انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

رباعية المكتبة المنسيّة

محمد جبر حسن
محمد جبر حسن

قاص وروائي عراقي

14 دقائق للقراءة
5 مشاهدة
رباعية المكتبة المنسيّة
مشاركة:

القصة الأولى

مكتبة في زقاق

رغم أنّني أسكن على بُعدٍ لا يتجاوز المئتي متر، لم أدخل ذلك الزقاق يومًا.

كان مجهولًا، كأنّ المدينة تعمّدت نسيانه، والخرائط شطبت اسمه عن قصد.

لم يكن لديّ سببٌ يدفعني لاجتيازه، ولا ذكرى تربطني به، لكن منذ فترة سمعت همسًا عن مكتبةٍ قديمةٍ مخبّأة في نهايته.

اشتعل فضولي على غير عادتي، وتمنّيت أن أجد فيها كتابًا ضائعًا أبحث عنه منذ زمنٍ طويل، وربما ودون أن أعترف لنفسي أجد شيئًا آخر لا أعرفه بعد.

حين وقفت عند مدخل الزقاق، شعرتُ بأنّ المدينة تُغلق بابها خلفي.

الأصوات تلاشت تدريجيًا:

لا سيارات، لا ضجيج، فقط وقع قدميّ وصدى أنفاسي.

كان الزقاق ضيّقًا رطبًا، غارقًا في عتمةٍ لا تزول حتى في وضح النهار.

أرضيّته العتيقة لم تُجدَّد منذ نصف قرنٍ على الأقل، وأحجاره المتهشّمة تئنّ تحت خطواتي، كأنّها تحتجّ على دخيلٍ تأخّر كثيرًا.

الهواء ملأ صدري برائحة عفنٍ وغبار، كأنّني أتنفّس حزن المدينة القديم.

شعرتُ أنّ الزمن يتشظّى أمامي، وأنّ طفلًا يسكن داخلي يطلّ عليّ من بعيد، يسألني بعينين مذعورتين:

"لماذا أنت هنا؟"

همستُ لنفسي وأنا أتابع السير:

"هل هو الفضول فقط، أم أنّني أبحث عن شيءٍ أجهل ماهيّته؟"

توقّفتُ لحظة، وكأنّ صوتًا آخر في داخلي يهمس بحدّة:

"أم أنّك تبحث عن شيءٍ تخشى أن تراه؟"

في نهاية الزقاق ظهر بابٌ خشبيٌّ مائل، نصفه مطليّ باللون الأخضر الباهت، كأنّه يتّكئ على زمنٍ سحيق كي لا ينهار.

فوقه لافتة بالكاد تُقرأ:

"مكتبة الزمن".

العنوان بدا وكأنّه يناديني باسمي.

دفعتُ الباب ببطء، فصدر أنينٌ حادّ يشبه صرخةً مكتومة، وارتفع الغبار حتى أحسستُ أنّني أبتلع عمرًا دفعةً واحدة.

داخل المكتبة، الرفوف شامخة مثل جدران زنزانة، والكتب مصطفّة كوجوهٍ جامدة تلاحقني بعيونٍ لا تُرى.

في أقصى الممرّ جلس رجلٌ مسنّ، غارقٌ في صحيفةٍ مهترئة، يُحرّك أصابعه ببطء فوق حوافّها، كما لو كان يقرأ سطورًا خفيّة لا يراها أحد غيره.

وجهه لم يكن قاسيًا ولا وديعًا، بل محايدًا على نحوٍ مريب.

أمامه تكدّست مخطوطاتٌ عتيقة مغطّاة بالأتربة، كأنّها تنتظر من يفتح طلاسمها.

لم يرفع عينيه إلّا بعد دهورٍ من الصمت، وحين فعل، شعرتُ بشيءٍ قديم يسكن قلبي، صمتٌ يشبه صمت أبي أمام الأخبار، وابتسامة لم تُثبت على وجهه، وفرحة مكبوتة لم أفهمها آنذاك.

قلتُ بصوتٍ متردّد:

-السلام عليكم.. أبحث عن كتابٍ اسمه..

