لم تكن بابل مجرد مدينةٍ مشيّدة من لَبِنِ الطين وماء النهر، بل كانت محاولةً معماريةً كونية لشق أفق السماء وإعادة هندسة المستحيل. فوق المدرجات الشاهقة التي كادت حوافّها الزرقاء تلامس مدارات الكواكب وحركة النجوم، استقرت الجنائن المعلقة كأعجوبةٍ هندسية تتحدى نواميس الفقد، صُممت بأمر الملك لتمنح الأميرة الميدية "أميتيس" سراباً حياً يماثل خضرة جبال موطنها البعيد، ويهدّئ من حنين روحها إلى قمم تكسوها الغابات والضباب.
في عيون الكهنة الممسكين بأسرار التنجيم، والملوك، والوفود القادمة من أقاصي المسكونة، كان المشهد تجسيداً مهيباً لإرادة الآلهة وعظمة الإمبراطورية:
جدولٌ فضي يتلوى صاعداً من قاع الفرات العظيم، يتسلق الجدران القرمزية الشاهقة، نافراً من قوانين الثقل والجاذبية الأرضية، متهادياً نحو شرفات السماء من تلقاء نفسه، كأن الماء كائنٌ حيّ واعٍ قرر التسامي والتطهر من وحل الأرض. كان الزائر الواقف في الساحات الملكية المفتوحة يرنو إلى هذا التدفق العكسي المذهل فيخرّ ساجداً لقداسة المدينة وإعجازها؛ غير أن هذا "السحر المجرد" لم يكن في حقيقته سوى ستارٍ كثيف من الأوهام المنسوجة بعنايةٍ فائقة، ستار نُصب عمداً لحجب مأساةٍ دامية مطمورة تحت الأرض.
تحت طبقات القرميد المزجج باللازورد والأصفر الناري، وخلف الأساسات الحجرية المعزولة بألواح الرصاص وراتنج القار السميك، في جوف دهليزٍ ضيق كالقبر، لا يزوره نسيمٌ ولا يجرؤ شعاعٌ من شمس الضحى على اختراقه، كان يربض المحرك الحقيقي لهذه المعجزة:
فلاحٌ عارٍ إلا من حزنه الأزلي وخيوط الوحل الجافة، يُدعى "أدابا-زيرو". كائنٌ سُحقت ملامحه الإنسانية وتآكلت هويته تدريجياً لتذوب في عتمة السرداب ورطوبة الطمي الخانقة.
هناك، عند قاعدة لولبٍ خشبيّ عملاق رُكّبت عليه تروسٌ مسننة صممها المعماريون لتظل محجوبةً عن الأعين إلى الأبد، جلس الفلاح في طين الدهليز. كانت مهمته الوجودية أن يدير هذه الأسطوانة الحجرية الثقيلة بيدين متسلختين حتى العظم، وقدمين غارقتين في الرواسب اللزجة. مع كل دورةٍ يئنّ فيها عموده الفقري كغصن يابس يوشك على الكسر، ترتفع قواديس البرونز ممتلئة بالماء، لتندفع عبر شبكة أنابيب فخارية مدمجة داخل الجدران المجوفة، حتى تبلغ القمم العليا فتفيض كشلالٍ بارد يظنه الواقفون في الأعالي نبعاً سماوياً تفجر ببركة التراتيل.
كان "أدابا-زيرو" هو الثمن البشري الفادح الذي يُدفع خفيةً لشراء شاعرية المشهد البابلي. لقد سُلخ تماماً من دورة الفصول الطبيعية؛ حُرم من رؤية ضوء النهار، ومن ملامسة السنابل التي ترويها قطرات عرقه المالح. تحول صوته الآدمي مع تقادم الدهور إلى خشخشةٍ تشبه احتكاك الخشب بالحجر، وبات جسده النحيل مجرد ذراعٍ ميكانيكية في آلة قهر لانهائية:
"يرفع الحياة والنعيم لغيره، بينما يدفن نفسه حياً في رحم الظلمة والعفن"
في هذا الفضاء المشحون بالتناقض الميتافيزيقي، لم يكن يمتلك القدرة على إدراك التصدع الأخلاقي الكامن في أساسات المدينة سوى كائنين يقفان على حافة الوجود الشعري:
طائرا سنونو أثريان، وُلدا من تقاطع حبر الرُقم الطينية القديمة مع رياح الشمال الأثيرية. الأول كان خبيراً بدقائق الصمت، يقرأ تفاصيل الشقوق كأنه يتلو خطوط الطين الأولى؛ والثاني كان حاد الحواس، يشم رائحة الماء الحبيس قبل أن يتفجر في القنوات المعلقة. كان هذان الطائران يمتلكان بصيرةً تخترق الزخارف البراقة؛ إذ كانا ينحدران عبر منافذ التهوية الضيقة إلى الدهليز السفلي، متأملين بعينين دامعتين ذلك الجسد المسحوق الذي يُشيد أسطورة زائفة.
حلق الطائران ذات أصيل صاعدين نحو الشرفة المعلقة في الطبقة السابعة، حيث كانت الأميرة "أميتيس" تجلس وحيدةً بين شجيرات الآس والبيلسان، يلفها حزنٌ عميق لا تبدده خضرة الحدائق. هبطا برفقٍ على ساعدها الرخامي البارد، وبترجيع لغةٍ غامضة تفهمها الأرواح المكلومة وحدها، همسا بالحقيقة العارية:
أيتها المتوجة بالظلال الوارفة، إن ما ترينه صعوداً مقدساً ليس سوى شريانٍ نازف في عتمة القاع. الجذور العطرة التي تستنشقين شذاها لا ترتوي من بركة الآلهة، بل تتغذى على زفرات رجلٍ وحيدٍ يطحن عظامه ليصنع لوهمكِ أجنحة. الحدائق لا تطير بقداسة بابل، بل ترتكز على انحناءة ظهرٍ يتلاشى في الطين الأسود.
