انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

سر حموش الهبل

نجمان ياسين
نجمان ياسين

أديب ومؤرخ عراقي

9 دقائق للقراءة
93 مشاهدة
سر حموش الهبل
مشاركة:

قلّة منا ، كانت تعرف لماذا جرى ما جرى ، وأكثر أبناء الحي العتيق ، كانوا يحركون رؤوسهم أسفاً وقلقاً وعيونهم تفيض بالتساؤل والحسرات .

جاء - حسو العربنجي - واقتحم الطاولة ، وإنهال بالسوط على - حموش الهبل - ضربه بسوط يسوس به حصاني عربته ، فإنطبعت خطوط حمر على وجهه ويديه وبدأ يعوي مثل جرو هزيل . الغريب أنه كان يتلقى ضربات السوط المضفور من جلد مرن ومتين ،من دون أن يتقيه أو يتحاشاه ويتجنب ناره اللاذعة ؟

من سواي وسوى الهبل والعربنجي وامرأته – أميرة – يعرف السر ؟ ومن منا يستطيع البوح بالسر ؟ هل أكشف المستور ؟ ومن يصدِّقني إن حكيت ما أبصرت ؟

لا أحد سيصدق أن الهبل قد تنعم وتقلب في الجنة ، لا أحد ؟

الهبل طرطور الحي ، ظفر بكأس العسل .

لن يعرف أولاد الحي العتيق ، أيّ ماكر هذا الهبل الذي درجنا أن نشاكسه كلما إلتقيناه بقولنا :

- ماتت ليلى .

فيثور ، ولسنا نعرف من هي ليلى التي ماتت ولماذا يثور ؟

كان – حموش الهبل – يعيش في سرداب جانبي من الطاولة ، ويشارك – هوبي الخصي – صاحب البقرات السمان الحلوبات ، سكنه ، كانا يحلبان البقرات ويبيعان لبنها  الرائب الذي يزهو ببياضه الشهي في كاسات وطاسات من طين مفخور أخضر الباطن ، ومدهون بلون أخضر غامق يشبه لون الزيتون .

أهل حينا ، يقولون ، إن الهبل مقطوع من شجرة ، وقد خرج من الحائط ، ويقول - هوبي الخصي - إنه قد التقطه من المقبرة في ليلة باردة وهو قطعة لحم تصرخ في قماط ملوث بالدم!

والهبل له أسنان بارزة ، مدببة وخشنة ، طويل القامة ، ونحيف ، ولكنه يعاند بقرة ويضايقها حين يمسك قرنيها ويجبرها على الرضوخ ، ولذا وصف أهل الحي ، الهبل ، بصاحب الجسد الحديد !

كلنا نعرف ، أن - هوبي الخصي - تبنى - حموش الهبل - وكلنا نبصر الهبل يعاونه في حلب البقرات وتصريف الحليب واللبن ، وتنظيف المكان من الروث ، وحمل علف البقرات .

لم يهدأ غضب العربنجي ، ظل يضرب بالسوط الهبل ويصرخ :

- إبن الحرام ، إبن الحرام .

ولم يستطع - هوبي الخصي - أن يبعده قليلاً إلاّ بعد أن نالته نار السوط هو الآخر .

قال مختار الحي :

- لماذا تضرب هذا المسكين ؟

ردد العربنجي مهتاجاً :

- هذا سكين وليس مسكيناً .

قال المختار :

- ماذا فعل حتى تهرسه بهذا السوط الكافر ؟

ركن العربنجي جسده إلى جدار الطاولة وعيناه ترسلان شرراً ، إهتز صدره ، وتجهم وجهه ولزم الصمت وهو يلهث مرهقاً .

أنا أيضاً لزمت الصمت .

كنت صامتاً في تلك الظهيرة ، لا يفصلني عن منزل العربنجي ، سوى حائط شبه متهالك ، إعتدت أن أتسلقه في حر الظهيرة ، وأتخفى لأتلصص على - أميرة - زوجة العربنجي التي أحرقت قلبي .

رأيتها تهتز وتتمايل على وقع أنغام الأغنية التي يبثها المسجل ، كانت ترقص على أغنية :

- يا ريم وادي ثقيف -.