رفع العجوز يده ناهِيًا إيّاي عن ذكر الاسم، ابتسم ببطء وألقى الصحيفة جانبًا:

-وعليكم السلام.. هنا الكتب لا تُطلَب ولا تُشترى، إنّها تختارك.

قلتُ ساخرًا:

-تختارني؟ وهل صرتُ لعبةً في يد الورق؟

رفع نظره نحوي، وعيناه تلمعان:

-الكتب تعرف أصحابها قبل أن يعرفوا أنفسهم، وربّما هذا الكتاب يعرف عنكَ ما لم تعرفهُ أنت بعد.

ارتعش جسدي، وانتابتني قشعريرة.

قدماي تجرّني بين الرفوف، وكل خطوة تُصدر صريرًا غريبًا.

وبدأت الكتب تهمس لي..

بعضُها بصوتي وأنا طفل:

ليس وقتك بعد.

وبعضُها بصوتٍ أعرفه جيّدًا، خليطٍ من حزن أبي وحنان أمّي:

-ابحث أكثر.. بعض الفهم يأتي متأخّرًا، لكنّه لا يأتي عبثًا.

وكتابٌ آخر يهمس بألم:

"أنا قصة شعبٍ أُهمِلت طويلًا، قرأها الجميع ولم يعمل بها أحد".

تملّكني خوفٌ غامض..

كيف أسمع الكتب تتكلّم ولا أفرّ هاربًا؟

"هل أنا حيٌّ فعلًا؟

أم مجرّد ظلٍّ يبحث عن صوته؟"

توقّفتُ أمام رفٍّ يغمره ظلٌّ قاتم.

امتدّت يدي بغير إرادة، كأنّ قوّةً خفيّة تقودها، فأمسكتُ بكتابٍ متآكل يسطع عنوانه كجمرٍ في العتمة:

"التاريخ يعيد نفسه".

فتحتُ الصفحة الأولى، وإذا بخطٍّ مألوف يشعّ من الظلام:

"إلى ولدي.. حين تكبر".

ذُهلتُ وتجمّدت.

انفجرت كلّ ذكريات طفولتي دفعةً واحدة: يد والدي وهي تضع كتابًا في حقيبتي، صمته الطويل أمام الأخبار، دموعه المكبوتة، وفرحته يوم نجاحي.

أردتُ أن أنكر:

كيف لي أن أصدّق ما رأيتُ وقرأت؟

عدتُ مذعورًا إلى العجوز، وضعتُ الكتاب أمامه وقلتُ مرتجفًا:

-كيف وصل هذا إليّ؟

رفع رأسه ببطء، وصوته كصدى بعيد:

-ألم أقل لك إنّ الكتاب هو الذي يختارك؟

فلا تسأل كيف، ولا لماذا.

دفعتُ ثمن الكتاب بصمت،

ولم ألتفت خلفي وأنا أغادر.

في الخارج كان الشارع مزدحمًا، لكنّ الوجوه تتكرّر.. نفس الملامح، نفس الخطوات، وكأنّ المدينة تمشي في دوّامة لا تعرف إن كانت تتقدّم أم تعود.

حين وصلتُ البيت، فتحتُ الكتاب من جديد.

من بين الصفحات انزلقت ورقةٌ مطويّة لم أرها من قبل.

فتحتها ووجدتُ كلماتٍ تهزّ القلب:

"إلى أبي.. وجدتك متأخّرًا، آسف لأنّني لم أفهم ما كنتَ تحمله إلّا بعد غيابك".

ارتجفتُ، وتمتمتُ:

-هل كتبتُها أنا؟

أم كتبها أبي لي؟

شعرتُ أنّ قلبي يضيق وبأنّني تأخّرتُ كثيرًا عن قول:

"فهمتُك متأخّرًا".

هرعتُ عائدًا إلى المكتبة لأتأكد مما رأيت وقرأت.

ركضتُ في الزقاق، بينما أنوار الشارع تخفت شيئًا فشيئًا، حتّى لفظت أنفاسها الأخيرة.

