انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

خيوط القلب

جمال الهنداوي
جمال الهنداوي

كاتب وصحفي.

7 دقائق للقراءة
5 مشاهدة
خيوط القلب
مشاركة:

لولا رائحة (الكليجة) التي تهب من بعض البيوت، تلك المتعة الصغيرة التي يمن بها الزمن على الفقراء بين عيد وعيد، لما كانت هذه الليلة تختلف كثيرًا عن باقي ليالي السنة في منزل أم مهدي القابع بزقاق قديم من منطقة مهملة في جانب الرصافة من العاصمة..

كانت أم مهدي، ككل الليالي، تجلس منحنية أمام ماكينة الخياطة العتيقة، التي تغرز الإبرة في القماش مثل من يرتق العمر المبدد، وتحاول أن تسبق الزمن بخيوط ملونة تلقمها للماكنة باستمرار.. وتُطعم قطعة القماش الممدودة تحت الإبرة آخرَ ما في قلبها من طاقة..

أم مهدي.. أشهر من نار على علم، بمهارتها وإتقانها الحاذق للعمل، وتساهلها بالأجور.. كانت خيّاطة الفقراء بالحي.. أطفال الزقاق كلهم يلبسون من يدها في العيد..

لم تكن تملك محلًا ولا إعلانًا ولا لافتة، فقط هذه الغرفة الصغيرة، وهذه الآلة الهرمة، وصورة الزعيم المرسومة على طبق فخاري ومعلقة على جدار الغرفة، وهاتان اليدان اللتان لم تدرسا شيئًا سوى الصبر.. والأهم.. كانت تملك السمعة الطيبة

ولكن في هذا العيد، كانت المهمة تختلف عن باقي السنين

الماكنة تكاد تحتضر، لم تكن تصدر ذلك الصوت المنتظم الذي يُشبه طقطقة قلبٍ مطمئن، كانت تئنّ، تموت على مهل. صوتها متعب، وكل غرزة تستنـزفُ من الآلة عامًا، والخيوط قليلة.. وخزينها من القماش الجديد قد نفد تمامًا.

لكن المشكلة الأكبر... أن مهدي، ابنها الوحيد، الذي خرجت به من إرث المرحوم، لم يكن يمتلك دشداشة جديدة.

- ماما، اصنعي لي دشداشة خاصة، أريد أن أبدو مميزًا بالعيد

قالها قبل أسبوع، وهو يشير إلى دشداشة علاء، ابن جارتهم أم عباس.

ابتسمت له وقتها وقالت:

- تأمرني يا ولدي الحبيب.. من عيوني، سوف أصنع لك أجمل دشداشة بالحي وأجعلك تتباهى بها على الجميع

لكنها لم تكن تملك القماش الجيد.. ولا الوقت. ولا حتى ترف الأمل.

انكبت على عملها كأنها تسابق الزمن.. كان رهانها على ما سيجود به أهالي الحي لقاء خياطتها فضلًا عن أجور قديمة أمهلت أهلها لحين ميسرة، تمنت أن تكون هي الفرج لتضع بعض المال في جيب ابنها، بعد أن استطاعت أن تجد قطعة من القماش القديم تكفي لصنع الدشداشة الموعودة.

ولكن كما يحدث في القصص، وما أن أكملت الدشداشة الأخيرة من كومة الأقمشة التي جلبتها نساء الحي.

حتى صدرت من الماكنة حشرجة غريبة، طقطقة، استغاثة معدنية جافّة، تلاها صمتٌ ثقيل.. وبقيت الإبرة معلقة فوق قطعة القماش كما لو كانت شاهد عيان على جريمة الخذلان

حاولت أن تحرك عجلة الماكنة بيدها

ضغطت على الدوّاسة بقدمها مرة…

اثنتين…

ثلاثًا…

لكن الماكنة لم تستجب

 كما لو أن أحدًا أغلق فمها إلى الأبد.

حدقت فيها..

أبعدت القماش. فتحت غطاءها المعدني..

ثم انحنت على الآلة.

أدخلت إصبعًا مرتجفًا تتحسس ما لا تراه.

تفقدت الجزء الداخلي، برغبة شخص يحاول إنعاش جسد ميت.

همست:

- ليس الآن، ليس في هذه الليلة.. أرجوك، اصمدي قليلا، قليلا فقط.. لا تدعيني وحدي، "دخيلك"

لكن الماكنة لم تستجب

تلفتت حولها باحثة عن مخرج ما، ولكنها لم تجد إلا الصمت الثقيل الذي تكثف على الجدران، وكأن البيت نفسه توقف عن التنفس معها.

جلست بصمت على الأرض، تغطي وجهها بكفّيها..

لم تكن من النساء اللواتي يبيحن دمعهن بسهولة.. ولكنها تنفّست ببطء، كأنها تحاول أن لا تنفجر

صدرها كان يعلو وينخفض كما لو كانت هناك حرب كاملة تخاض بالأسى تحت الضلوع.