ترقص وقطعة العلكة في فمها ، تسرِّح شعرها وتعِّطر تحت إبطيها ، وترش نهديها بماء الورد الذي يتسلل إلى أنفي طيباً ! وتكحل عينيها اللتين لا تحتاجان الكحل فهما واسعتان مثل عيني غزالة ! وأوشكت أن أسقط صريعاً وأبكي وأنا أراها تستبدل فستانها الصيفي الخفيف بآخر أكثر شفافية ، رأيتها ترمي الفستان على السرير ، وتمسك الفستان الآخر وهي عارية إلاّ من سروال صغير وردي كشف عن فخذين مكتنزين لهما لون العسل ! ثدياها إندلقا أمامي وإندفعا وإشرأبا في إندفاعهما مثل تفاحتين مشرقتين ، تضوعان برائحة لذيذة أقسم بأني أشمها تهاجم دمائي المرتعشة .

الشي الذي صعقني أن - أميرة - تقدمت من المرآة ، نظرت إلى نهديها ، امسكتهما بلا مبالاة، لاعبتهما فإنهمرا بين يديها كالزبدة ، ورأيتها تزم شفتيها وكأنها غير راضية راسمة بيديها ما يوحي بالملل ، ثم نكثت شعرها وشدته بعصبية بأصابعها وانخرطت في بكاء مباغت جعل نهديها يرتعشان ، وظلّت تنظر في المرآة نظرات جامدة وتنقل عينيها إلى نهديها المنسكبين مثل قنديلي نور يتوقدان ، ولطمت خديها بلطف وبدأت تبكي !

أحرقني بكاؤها ، وظلت - أميرة - تقض مضجعي وتطيِّر النوم من عيني وتجعلني مكروباً حزيناً .

نهض - حسو العربنجي - وقال لـ – هوبي الخصي - :

- لا أريد أن أراكما في طاولتي غداً ، ألغيت عقد الإيجار بيننا .

سأل الخصي :

- من دون سبب ؟

قال العربنجي :

- الملك ملكي ، وأنا حر ، وهذا إنذار ، وإلاّ فالموت قادم .

شعر الخصي بأنه مهزوم ، فآثر الصمت وعيناه تلوبان بالحيرة إلاّ أنه أومأ برأسه موافقاً .

كان الهبل يجأر ويعوي مثل جرو جريح .

وجرجر العربنجي قدميه وسار صوب منزله بإعياء .

قال مختار الحي :

- كيف تترك العنين الذي لا رجاء فيه ، يطردك ؟ هذا ليس برجل ، ضمرت خصيتاه في صباه حين ضربه داء النكاف !

قال - هوبي الخصي - :

- أنت تلاحظ أن الله يعطي الجوز للذي لا أسنان له !

قال مختار الحي :

- أخبرتني أم أولادي ، إن بطن إمرأة العربنجي قد إرتفعت .

سأل هوبي بلؤم :

- كيف وليس لديه سوى خرقة مثل خرقتي ؟

ضحك المختار وقال :

- الله وحده يعلم .

وسكت لحظة وقال :

- كلنا نحسد هذا الزنخ على النعمة التي بين يديه !

خالي هو الآخر ، كان يحسد العربنجي ، ويعشق - أميرة - عن بعد ، وكان يقول لي بنبرة أسى وغيرة أراهما في عينيه الظامئتين :

- ألا تعجب لحسو العربنجي ! بين أحضانه كل هذا اللحم اللدن الغض الذي يصدر نوراً يبدد بجماله الآسر ، ظلام الدنيا ؟

وحين يبصر  حيرتي وعينيّ ، يقول :

- هل نظرت إلى وجهها المنير الذي يرشح فتنة ، وهل تشعر مثلي بهذه البشرة الرقيقة التي ترش الروح بعذوبة مربكة ؟ أم أنك صغير على هذه الأمور أيها الثعلب الصغير ؟

يصمت خالي ويهمس بضراعة :

- يا ربي ، في عينيها صرخة منقوشة تظل في الذاكرة حتى قيام الساعة ! أما رقبتها الصقيلة كالبلّور التي تشف عن عروق زرق مرهفة ، فتكاد تهلكني !