وصلتُ إلى النهاية وتوقّفتُ فجأة:

لا باب، لا لافتة، مجرّد جدارٍ أملس، كأنّ شيئًا لم يكن.

وضعتُ رأسي بين يديّ وهمستُ:

"إذا لم تكن المكتبة هناك.. فهل هي داخلي؟

وإذا كانت داخلي، فكم كتابًا ما زال ينتظرني أن أفتحه؟"

***

القصة الثانية

حارس المكتبة

كان الزقاق الذي يضمّ المكتبة المنسيّة يعرفني أكثر ممّا أعرف نفسي.

أجلس كلّ صباحٍ في أقصى الممرّ، خلف رفوفٍ هرمت معي، وأتظاهر بقراءة صحيفةٍ فقدت أخبارها منذ سنوات طويلة.

لم أكن أقرأها حقًا، بل أراقب الصمت وهو يهبط على المكتبة مثل غبارٍ المدن القديمة.

لم أختر هذا المكان يومًا، بل أشعر أنّ المكان هو الذي اختارني منذ زمنٍ لا أذكر بدايته.

بعض الناس يعملون في المكتبات، أمّا أنا فكنتُ أحرس شيئًا آخر..

أحرس الذكريات التي تخشى النسيان.

في ذلك الصباح، بدت شمس المدينة باهتة، تبعث دفئًا خافتًا، وكان في صدري شعورٌ أعرفه جيّدًا:

أحدهم يقترب.

أمامِي تمدّدت المخطوطة العتيقة التي لا يراها الناس إلّا أوراقًا صفراء، بينما أعرف أنها سجلّ الأرواح المتردّدة.

وفجأة، انفتحت صفحةٌ بيضاء وحدها.

بدأ الحبر يتحرّك ببطء يرسم ملامح شابٍّ يسكن على بُعد مئتي متر فقط، لكنه يبتعد عن نفسه آلاف السنين.

همستُ وأنا أعدّل نظّارتي:

-لقد جاء أخيرًا..

يحمل في صدره أسئلةً ورثها عن أبيه دون أن يدري.

حين اقترب من الزقاق، شعرتُ أنّ المدينة تُغلق أبوابها خلفه.

تلاشت الأصوات، وامتلأ الهواء برائحة الرطوبة والورق العتيق، أمّا الأحجار المتهشّمة تحت قدميه فكانت تئنّ كأنّها تعاتبه على تأخّره.

راقبتُه بصمت.. كان يمشي ببطء، لكن ظلّه أطول من خطواته.

وخلفه رأيتُ ظلّ رجلٍ آخر أعرفه جيّدًا.. رجلٌ كان يزور المكتبة كلّ يوم جمعة، ويقف طويلًا أمام الرفوف دون أن يشتري شيئًا، كأنّه يترك قلبه هناك ويرحل.

حين دفع الشاب الباب الخشبي، لم يكن الأنين صادرًا من المفصلات الصدئة، بل من المكتبة نفسها.

كانت الرفوف تتنهّد أخيرًا بعد انتظارٍ طال نصف قرن.

دخل مرتبكًا يتأمّل الكتب كما لو أنّها تحدّق فيه.

وبقيتُ في مكاني أحرّك أصابعي فوق الصحيفة، كأنني أقرأ سطورًا خفيّة لا يراها سواي.

توقّف أمامي وقال بصوتٍ متردّد:

-السلام عليكم.. أبحث عن كتابٍ اسمه..

رفعتُ يدي قبل أن يُكمل.

لم أفعل ذلك حبًّا في الغموض، بل لأنني رأيت الكتاب يرتجف فعلًا فوق الرفّ الثالث في الممرّ المعتم.

كان كتاب:“التاريخ يعيد نفسه”.

يتوهّج كجمرةٍ صغيرة لا يراها إلّا من عاش عمره بين الورق.

قلتُ له بهدوء:

-هنا الكتب لا تُطلَب..

إنّها تختار أصحابها.