- هل انتهى كل شيء.. هل أقوى أن أنظر في عيون مهدي أخبره أن لا دشداشة لهذا العيد؟.. كيف يخرج مع أبن أم عباس وأبناء الجيران بدشداشته القديمة، إنّه لم يطلب أي لعبة،.. أو عيدية.. دشداشة فقط؟

كانت الأسئلة تتزاحم في رأسها، كل سؤال يسبق الآخر..

رفعت رأسها ونظرت إلى الماكنة برجاء الأرملة التي تنظر لصورة زوجها المعلقة على الجدار

مدت يدها ولمست برفق هيكلها المعدني المتداعي

نظرت إلى يديها، كم مرة جرحت نفسها بهذه الإبرة الساكنة الآن؟

كم مرة خاطت أزرار الآخرين، وهي لا تملك قميصًا لنفسها؟

كم مرة رفضت أن تأخذ أجرة كاملة من أم حسين لأن راتب زوجها التقاعدي تأخر بعض الشيء

والآن هي عاجزة حتى عن إرضاء ابنها، وحيدها الصغير؟

- هل تعبت، أم يا ترى أن الحياة هي التي تعبت مني

في تلك اللحظة، لم تكن أمامها ماكنة مسجاة فقط

بل كان سجل خساراتها يمر أمامها دفعة واحدة.

زوجها الذي غاب في الحرب ولم يعد.

البيت الذي بُني بدمع العين، وبالديون، وللآن.. نصفه كان بلا سقف.

أحلامها الصغيرة الموؤدة تحت ضغط الفاقة والعوز..

محل لها مليء بالعاملات من نساء الحي الفقيرات، أو على الأقل ماكينة "سنجر أم البنت" بمحرك صغير.

كل شيء بدا أبعد من متناول يدها، أبعد من إبرتها، أبعد من أحلامها، هذه الليلة.

مسحت دموعها بطرف شالها، ونظرت للماكنة مرة أخيرة.

- أعطني دقائق.. دقائق فقط.. ولتركني إلى الراحة بعدها

لكن الماكينة بقيت ساكنة.

***

منذ تباشير الصباح، خرجت أم مهدي تحمل بيدها قطعة غيار مكسورة أوقفت عمل ماكنتها الأثيرة، تبحث عن "أبي حسنين"، مصلّح المكائن، الذي يحب أن يطلق عليه الناس وصف "طبيب المكائن"..

- أم مهدي؟ هل ما زلت تخيطين؟ ظننتك تركت العمل

ضحكت بحياء وقالت:

- لن يبقى في هذه المهنة الكاسدة سوانا أنا وأنت

فحص الماكينة جيدًا، تنهد.. وقال:

- الماكنة قديمة جدًا.. وهذه القطعة بالذات يصعب الحصول عليها في السوق، ولكني سأحاول

***

أدارت أم مهدي عينيها في أرجاء الغرفة، شعرت بوحشة قاسية تلتهم قلبها.

الليلة ليلة العيد.. سيأتي الأطفال غدًا ليأخذوا ثيابهم... ومهدي سينظر إليهم بثوبه القديم.

كلا.. هذا لن يكون

نهضت.. بل قفزت كالملسوع

ذهبت إلى علبة الحلوى المعدنية القديمة، أخرجت الإبر، والخيوط، والطباشير.

جلست على الأرض، وفردت قطعة القماش.. وأخذت ترسم عليها خطوطا بالطول والعرض..

تستحضر عرض صدر مهدي، وطول أكمامه

بحذر شديد، قصت القماش بمقصها الثقيل.. ووضعت القطع في حجرها

وبدأت تخيط القماش

باليد.. غرزة.. غرزة

ببطء، بتؤدة، بحنان، وكأنها تحكي قصتها للإبرة.

غرزة للحزن.. غرزة للتعب.. غرزة للصبر.

وغرزة أخيرة... للحُب.

البيت سكنه الصمت إلّا من صوت الإبرة تخترق القماش، وخياطة تمشي من الجرح نحو الشفاء.

حتى القمر تلك الليلة، بدا وكأنه يتلصص من النافذة، يرنو إليها بتعاطف نادر.

مرت الساعات.

استسلمت للنوم مرتين، استيقظت في أولاهما جافلة على صوت سيارة مسرعة في الشارع، والثانية على آذان الفجر، وعلى التكبيرات التي تبشر بأن عيد الصغار بات على مرمى سويعات قليلة.

كلما نعسَ الجفن، وخذلتها الأصابع، عادت تتذكر عيون مهدي، وهو يقفز أمام المرآة بدشداشته الجديدة.

أرهقها التعب والنعاس، وملأت يديها بالجروح الناعمة، كل غرزة كانت شبيهة بندبة، وكل عقدة في الخيط كانت تروي عنها حكايات عديدة

عن البيت الصغير "الهيكل" الذي بالكاد يكفيها للعمل والعيش مع ابنها الصغير

عن سقف المطبخ الذي يسرب المطر،

عن فستان الزفاف الذي لم تلبسه يومًا،

وعن.. حلم الحصول على ماكينة جديدة والذي لم يخرج من رأسها يومًا إلى الواقع.