وعلى الرغم من أنني كنت أعشق - أميرة - إلاّ أنني لم أجسر على البوح لخالي ، وكنت مستاءً لأنه يراني صغيراً ، من دون أن يعرف أن قلبي متعلق بـ – أميرة – صاحبة الخال القهوائي الذي يزين خدها الأيسر ، وسطه تماماً ، ويطلق وجهها شرر الغواية حين تبتسم فترسم غمازتاها ، دعوة حلوة ! كنت ممتلئاً بالنار ، وكانت – أميرة – ممتلئة بالنور ، ولكنها لم تكن لي ، ولم تكن لخالي ، وقد ذهبت مع الريح كل تلك العطور التي أهرقناها على جسدينا ، لنلفت نظرها ، مثلما لم تأبه لنا ونحن نتزين ونرتدي أجمل الثياب ، وقد بليت أقدامنا ونحن نمر مرات كثيرة في اليوم أمام باب منزل - أميرة - لنجعلها تشعر بنا ! ولكن ما من فائدة ، فمزاج – أميرة – لم يكن معنا ، وشيطانها قد إختار شيطانه الآخر !

من منزل العربنجي ، إنبثق صراخ ، وتعالت ضجة ، وإرتفع صخب !

وفي الطاولة ما زال الهبل يئن ويعوي .

وأنا أقف قريباً من الخصي ومختار حينا ، وقد أودعنا آذاننا لنلتقط الشتائم والعويل والصراخ من منزل العربنجي.

تسللت بعض نساء الحي إلى منزل العربنجي الذي غادره وهو يكلم نفسه ويتطلع من دون هدىً إلى كل الجهات ، ولست أدري لماذا شعرت بأنه مهجور !

وتسلل - حموش الهبل - في تلك الظهيرة التي كانت الشمس فيها تنفث اللهيب الذي حاولت إتقاءه بقبعة منسوجة من قش ، وأنا على سطح المنزل أتلصص .

تسلل حموش إلى منزل العربنجي ، وكانت - أميرة - تنتظره ، لم تصدِّق أنه قد جاء فإستقبلته بلهفة وقادته إلى الغرفة ، أخذت جسده بيديها المرتبكتين ، وجسته من تحت بطنه ، فهاج حموش وماج ، وتوتر جسده وبدا صلباً مثل عصا قوية متماسكة وهي تنبض ، وتختلج، وفجأة انحنت وباست يديه ، يا إلهي ، دموع - أميرة - غزيرة ، لماذا تبكي ؟

بيني وبينهما شمرة عصا أو أقل !

دموع – أميرة – تبلل وجه الهبل وهو مرتبك لا يدري ما يفعل سوى أن يستكين لحركتي يديها وينظر إليها بعينين مخطوفتين ، وأنا مخطوف من نفسي لا أحتمل ما يحصل ، روحي تغلي وتكاد تغادر جسدي ، الدوخة أمسكتني وأنياب الحمّى توغل في عروقي ، ودمائي الهائجة ، توترت وتراكضت لتخفق وتلطم صدري ، وتجعل جسدي قاسياً منتصبا مثل صخرة.

يا شياطين الأرض ، ويا ملائكة السماء ، أسعفيني ، وأنقذيني من هذا الكرب !

جعلت - أميرة - الهبل ، يرقد تحتها على السرير ، وأمسكت برأسه ، تطلعت في عينيه ، تأملته للحظة ثم هبطت عليه من الأعلى ، وكان الهبل ينتفض مثل كبش حزّت عنقه سكين مرهفة ، بينما برقت عيناها بنار تكفي لحرق الدنيا وليس لحرقي أنا فقط ، نار سلّطتها على الهبل ، وشرعت تنفخ وتلهث ويختلج وجهها وكأنه غريق يطلق صرخات إستغاثة ، إرتجفت كما لو أن سلك كهرباء ، قد مسّها وجعلها تقلِّص وتقبض وتبسط جسدها ، ثدياها هطلا على صدر الهبل ، وفخذاها المكتنزان يصعدان ويهبطان ويرتجفان ، وبدت تنظر ضارعة ، متوسلة إلى الهبل الذي لم يكف جسده عن الإنتفاض ، وكان يشخر مثل ثور ، وأحسست بجسدي ينتفض وقد لامسه تيار نار ، توتر وتصلَّب وسرعان ما دبت رجفة مريحة في عروقي أشعرتني بالسعادة والندم !

شعرت بأنين الهبل يصلني ، وعجبت من أنينها الذي يشبه البكاء بالرغم من أنني أمسكت ظل إبتسامة رخوة في وجهها الذي بدا طافحاً بالدم ! ولا أعرف إن كنت أنا الذي صرخ لوعة وهرب بمياهه الدافقة التي بلّلت فخذيه ، أم أن - أميرة - هي التي عوّت مثل ذئبة وهي تتمرغ فوق الهبل ! وربما كان الهبل هو الذي صرخ وأعول مندهشاَ !