نظر إليّ بشيءٍ من الخوف والسخرية، لكنني كنتُ أرى ما هو أبعد من وجهه.

كنتُ أرى طفلًا صغيرًا يسكن داخله، طفلًا ما زال ينتظر كلمةً لم يسمعها من أبيه.

وحين سار بين الرفوف، بدأت المكتبة تهمس له كما تفعل دائمًا مع من يصلون متأخّرين إلى الحقيقة.

بعض الكتب تناديه بصوته وهو طفل، وبعضها بصوت أبيه، وأُخرى تبكي كأنها تحمل تاريخًا كاملًا من الخسارات التي لم يتعلّم منها أحد.

ثم توقّف أخيرًا أمام الكتاب.

عرفتُ أنّ الدائرة اكتملت.

رأيته يفتح الصفحة الأولى، ورأيتُ الذهول يتسرّب إلى عينيه كالماء البارد.

في تلك اللحظة فقط، فهمتُ أنّه بدأ يرى نفسه.

عاد إليّ مرتجفًا، وضع الكتاب أمامي وقال:

-كيف وصل هذا إليّ؟

ابتسمتُ ببطء.

كم مرّة سمعتُ السؤال نفسه؟

وكم مرّة عجزتُ عن شرح ما لا يُشرح؟

قلتُ له:

-لا تسأل كيف.. بعض الكتب لا نجدها نحن، بل تظهر لتكشف عن نفسها، لتقول لنا شيئًا تأخّرنا كثيرًا عن فهمه.

غادر بعدها وهو يحتضن الكتاب كأنّه يحمل جزءًا مفقودًا من روحه.

وحين اختفى صدى خطواته، أغلقتُ الصحيفة أخيرًا.. نظرتُ إلى الكرسي الفارغ أمامي، حيث تجلس دائمًا أشباح الحكايات التي لم تُروَ بعد.

ثم نهضتُ ببطء واتّجهتُ نحو الجدار.

الناس يرونه جدارًا أملس، أمّا أنا فكنتُ أراه بوّابةً تفضي إلى النسيان.

وضعتُ يدي على الحجر البارد وهمستُ:

-اذهب يا بني..

أنت لم تشترِ كتابًا، بل استعدت شيئًا كان ضائعًا منك منذ سنوات.

أخرجتُ الريشة القديمة من جرار المنضدة، وفتحتُ الصفحة الأخيرة من سجلّ المكتبة.

كتبتُ تحت اسمه:

"بمجيء هذا الشاب، اكتملت حلقةُ الراغبين في المعرفة".

وما إن انتهيتُ من السطر الأخير، حتّى بدأت الرفوف تتلاشى ببطء.

تحوّلت الكتب إلى طيورٍ من ورق، حلّقت في عتمة الزقاق، بينما شعرتُ أنّ جسدي يصير أخفّ، كأنني أعود إلى مكانٍ قديم كنتُ أنتمي إليه قبل هذه المكتبة.

بعد ساعات، عاد الشاب راكضًا، سمعتُ أنفاسه المذعورة قبل أن يصل.

لكنّه لم يجد بابًا.. ولا لافتة..

ولا أثرًا للمكتبة.

فالمكتبات التي تشبه مقابر الذكريات لا تظهر مرّتين.

إنّها تأتي فقط لأولئك الذين تأخّروا طويلًا عن فهم ما كان يسكن قلوبهم منذ البداية.. وتختفي حالما تنتهي مهمّتها، تاركةً خلفها رائحة الورق القديم.. ووصيّةً أخيرة:

"احذر الكتب التي تعرف عنك أكثر ممّا تعرفه أنت عن نفسك".

***

القصة الثالثة

كتابٌ مَنسيّ

لا أتذكّر متى كُتبتُ أول مرة،

لكنني أتذكّر الأيدي جيدًا.

بعضها كانت تقلّب صفحاتي بحذر، كأنها تلمس جرحًا قديمًا.. وأُخرى تمرّ فوق أوراقي بعنفٍ يشبه اقتلاع شيءٍ من الذاكرة.

أمّا هو..