***

في الصباح، حين تسلل  أول خيوط الضوء إلى الغرفة، مع خروج المصلين من صلاة العيد

كانت الدشداشة قد اكتملت.

ليست متقنة جدًا، لكنها كانت تحمل شيئًا مختلفًا... كانت مفصّلة بالقلب.

***

كان مهدي جالسًا قرب الباب، وجهه نصف نائم ونصف مشتاق.

ناولته أمّه الدشداشة الملفوفة، بعيونٍ حمراء وابتسامة مستسلمة:

- البسها يا ولدي، ودع العالم يرون جمالك

فتح القماشة الصغيرة، تأملها بدهشة، ثم تساءل:

- ماما، ما هذا الذي فوق الجيب؟ وردة؟

- نعم يا قرة عيني، وردة طرزتها بكل ما املكه من خيوط ملونة

- لماذا؟

ضحكت أم مهدي، وأجابت:

- أعتبرها إمضائي

- إمضاء؟

- نعم.. ليعلم الجميع أنها ليست أي دشداشة، بل هي دشداشة مهدي الوسيم.. ابن الخياطة

خرج الطفل مزهوًا بخيوط أمه، يمشي كمن يحمل علَمًا صغيرًا في صدره.

***

في الزقاق، تجمعت نساء الحي، كل واحدة تمسك بيد طفلها، تتفقد هيئته كأنها تعرضه للآخرين.

ألقت أم عباس تحية الصباح، وباركت لها العيد، وبفضول:

- دشداشة مهدي تبدو مختلفة عن دشاديش أطفال الحي

أجابت أم مهدي وهي ترفع شالها لتقي عينيها شمس الصباح:

- ودشداشة عباس كذلك.

- هناك شيء ما في دشداشة مهدي، لا أعلم ما هو، قد تكون تلك الوردة على الصدر

- ممكن

مضت إلى الداخل، لا تهمّها عيون النساء. لأنها وحدها كانت تعلم أن السر ليس في الوردة.. بل بخيوطها النابعة من الحب، وكيف خيطت بخيوط القلب

***

في مساء اليوم ذاته، وبينما كانت أم مهدي تعد طعام العشاء، رنّ الباب.

كان أبو حسنين واقفًا، يحمل بيده قطعة حديدية صغيرة ملفوفة بجرائد.

- وجدتها.. القطعة المفقودة.. ألم أقل لك إنّي سأحاول

نظرت أم مهدي إلى أصابعها المتورّمة، وإلى الماكنة، التي ما زالت صامتة في الزاوية.

- كان علي أن أفتش عنها كثيرا في السوق..

أخذت القطعة، قلبتها بين أيديها، وقالت:

- أشكرك، أتعبتك معي جدا..

- لا شكر على واجب

وقبل أن يبتعد بخطوات:

- ولكن.. هل تعلم، حتى لو لم تشتغل الماكنة بعد الآن، لن يهمني.. سأظل أخيط… بيدي.

أغلقت الباب خلفها ووجها يضيء بابتسامة الرضا

مشاركة:
جمال الهنداوي
جمال الهنداوي

كاتب وصحفي.

آخر تحديث: ٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٨:٥٠ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

مخاتلة
سرد

مخاتلة

............ قصة قصيرة مهدي علي ازبيِّن يسير في مدينة هامدة، منازلها حزينة، تبكي سكونًا، تذوي صمتًا، الإسفلت يتوسّد الطرقات، ينتظر عجلات أو أقدامًا تطؤه، تصحّيه. يدفع باب السياج الموارب بقدمه، يتجه إلى الباب الداخلي يرفسه، يتسمّر عند بروازه، بصره يجول على الجدران والزوايا، ساكن منظره يحاكي تمثالاً،…

· 5 د
تحت الرماد
سرد

تحت الرماد

اسمُهُ يوسف الساري. شاعرٌ عرفته المقاهي الثقافية في زمنٍ بعيد، حين كانت المدن لا تزال تؤمن بالشعر كما تؤمن الأمهات بالدعاء. في أواخر الثمانينات، كان اسمه يتردد بين دفاتر الشباب، وقصائده تُنسخ بخط اليد على أوراق المحاضرات، وتُتداول كأنها رسائل سرية بين عشاق مجهولين. يكتب كما لو أن اللغة خُلقت لأجله…

· 7 د
خياشيم العدم: طوفان سومر في حوض فايتر
سرد

خياشيم العدم: طوفان سومر في حوض فايتر

نص ميتاسريالي - غالب المسعودي على شاطئ بحر الملح، أقف. هذا البحر الخرف الذي لا يُحسن عدّ الغارقين في جوفه، ولا إحصاء القوارب التي ضلت طريقها، ولا أعداد السفن التي ابتلعها في غفلة من التاريخ. هنا، حيث ينتهي اليقين، أتشرّبُ يومي كما لو أنّه ماءٌ مكرّر المذاق: نفسُ الملح الخشن على الشفاه، نفسُ الضجيج…

· 7 د