الهبل ما يزال يئن أنيناً خافتاً ويعوي بألم ، والخصي ، قد بلل منديله بالماء وإقترب منه ليمسد بحنو وغضب ، آثار لسعات نار السوط على وجهه المتشقق وجبهته المتورمة !

قال مختار الحي :

- ترفق به ، ترفق الله بك .

وأنا أقف والأنين يعلو في رأسي ويوجع قلبي ، أريد أن أكشف المستور وأصرخ في الحي وأثأر من العربنجي ، ولا تطاوعني روحي ! فألم سِري على سِري وأرتمي في بئر السكوت!

إندفع العربنجي مثل سيل عرم صوب منزله وبيده غالون بنزين !

خرجت نساء الحي من الباب يولولن .

أوصد العربنجي الباب من الداخل .

لطمت إمرأة من اللواتي غادرن منزل العربنجي خديها برفق وعضت على شفتيها مستنكرة وقالت :

- فضيحة ! فضيحة بجلاجل !

وإندلعت النار من المنزل ، وإندلع صراخ - أميرة - .

غرق المنزل في اللّهيب والدخان ، ولم يكن بإستطاعة أحد منا أن يفعل شيئاً ، سوى النظر بدهشة وعجز تامين لا يقطعهما سوى صراخنا العالي .

ومثل قنبلة معدة للانفجار ، إنقض الهبل على باب المنزل ، وبدأ يلطمه بيديه الشبيهتين بيدي قاطعي الحجارة ، وجسده النحيل الحديد ، ومع أن الباب تخلخل قليلاً وإرتج إلاّ أنه ظل موصداً ، عصياً على الهبل الذي إنهار على الأرض مستسلماً ، وتوّسد جدار المنزل وبدأ العواء الموحش الذي زلزل قلوبنا .

وظلّت النار تنهش المنزل والسخام يغطي جدرانه القديمة .

راقبت الدخان الأسود الكثيف ، وشعرت بالنار تفترس قلبي ، لكنني قطعت العهد على نفسي بألاّ أبوح بالسر حتى لخالي الذي لن يصدق ما كنت رأيت من أفعال - أميرة - والهبل !

مشاركة:

آخر تحديث: ١٠ أيلول ٢٠٢٦ في ١٢:٢٧ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

إِيلُوهِيمُ القَفَص: هَذَيَانُ الرِّيشِ أَمَامَ آلِهَةِ الفُولَاذ
سرد

إِيلُوهِيمُ القَفَص: هَذَيَانُ الرِّيشِ أَمَامَ آلِهَةِ الفُولَاذ

اللوح الأول: رقيمُ السِّلكِ وتَقْدِيسُ الرَّحِمِ العَاقِر تبدأ الحكايةُ دائمًا من اعترافٍ صلبٍ: إنّ ما يجري في جوف هذا القفص السلكي ليس مجرد هزلٍ مسرحيّ عابر، ولا رتابة بيولوجية بريئة، بل هو طقسٌ كهنوتيّ مُحنّط، يعيد إنتاجَ حماقته بانتظامٍ ميكانيكيّ مريب؛ كأنّ الزمن موظفٌ أزليّ كسيح في ديوان بابل…

· 7 د
لحظة حب
سرد

لحظة حب

صحيح أنك تأخرت عن اللقاء... ورغم انتظاري قرب تلك الشجرة التي طالما عشقناها... تلك التي تسمع حديثنا ولا تشي به لأحد... على أية حال، تركت لك رسالة على جذعها، اقرأها إن حضرت... اقرأها بقلبك قبل عينيك، فالحروف لم تُكتب بحبرٍ مجرد، بل بنبضٍ أرهقه طول الانتظار. كتبتُ لك عن البرد الذي تسلل إلى أطرافي،…

· 2 د
إلى أين نمضي؟
سرد

إلى أين نمضي؟

في تلك الليلة، لم تكن الحرب مجرد صوت بعيد. كانت حاضرة في كل شيء: في وقع القذائف التي تهز الصفائح المعدنية التي تغطي المواضع الدفاعية، وفي ارتجاج الأرض تحت القدمين، وفي ذلك الغبار الذي يجتاح المكان بعد سقوط تلك القذائف، وفي ذلك الصمت المريب الذي يسبق وصول الأوامر. كان الضابط، آمر السرية، يعرف أن…

· 6 د