فقد لامس أوراقي متأخرًا، تمامًا كما فعل أبوه من قبل.

عشتُ أعوامًا طويلة على الرفّ الثالث في الممرّ المعتم من المكتبة المنسيّة، بين كتبٍ فقدت عناوينها، وأُخرى نسيَت أصحابها.

كنّا نتبادل الهمسات ليلًا حين يهجع الزقاق المجهول، ونصغي إلى تنفّس المدينة البعيد خلف الجدران الرطبة.

بعض الكتب كانت متغطرسة، تتباهى بعدد من مرّوا فوق صفحاتها، وبعضها حزينًا لأن أحدًا لم يقترب منه منذ عقود.

أمّا أنا، فكنتُ أنتظر.

لا أعرف ماذا أنتظر تحديدًا، أشعر أن الكلمات التي أُخفيها ليست مكتملة بعد، وأن يدًا ستأتي يومًا ترتجف فوق الصفحة الأولى.

في كل يوم جمعة هناك رجل يأتي إلى المكتبة.. هادئ الخطوات، يحمل في عينيه تعبًا وحزنًا يشبهان الغروب.. يقف أمامي طويلًا دون أن يلمسني، يخشى أن يسمع شيئًا لا يستطيع احتماله.

ذات مرة مدّ أصابعه نحوي، ثم سحبها بسرعة.

سمعته يهمس بصوتٍ مُتعب:

-لا.. ليس الآن.

بعدها بسنوات، صار يأتي أقل، وصار الصمت يسكنه أكثر.

 حتى جاء يوم دخل فيه وهو يسعلُ كثيرًا، وجلس قرب الحارس العجوز دون كلام.

ظلّ ينظر إليّ طويلًا.. بطريقة جعلت أوراقي تضطرب.

 كنت أعرف تلك النظرة.

 إنها نظرة الذين يشعرون أن الوقت يضيق، وأن هناك أشياء كثيرة لم تُقَل بعد.

قبل أن يغادر في ذلك اليوم، اقترب مني وتصفّح أوراقي ببطء، ووضع بينها ورقة مطويّة.

 كانت يده ترتعش، كأنه يدفن جزءًا من قلبه داخلي.

ثم أعادني إلى الرفّ ورحل..

 ولم يعد بعدها أبدًا.

مرّت سنوات طويلة.

 تراكم الغبار فوق ظهري، وتسلّلت الرطوبة إلى أطرافي، بينما ظلّت الورقة نائمة بين صفحاتي مثل سرٍّ يخاف أن يُعلَن.

في الليالي الطويلة، كنت أسمع الكتب من حولي تهمس عن البشر.

 بعضها يقول إن الناس لا يقرأون إلّا ما هو قريب من تفكيرهم، وبعضها يضحك ساخرًا:

 “لا يريدون أن يُخرجوا عقولهم من الصندوق الذي وضعوها فيه..”

أمّا الحارس العجوز، فكان الوحيد الذي يعرف ما أُخفيه.

 كلما مرّ قرب رفّي، نظر نحوي بصمتٍ يشبه الشفقة، ثم أعاد ترتيب الغبار فوقي، كأنه يحرس سرًّا لا يحق لأحد لمسه قبل أوانه.

ثم جاء الابن..

عرفته منذ اللحظة التي دخل فيها المكتبة، رغم أنني لم أره من قبل.

 الحزن نفسه.. يسكن عينيه، والخوف ذاته مختبئٌ خلف لسانه.

 حتى خطواته تشبه خطوات أبيه، كأن البشر يورّثون انكساراتهم كما يورّثون أسماءهم.

حين اقترب من الرفّ، شعرت بشيء يشبه اليقظة يسري في حروفي.

الكتب من حولي بدأت تهمس، والرفوف تنفّست ببطء.

أمّا الحارس فبقي صامتًا، ربما كان يعرف أن اللحظة التي انتظرناها جميعًا قد وصلت.

امتدّت يد الشاب نحوي مترددة، وحين لامس غلافي، شعرت برجفة خفيفة تعبر أوراقي القديمة.