ارتجفت روح الأميرة لمرارة الكشف؛ وأدركت في لحظة يقظةٍ باطنية أن هذا الجمال المعلق ليس سوى خطيئة جمالية وجريمة صامتة ضد الوجود؛ فإن إيقاف الماء يعني موت الجنة وذبول سرابها، واستمراره يعني الإجهاز على الروح المعذبة التي تحمله. لم يكن المخرج يكمن في قطع شريان الماء، بل في تحرير فعل التدفق نفسه من قيود الجسد واستعباد المادة.
الاميرة كانت فاطنة للمحنة ،قررت ان تنتدبهما لمهمةٍ كونية تتجاوز خرائط الجغرافيا المرئية:
الطيران شرقاً، وراء سلاسل جبال زاغروس الشاهقة وسهول السند الفسيحة، إلى أرض الهند القديمة؛ حيث يعتكف حكماء يمتلكون أسرار النغمات التي تخاطب الأرواح الكامنة في العناصر.
انطلق الطائران كخطين من لازورد مشتعل في كبد الفضاء، يشقان طبقات السراب، عابرين أودية الهضاب وصحاري الملح الشاسعة. مرّا بجبالٍ تتشابه حتى يخالها الرائي ظلاً لجبلٍ واحد تمدد في الأزل، وحين كان يكلّ جناح أحدهما، كان قلبه يتذكر أن الطيران ليس حركة ريش، بل رغبة في العدالة لا تنكسر. وصلا أخيراً إلى غابات الأبنوس ومغاور النساك، ووقفا أمام سحرة الأبجدية الأولى؛ أولئك الذين يدركون بعرفانهم أن الماء ليس سيولة مادية، بل هو نزوع كوني وحنين دائم نحو الانعتاق.
أصغى الحكماء إلى هديل الطائرين المشبع بأنين الفلاح ورنين السلاسل، فحملوا أوانيهم النحاسية المنقوشة بتعاويذ الأثير، وعادوا محمولين على أجنحة الرياح السريعة نحو أسوار بابل العظيمة.
وقف السحرة عند مفيض الفرات الهادر أسفل البروج المشيدة. لم ينصبوا رافعة، ولم يشدوا حبلاً، ولم يديروا دولاباً حجرياً؛ بل أطلقوا في الفضاء تعاويذ صوتية مسبوكة من ترددات الرعد وهمس الغمام، نغمات مقدسة خاطبت ذاكرة الماء.
تحت وطأة ذلك الرنين المتسامي، وقع الانفصال الأعظم:
تمردت قطرات الفرات على قيود ثقلها، وانفصلت الجزيئات عن طمي المجرى، لترتفع كأعمدةٍ لولبية باهرة من ضياء وبلور سائل. صعد الماء في الهواء الطلق متسلقاً درجات الفضاء بكبرياء حر، يتدفق نحو الذرى الشاهقة من تلقاء نفسه دون وسيط مادي، متراقصاً مع النسيم، ومحولاً الصعود من كدحٍ قسري إلى قصيدة حب كونية.
في تلك اللحظة المجيدة، تصدعت التروس الخشبية داخل الدهليز السفلي، وتهشم لولب القهر، وانفتحت بوابات الطين المعتمة. خرج "أدابا-زيرو" من جوف الأرض بخطواتٍ متهادية يغمرها الذهول؛ استقبلته زرقة السماء التي افتقدها دهوراً، ولفحه وهج الشمس الدافئ. ألقى خرق الطين البالية عن كاهله، واستنشق هواء الفرات حراً نقياً، ورأى طائري السنونو يحومان حول جبينه كطوقين من نور ووفاء.
جلس الفلاح عند جذع نخلةٍ باسقة، وأسند ظهره إلى التراب المعافى. ومن حنجرته التي غسلها الضياء، أطلق مناجاةً سومرية صاغ فيها تحوله من كائنٍ مسحوق إلى ناظمٍ للتراتيل الخالدة:
إلى سيّد الإيساجيلا، ثور السماء المترع بالحكمة والنور
يا مردوخ، يا من كسوت الفرات قميصاً من الذهب المصفى
لم تكن قيودي في ظلمة الدهليز سوى ليلٍ طويل
كنتَ أنت الفجر الكامن خلف أجنحة السنونو ورسائل الرجاء
طائرايَ الحبيبان.. يا كوكبي الفضاء الهاديين
يا من حملتما بكائي ورائحة طيني على ريشكما اللازوردي
كيف أرد للنسيم دَينه بعدما صرت طليقاً أغازل وجه الشمس؟
أتضرع إليك بلغة القصب المرتعش في أعماق الأهوار
انظر إلى الماء كيف غدا يطير كحبيبةٍ تصعد مشتاقةً إلى خدرها
وانظر إلى عظامي التي تآكلت كتروسٍ عمياء، كيف غدت اليوم مزاراً لعشقك الصافي.
يا من تفتح عيون الكواكب في لجّة العتمة
اجعل هذا الوجد طوقاً يحفظ أجنحة السنونو من غدر العواصف
واجعل تراب بابل تحت أقدام الأميرة ورداً لا يُداس بالقهر والألم
ها أنا الذي استرد اسمه من عتمة السواقي
أبسط كفّين طهرتهما شمس الحرية
لك الثناء ما دام الفرات يصعد نحو الأعالي بغير قيد
ولك الوجد ما دامت الجنان المعلقة تهمس باسمك في سمع الخلود
مردوخ.. يا سيدي، يا حبيب الروح ومحرر الطين







التعليقات