عندما ينفض الليل عن المدينة صخب الباعة وأقدام العابرين، يعم السكون. يمضي طارق إلى النهر ويجلس على مصطبة إسمنت باردة تمتد بمحاذاة الماء. هناك يترك التأمل يأخذه بعيداً.
ماتت أمه فمات البيت معها. كان البيت قبلها يزهو بحركتها وحنانها. مرض الأب وانتقل لبيت الابن البكر، وبقي طارق يتسكع بين بيوت إخوته وأخواته.
في البداية كان يسمع: "اعتبره بيتك"، "تعال بأي وقت"، "أهلاً ومرحباً".
وفي الزيارة الثانية والثالثة تغيرت الوجوه. صارت عابسة، تحاسب على كل حركة.
غسل قميصه مرة، فصرخت زوجة أخيه: "خلصت التايد".
في الشتاء صار يخاف من بخار الماء الساخن، كأنه ترف لا يستحقه.
علمته الأيام أن يرتدي أكثر من وجه. وجه للشارع يضحك، ووجه للبيت يصمت. تعلم أن يصافح بلا قلب، وأن يبتسم بأسنان صفراء متآكلة بينما عيناه لا تضحكان. تعلم أن يقول "أنا بخير" وهو ينهار، وأن يقول "أحبكم" وهو يرتجف من البرد.
صار ثقيلاً عليهم. يتملق كي لا يرمى في الشارع. لا يملك مالاً، ولا سقفاً، فصار الخضوع عملته الوحيدة.
دون كل هذا في دفتر قديم. كانت الدموع تنزلق ساخنة على خديه، وقلبه يعصره ألم الماضي الذي لا يمضي.
سكن أخيراً مع أبيه في غرفة صغيرة بالطابق الثاني في بيت أخيه. جزع من التسكع. لكن مرض الأب الذي أقعده الفراش، وكثرة طلباته أغاضت زوجة ابنه. في ليلة باردة أمرت زوجها أن ينتزع المفتاح من يد طارق وطرده. بقي الأب تحت سطوتها.
إلى أين يمضي؟ أغلقت كل الطرق. يراوده الانتحار للخلاص. لكن صورة الأب منعت يده، بكى حتى فقد التركيز، حتى صار رأسه ثقيلاً من التفكير.
تذكر صديقاً يسكن وحده، شكا له حاله. فتح له الباب ومنحه نسخة من مفتاح الشقة: "يخرج ويدخل متى شاء". صار أنيساً له، يعلمه الصبر والشجاعة. وكلما تذكر أباه بكى بحرقة.
لم تمض, أيام طويله حتى جاء خبر وفاة الأب. جن جنون طارق ركض إلى مكان اقامة الفاتحة. رأى أخاه يرمقه بنظرات قاسية، خائفاً أن يفضحه أمام الناس. لم يحتمل. ضرب رأسه بالحائط وصرخ صراخ مبحوح، كعواء ذئب جريح. أمسكه الحاضرون بصعوبة. خرج من هناك وكأنه ناجٍ من قفص وحوش.
مضت السنون ثقيلة. نحت طريقه في الصخر، عائش على راتب بسيط. اعتكف عن الزواج، عقدته من وجوه زوجات إخوته لا تفارقه, كان يدعو: "يا رب انتقم من كل ظالم".
تحقق دعاؤه بعد سنين, سمع أن زوجة أخيه صارت طريحة الفراش، تصرخ كل ليلة من الألم, في البداية كان الجيران يهرعون، ثم اعتادوا الصراخ كما اعتادوا صراخ أبيه حين كان ينادي: " أريد ماء... جيبولي أكل".
جلس طارق يقرأ الفاتحة على روح أبيه. لم يزد على كلمة واحدة:
"الله يمهل ولا يهمل".








التعليقات