أدار الصفحة الأولى.

في تلك اللحظة عاد الصوت.. صوت الأب.

لم يسمعه بأذنيه، لكنني سمعته بوضوح بين السطور:

"إلى ولدي.. حين تكبر."

توقّف طويلًا، كنت أشعر بأنفاسه المرتبكة تعبر فوق كلماتي، وأشعر بقلبه وهو يخفق بعنف، يحاول الهرب من شيء وجده أخيرًا.

وحين انزلقت الورقة المطويّة من بين صفحاتي، عرفت أن دوري انتهى.

رفعها بيدين مرتجفتين، وقرأ بصمت..

ثم جلس على الأرض دون حركة، فالكلمات سحبت منه قوّته كلها.

لأول مرة منذ سنوات، شعرت أنني أصبحت أخفّ.

في العادة، يظن الناس أن الكتب تخاف النار أو التمزّق..

لكنهم لا يعرفون الحقيقة.

الكتب تخاف شيئًا واحدًا فقط:

"أن تموت الرسائل التي تحملها دون أن تجد عينًا تراها.. وقلبًا يحتويها".

وحين أغلقني أخيرًا وضمّني إلى صدره، أحسستُ أن حرارة يديه تشبه حرارة يدٍ عرفتها من قبل.

الحرارة نفسها.. والارتجاف نفسه، وحتى الصمت كان مألوفًا على نحوٍ مخيف.

عندها فقط فهمت لماذا كان عنواني:

"التاريخ يعيد نفسه".

فالبشر لا يورّثون أبنائهم الملامح والأسماء والانكسارات فقط..

بل يورّثونهم أيضًا الأسئلة المؤجلة، والاعتذارات التي تصل متأخرة والطرق الطويلة التي تقود دائمًا إلى الحزن ذاته.

وقبل أن يغادر المكتبة، رأيته يتوقف لحظة.

أخرج ورقة صغيرة من جيبه، وظلّ ينظر إليها طويلًا.. ثم دسّها بين صفحاتي بصمت.

بعدها أغلقني برفقٍ ورحل.

ومنذ تلك الليلة..

وأنا أنتظر الابن القادم.

            

  ***

القصة الرابعة

 الحفيدة..

لم أكن أبحث عن شيءٍ حين وجدتُ الورقة.

كان ذلك أثناء ترتيبي لصندوقٍ قديم في غرفة السطح “البيتونة”، صندوقٍ نسيه الجميع بعد وفاة أبي بسنواتٍ طويلة، ولا أعرف إلى الآن مَن وضعه هناك.

في قاع الصندوق، بين دفاتر مدرسية وصورٍ باهتة، وجدتُ كتابًا متآكل الحواف.. ما إن وقعت عيناي على عنوانه حتّى شعرتُ بشيءٍ باردٍ يمرّ في صدري:

"التاريخ يعيد نفسه".

لا أعرف لماذا اهتزّت يدي.

ربّما لأنني عرفتُ الكتاب قبل أن ألمسه.

أو لأنني رأيته عشرات المرّات في أحلامٍ قديمة لم أفهمها يومًا.

جلستُ على الأرض ببطء.

وحين فتحتُ الصفحة الأولى ظهر الخطّ ذاته:

"إلى ولدي.. حين تكبر."

توقّفت أنفاسي للحظة.

لقد عرفتُ هذا الخطّ.. ليس لأنّه خطّ جَدّي، بل لأنّه الخطّ نفسه الذي رأيته دائمًا على الأوراق التي كان أبي يخفيها داخل درج مكتبه.

قلّبتُ الصفحات بسرعة، كأنني أهرب من شيءٍ يتبعني.

ثم سقطت من بين الأوراق رسالةٌ مطويّة.

فتحتُها بارتباك، وفي داخلها وجدتُ كلماتٍ قصيرة بخطٍّ مرتجف:

"ابنتي العزيزة:

إذا وصل الكتاب إليكِ، فهذا يعني أنّه عاد من جديد.. لا تذهبي إلى المكتبة.

