اليقين في الحلم يأتي من الأفق البعيد؛ من تلك الطفولة التي تبتعد عن مساوئ الحياة، لتبقى نقية في حضن الحقيقة الجميلة التي كوّنتها ذراعا أمٍّ وصوتها الحاني، وهي ترسل ترانيمها السماوية التي تصدح في الآفاق، حتى إن الجيران كانوا يطربون لصوتها الشجي الذي يبدد آلامهم ومخاوفهم من الليل وطرقه.
كانت تقول:
"دلول يا الولد، يبني عدوك ذليل، وساكن الجول..."
وأمام ذلك الامتداد الطيني، كان يقف بيتٌ مبنيٌّ من قوالب الطين، يسمونه بيتاً، لكنه كان بالنسبة إليهم أكثر من ذلك؛ كان مأوى يعيد إليهم الدفء والأمان. وفي زاوية الغرفة موقد صغير، ربما كان يبعث بدخانه إلى غرفة المنام، فيملأها اختناقاً، لكنهم كانوا يتقبلون ذلك كله بصمت، فقد كانت الحياة أقسى من أن تمنحهم خيارات كثيرة.
ومع هذا الألم الكبير وظلم الحياة، بقيت الأم متمسكة بأبنائها بقوة. وربما كانت تقف في وسط باحة البيت، وتنظر في جميع اتجاهات الأرض، فتراها هزيلة وضعيفة أمام عنفوانها وجبروتها وصلابتها الإرادية؛ تلك المرأة التي تشق عباب الحياة كما شقت آفاق السماء بصوتها الصادح.
في بداية كل ليلة، كانت تبدأ بحكايات الآباء والأجداد، وبشوقها اللامحدود إلى بطولاتهم. كان البيت الطيني، وبيت الشعر المتدلي من جوانبه حتى يكاد يلامس الأرض، قائماً في مكان مرتفع قريب من النهر، وكأن المكان كله كان يحتفظ بذاكرة الذين مروا من هنا.
كان ياسين، كبير العائلة، ينصت إلى حديث أمه وصوتها الشجي بكل جوارحه. كانت قصصها جميلة، مرهفة، مشبعة بالشوق والحنان. وكانت الأيام تمضي، بينما تتكرر الحكايات كل ليلة، حتى أصبحت جزءاً من ذاكرته ووجدانه.
كانت تحكي لهم كيف أن جدهم حمل فأسه وترك أرضه ليدافع عن تلك الأرض التي كانت تبعد عشرات الأميال، وتقع في جزيرة من الرمال، حتى لا يستولي عليها الغرباء القادمون من أراضٍ بعيدة. وفي آخر معركة معهم، اخترقت إحدى رصاصاتهم الغادرة سترته القديمة، ولولا لطف الله لكان واحداً من قتلى تلك المعركة.
وكانوا يتلهفون إلى نهاية القصة، تأخذهم إليها عواطف جياشة ونبرة صوت ملائكية، فتتلون وجوههم بالخوف من المجهول الذي ينتظرهم في نهايتها.
لكن الحياة لا تبقى على حال. إذ تنعطف الأيام، وتقسو، ويغيب ذلك الصوت الشجي الذي لم يكن يفهم قيمته إلا من ذاق العوز، وعرف معنى الدفء والحنان. ومرت مراحل الحياة واحدة تلو الأخرى، حتى أصبح الفؤاد فزعاً من المجهول القادم.
غاب صوت الأم.
وبقيت آثار أقدامها في وسط البيت، وبقي عطرها الأخاذ عالقاً في ذاكرة المكان. ظل ياسين يتفقدها بين الحيطان وشبابيك الدار ومقابض الأبواب وأزيزها، وكأنه ينتظر أن تعود من مكان ما.
لقد افتقد ذلك الأمان الروحي الذي كانت تمنحه له. لذا أخذ نفساً عميقاً، ثم أطلقه بحسرة، وحشرجة بكاء مرٍّ مخزونة في صدره، كرصاص يتناثر من بندقية بلا أمان.
أصبحت حياته قاسية.
سأل نفسه:
- ماذا بعد والدتي؟
لقد سلمها لشيء اسمه المرض؛ ذلك المرض غير المرئي الذي تسلل إليها حتى قتلها.
