق أنه قد جاء فإستقبلته بلهفة وقادته إلى الغرفة ، أخذت جسده بيديها المرتبكتين ، وجسته من تحت بطنه ، فهاج حموش وماج ، وتوتر جسده وبدا صلباً مثل عصا قوية متماسكة وهي تنبض ، وتختلج، وفجأة انحنت وباست يديه ، يا إلهي ، دموع - أميرة - غزيرة ، لماذا تبكي ؟
بيني وبينهما شمرة عصا أو أقل !
دموع – أميرة – تبلل وجه الهبل وهو مرتبك لا يدري ما يفعل سوى أن يستكين لحركتي يديها وينظر إليها بعينين مخطوفتين ، وأنا مخطوف من نفسي لا أحتمل ما يحصل ، روحي تغلي وتكاد تغادر جسدي ، الدوخة أمسكتني وأنياب الحمّى توغل في عروقي ، ودمائي الهائجة ، توترت وتراكضت لتخفق وتلطم صدري ، وتجعل جسدي قاسياً منتصبا مثل صخرة.
يا شياطين الأرض ، ويا ملائكة السماء ، أسعفيني ، وأنقذيني من هذا الكرب !
جعلت - أميرة - الهبل ، يرقد تحتها على السرير ، وأمسكت برأسه ، تطلعت في عينيه ، تأملته للحظة ثم هبطت عليه من الأعلى ، وكان الهبل ينتفض مثل كبش حزّت عنقه سكين مرهفة ، بينما برقت عيناها بنار تكفي لحرق الدنيا وليس لحرقي أنا فقط ، نار سلّطتها على الهبل ، وشرعت تنفخ وتلهث ويختلج وجهها وكأنه غريق يطلق صرخات إستغاثة ، إرتجفت كما لو أن سلك كهرباء ، قد مسّها وجعلها تقلِّص وتقبض وتبسط جسدها ، ثدياها هطلا على صدر الهبل ، وفخذاها المكتنزان يصعدان ويهبطان ويرتجفان ، وبدت تنظر ضارعة ، متوسلة إلى الهبل الذي لم يكف جسده عن الإنتفاض ، وكان يشخر مثل ثور ، وأحسست بجسدي ينتفض وقد لامسه تيار نار ، توتر وتصلَّب وسرعان ما دبت رجفة مريحة في عروقي أشعرتني بالسعادة والندم !
شعرت بأنين الهبل يصلني ، وعجبت من أنينها الذي يشبه البكاء بالرغم من أنني أمسكت ظل إبتسامة رخوة في وجهها الذي بدا طافحاً بالدم ! ولا أعرف إن كنت أنا الذي صرخ لوعة وهرب بمياهه الدافقة التي بلّلت فخذيه ، أم أن - أميرة - هي التي عوّت مثل ذئبة وهي تتمرغ فوق الهبل ! وربما كان الهبل هو الذي صرخ وأعول مندهشاَ !
الهبل ما يزال يئن أنيناً خافتاً ويعوي بألم ، والخصي ، قد بلل منديله بالماء وإقترب منه ليمسد بحنو وغضب ، آثار لسعات نار السوط على وجهه المتشقق وجبهته المتورمة !
قال مختار الحي :
- ترفق به ، ترفق الله بك .
وأنا أقف والأنين يعلو في رأسي ويوجع قلبي ، أريد أن أكشف المستور وأصرخ في الحي وأثأر من العربنجي ، ولا تطاوعني روحي ! فألم سِري على سِري وأرتمي في بئر السكوت!
إندفع العربنجي مثل سيل عرم صوب منزله وبيده غالون بنزين !
خرجت نساء الحي من الباب يولولن .
أوصد العربنجي الباب من الداخل .
لطمت إمرأة من اللواتي غادرن منزل العربنجي خديها برفق وعضت على شفتيها مستنكرة وقالت :
- فضيحة ! فضيحة بجلاجل !
وإندلعت النار من المنزل ، وإندلع صراخ - أميرة - .
غرق المنزل في اللّهيب والدخان ، ولم يكن بإستطاعة أحد منا أن يفعل شيئاً ، سوى النظر بدهشة وعجز تامين لا يقطعهما سوى صراخنا العالي .
ومثل قنبلة معدة للانفجار ، إنقض الهبل على باب المنزل ، وبدأ يلطمه بيديه الشبيهتين بيدي قاطعي الحجارة ، وجسده النحيل الحديد ، ومع أن الباب تخلخل قليلاً وإرتج إلاّ أنه ظل موصداً ، عصياً على الهبل الذي إنهار على الأرض مستسلماً ، وتوّسد جدار المنزل وبدأ العواء الموحش الذي زلزل قلوبنا .
وظلّت النار تنهش المنزل والسخام يغطي جدرانه القديمة .
راقبت الدخان الأسود الكثيف ، وشعرت بالنار تفترس قلبي ، لكنني قطعت العهد على نفسي بألاّ أبوح بالسر حتى لخالي الذي لن يصدق ما كنت رأيت من أفعال - أميرة - والهبل !







التعليقات