مهما سمعتِ.. لا تذهبي."

شعرتُ بأنّ الغرفة تضيق حولي.

ولأوّل مرّةٍ منذ سنوات، تذكّرتُ أبي بوضوح.. ليس كما ظهر أمام الناس، بل كما كان في الليالي الطويلة، يجلس وحده في الظلام دون أن يشعل الضوء، كأنّه يُصغي لشيءٍ لا يسمعه أحدٌ غيره.

وتذكّرتُ أيضًا أمرًا نسيته تمامًا..

حين كنتُ صغيرة، استيقظتُ ذات ليلة ورأيته واقفًا قرب باب البيت.

ارتدى معطفه، وحدّق طويلًا نحو الشارع الفارغ.

سألته يومها:

-إلى أين ستذهب؟

نظر إليّ بطريقةٍ لم أفهمها آنذاك، وقال:

-هناك أماكن لا تتركنا حتّى بعد أن نغادرها.

في صباح اليوم التالي، مرض فجأةً..

وبعد أشهرٍ قليلة رحل.

أغلقتُ الرسالة بسرعة، كأنّ الكلمات أصبحت ساخنة بين أصابعي.

لكنّ شيئًا ما بدأ بالفعل.

في تلك الليلة لم أستطع النوم.

سمعتُ أصواتًا خافتة في أرجاء البيت.. حفيف صفحات.. همسات بعيدة، وأحيانًا.. وقع خطواتٍ بطيئة.

حاولتُ إقناع نفسي أنّ الأمر وَهَم، لكنّ الرائحة كانت حقيقية.. رائحة الورق الرطِب نفسها التي التصقت بالكتاب.

عند الفجر نهضتُ من سريري دون وعيٍ كامل.

ارتديتُ معطفي وخرجتُ إلى الشارع.

كانت المدينة نائمة، والضباب يبتلع الأزقّة بصمت.

مشيتُ طويلًا دون أن أعرف إلى أين أذهب، لكنّ قدميّ كانتا تعرفان الطريق أكثر منّي.

ثم رأيته.. الزقاق!

ضيّقًا.. رطبًا.. معتمًا، كأنّه خارج الزمن.

توقّفتُ عند مدخله، وشعرتُ بالخوف نفسه الذي لا أعرف مصدره.. الخوف الذي ربّما ورثتُه دون أن أدري.

وفي آخر الزقاق ظهر الباب الأخضر الباهت.

نعم.. كان هناك فعلًا كلّ تلك السنوات.

اقتربتُ ببطء، وحين وضعتُ يدي على المقبض، شعرتُ بشيءٍ غريب.

كان الباب دافئًا، كأنّ أحدهم عبره قبل لحظاتٍ فقط.

تردّدتُ طويلًا، ثم دفعتُه أخيرًا.

صدر الأنين نفسه.. الأنين الذي يشبه صرخةً قديمة مكتومة.

لكنّ المكتبة لم تكن كما تخيّلتها.

الرفوف فارغةٌ تقريبًا، والغبار يغطّي كلّ شيء، والصمت رهيبٌ إلى درجة أنّني سمعتُ ارتجاف أنفاسي.

وفي أقصى الممرّ، كان هناك كرسيٌّ خشبي فقط.

اقتربتُ منه ببطء، ثم توقّفت.

فوق المقعد أوراقٌ صفراء قديمة، وإلى جانبها ريشةٌ سوداء، كأنّ صاحبها نهض لتوّه وسيعود بعد قليل.

مددتُ يدي نحو الريشة.

وفجأة.. سمعتُ صوت الباب يُغلق خلفي!

التفتُّ بسرعة، لكنّ الباب لم يعد موجودًا.

لم يبقَ سوى جدارٍ أملس.

تراجعتُ مذعورة، وبدأتُ أبحث بعينيّ عن أيّ مخرج، لكنّ الرفوف حولي بدت أطول من قبل، والممرّات أعمق، كأنّ المكتبة تمدّدت فجأة مثل حلمٍ لا يريد أن ينتهي.

ثم جاء الصوت.