هل تعود روحها يوماً لتطوف في البيت؟ لكن هي سنة الحياة تقول إن من يسلك هذا الطريق لا يعود.
استدرجت تجاعيد الحياة وجه ياسين، فكانت تسير فوقه رغم أنه ما زال شاباً. لكنه أصبح كبير العائلة، وحامل إرث أسرة ذات تاريخ طويل، إرث أم لم تنكسر أمام عاتيات الزمن وصلابته.
هناك، تيقن أن الحياة تبدأ بالصبر والجلادة، وأن الصبر الذي يبدأ من الصغر قد يتحول إلى عادة ترافق الإنسان حتى الكبر.
كان ياسين يمتلك محلاً لبيع الفواكه، وكان انعكاساً لذلك الصبر والجلادة. يجود يومياً بخيراته، ويوفر مصاريف البيت، ثم يجعل ما يتبقى للعوائل الفقيرة الأخرى. لم يكن المحل يشبه الكثير من المحلات الأخرى؛ فقد كان بالنسبة إليه بركة ربانية، له وللعوائل التي تعيش حوله.
ومع مرور الوقت، أصبح المحل محط أنظار تجار السوق الكبير، بعدما ذاع صيته وكثر رزقه، حتى تجاوز ياسين محنة الفقر التي التصقت بهذه العائلة منذ زمن بعيد.
لذا اجتمع كبار تجار السوق، وقرروا الذهاب إليه لإغرائه بالمال الكثير مقابل بيع محله.
لكنه رفض.
ومع ما كان يجري من مشاكل مع ذوي النسب والقربى، وبعضهم كان قد دُفع إليه المال ليلعب دوراً معيناً في هذه الصفقة، ظل ياسين يقرأ في تقاسيم وجوههم وعيونهم علامات الخديعة والخبث المقيت.
لكن تجارته كانت تتطلب منه أحياناً السفر إلى أماكن بعيدة، وقد تمدد رحلاته أياماً أو أسابيع. لذلك أوكل إلى أخيه سرمد إدارة البيت والمحل.
لم يكن سرمد بنباهة أخيه ياسين، لكنه كان طيب القلب، سريع التصديق، ويعتقد أن الآخرين لا يريدون إلا مصلحة الجميع.
وفي إحدى المرات، جاء إليه أحد المخادعين، ودعاه إلى وليمة كبيرة أقامها عدد من كبار التجار. رافقه إلى مزرعة كبيرة خاصة به، ثم قال له:
- إن هذه المزرعة تدر أرباحاً كثيرة، وستباع قريباً، وأنا أرغب في أن تستثمر فيها. فما رأيك أن تستبدل بها المحل؟
ثم أضاف:
- إذا بعتها أو استثمرتها، فستدر عليك أرباحاً تساوي عشرات المرات ما يدره المحل.
سارت الأمور بهدوء، وكان سرمد يزداد انبهاراً كلما أخذوه إلى المدينة؛ مدينة تختلف تماماً عن قريته، بمبانيها العالية، وشوارعها المزدحمة، وأهلها الميسورين، ومظاهر الحياة التي لم يكن قد اعتاد عليها.
حتى إنه انشغل بذلك البريق الجديد، ونسِيَ ما ائتمنه عليه أخوه: العائلة، والمحل، والتجارة.
وافق على البيع سريعاً. منح ثقته للمخادع بلا ضمان، ولا شرط يحفظ حقه في التراجع عن الصفقة إذا خسر، أو إذا لم يرضَ أخوه ياسين عنها.
وجاءت الطامة الكبرى. عاد ياسين، فوجد كل شيء قد تغير. لم يسره شيء مما رأى، وعاتبهم عتاباً شديداً، ثم قرر أن يذهب بنفسه إلى المزرعة ليرى ما الذي جرى.
وصل إلى المكان. نظر حوله طويلاً، لم يجد مزرعة كما وصفوها له. كانت الأرض مليئة بالأدغال والكثبان الرملية والحصى، لا تكاد تصلح لشيء.
ثم أخيراً جلس على تلة من الرمل، وأشعل سيجارته، وظل صامتاً. رفع عينيه نحو الأفق، وفي تلك اللحظة، لم يرَ أمامه سوى سراب الحياة....







التعليقات