سمعتُه هادئًا.. متعبًا.. ومألوفًا على نحوٍ مرعب:

-السلام عليكم.. أبحث عن كتابٍ اسمه..

تجمّد الدم في عروقي.

جاء الصوت من خارج المكتبة.

صوت رجل أعرفه جيّدًا.

إنّه صوت أبي!

ثم تبعه صوتٌ آخر.. عميقٌ كأنّه آتٍ من زمنٍ بعيد:

-هنا الكتب لا تُطلب..

إنّها تختار أصحابها.

شعرتُ بشيءٍ بارد ينساب في ظهري.. التفتُّ ببطء نحو الكرسي الخشبي.

الأوراق ما تزال فوق المقعد.. لكنّ الريشة اختفت.

اقتربتُ أكثر، وعند طرف الطاولة انتبهتُ إلى سجلٍّ مفتوح لم أره قبل لحظات.

صفحة صفراء.. وحبر لم يجف بعد.

ارتجفت أصابعي وأنا أقرأ السطر الأخير:

"وصلت الوريثة الأخيرة."

تراجعتُ خطوة.. ثم أخرى.

وفجأة امتلأت الرفوف بهمساتٍ متداخلة.. أصوات كثيرة.. رجال ونساء.. أنفاس متعبة.. وورق يتقلّب ببطء داخل العتمة.

ضاق الهواء في صدري، وأحسست أنّ المكتبة لا تحاصر جسدي فقط..

بل تحاصر أعوامًا كاملة من الصمت والخوف والأسئلة المؤجّلة.

عندها فهمتُ لماذا أخفى أبي الكتاب..

ولماذا خاف عليّ من الوصول إلى هذا المكان.

بعض الأماكن لا تحتفظ بالكتب فقط.

خلفي.. انطفأ آخر ضوء في الممر.

وأمام الرفوف البعيدة، ظهر ظلّ رجلٍ عجوز يجلس بهدوء خلف طاولةٍ خشبية..

وأمامَه سجلٌّ مفتوح..

كأنّه كان ينتظر وصولي منذ زمن.

ثم رفع القلم ببطء..

وبدأ يكتب..!

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٩ تموز ٢٠٢٦ في ١٠:٤٣ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

طيور يتيمة
سرد

طيور يتيمة

لا أحد يعرف كيف جاء هذا اللقب ، ولا أحد يعرف معنى هذا اللقب أيضاً ، لا أحد منا نحن الأولاد العفاريت ، يعرف أيَّ شيء عن أهل - غريب النسلي - ، ولسنا ندري من أين وصل إلى حيِّنا العتيق ، ليفتح دكان حلاقته العجيب ! ذلك الدكان الذي يوفر الفيء والهواء المنعش لنا ، ويجعلنا مبهورين بالطيور التي تتهادى…

· 12 د
على هامش الإشارة الحمراء
سرد

على هامش الإشارة الحمراء

تَرجَّلَ شرطيٌّ من سيارته عند الإشارة الضوئية، وسأل بائعةَ المناديل الورقية إن كان اسمُها فاتن حسين علي، طأطأتْ رأسها خيفةً وحياءً وأجابته: ما الأمر؟! سألها ثانيةً إن كان لها قريبٌ تتصلُ به الآن، لم ترفع رأسها لكنّها أومأتْ بالنفي، حثّها على أن تجيبَه، ظلّتْ صامتةً جامدةً كما لو أنّها افتقدتْ…

· 8 د
عربية الجاز  ..
سرد

عربية الجاز  ..

يدخل عم حندوقة الشارع تسبق صوته رائحة الجاز. كان للزمن نفسه رائحة لا يعرفها إلا أبناء جيلي في السبعينيات وما قبلها. تحفظ الشوارع والحارات نداءه الممدود : - جااااز تخرج النسوة بصفائح صغيرة وعم حندوقة في جلبابٍ باهت يجلس خلف بغلته وفي عينيه طيبة زمان. نحيل أسمر شققت الشمس جبينه، عربته هي مملكته…

· 3 د