في مساء ذلك الصيف الضاري ، صيف آب الذي يخلع الحديد من الأبواب ، كنا قد لجأنا إلى مقهى الحي العتيق نستفيء بندى الشجيرات التي غمرناها منذ صلاة العصر ، بمياه كنا مسؤولين نحن الأولاد الصغار عن تسليطها على تلك الشجيرات اليانعات التي حرصنا على إشباعها برشاش المياه المتساقطة منها لتغرق واحات العشب الطري الغض ، وتجعلها باردة منعشة هي الأخرى .
المقهى تجاور ماكنة الطحين الذي درج سكان الحي والأحياء المجاورة ، على طحن حنطتهم فيها ، وتنفتح من ثلاث جهات على ساحة الخيول وأرض - الطوبخانة - تلك الأرض التي شهدت طراد وترويض الخيول ، وضمت ألعابنا نحن الأولاد الفقراء .
أجلس في المقهى وعلى يميني كتاب - البؤساء - وعلى يساري خالي وصاحبه - صوصي أبو الزمايل - وغير بعيد منا ، يجلس أبي مع أصحابه ، يلعبون - الشطرنج - بينما إنهمك آخرون في رمي ورصف قطع - الطاولة - .
أمامنا مجموعة من الرجال الذين يرتدون كوفيات بلا عقال ، ويرتدون الدشاديش القصيرة البيض وقد كشفت عن سيقانهم المليئة بشعر خشن ، الأمر الذي كان يُحيِّرني ويجعلني أتساءل: لماذا يلتفون بهذه الدشاديش القصيرة التي تكشف عن سيقانهم ؟ ! من دون أن أعثر على جواب يشفي غليلي . مع الرجال صبيان عدة يضعون الدشاديش البيض القصيرة أيضاً . ويعتمرون طاقيات رأس تفيض عن حاجة رؤوسهم ! يجلس الرجال والصبيان متحلقين حول – المُلاّ عباس – الذي كان إمامهم في الصلاة ، ومرشدهم في الوعظ الديني ، وأكاد أسمعه يحدثهم عن مُنكر ونَكير وعذاب القبر ، وقد جلسوا خاشعين ، منصتين غير آبهين لصخب الآخرين وصوت المذياع الذي يرسل أغنية - عمي يا بيّاع الورد - .
وفوقنا السماء ، صافية ترشنا نجومها بأضواء فضة متناثرة .
أكاد أسمع صهيل أكثر من حصان .
ماكنة الطحين ، كانت هامدة ، وشجيرات المقهى تتنفس فتضوع رائحتها الطيبة وتتسرب إلى صدورنا ، فنمتلئ بالراحة !
وألتقط صوت خالي :
- تأخر سعيد أفندي هذا المساء .
وصوت - صوصي أبو الزمايل - يجيء بطيئاً :
- لابد أن يأتي ، ويقوم بنوبته ويلقي بالحصاة في هذه البحيرة الساكنة !
إنتبهت إلى روحي ، فوجدتني أنا الآخر ، أنتظر مجيء سعيد أفندي .
وإنتبهت إلى خالي يضحك من كل قلبه ويقول :
- سيأتي ويفجر قنابله التي تأكل الأخضر واليابس .
كان أبي يردد عندما يحضر سعيد أفندي ، ليقتحم المقهى :
- هذا الرجل ضحية ذكائه الشديد ، عقله أفقده رشده .
وكنا نحن أولاد الحي العتيق ، نحبه ، ونستاء من الصبيان الذين يتهجمون عليه ، ويباغتونه من وراء ظهره ، فيسقطون طربوشه الأحمر مثل لون الرمان ، أو يحاولون سحب إحدى سبحاته من يديه ، من دون أن يفلحوا ، ذلك أنه إعتاد أن يشد المسبحة إلى أصابعه بإحكام بحيث تبدو كما لو كانت مدقوقة بمسمار ، وإعتاد على أن يصرخ بوجوههم :
- ذَكَرْ الديك في نقب أمهاتكم .
فتثير تلك الشتيمة ، ضحكنا جميعاً ، وتجعل عيون الرجال تفيض بالدمع ، كما تجعل بعضهم يمسكون بطونهم كي لا يقعوا على الأرض ، بينما كانت بعض نسوان الحي المتربصات بالصبيان ، يولولن ويتصارخن وقد إحمرت وجوههن وراء الأبواب التي توصد بقوة ، تاركين صبيانهن مع سعيد أفندي !
قال - صوصي أبو الزمايل - بفرح :
- وصْلَتْ البضاعة .
نظرت إلى حيث نظر خالي ، فإذا بسعيد أفندي ، يتمندل ويتمخطر قرب باب المقهى ، وبدا في سيره وكأنه يتألب ويتأهب لإقتحام الزاوية أو المجموعة التي إختارها هذا المساء .
قطع - المُلاّ عباس - حديثه ، وحرّك رأسه أسفاً .
وإلتمعت عينا أبي بالسرور .
إرتسم الفرح في ملامح خالي و - صوصي أبو الزمايل - .
وإكتست بعض الوجوه بملل وضجر واضحين .
وكنت أحس ببهجة .
وبدا صاحب المقهى منزعجاً ، وقال :
- حكاية كل يوم ، نفس الطاسة ونفس الزرناية !
وبهدوء شديد ، تسلل سعيد أفندي إلى داخل المقهى ، طربوشه الأحمر بلون الرمان مترب عليه بقايا تراب ، وبيده مسبحته التي كانت من فضة ، فهم يقولون عنه إنه ابن أثرياء !
لفّنا الصمت .
نظرنا إليه متوقعين أن يفجر قنابل لسانه كما يقول رواد المقهى .
توقف سعيد أفندي وسط المقهى .
تطلع إلى السماء البراقة بفضة النجوم ، ونقل عينيه الثعلبيتين بين الوجوه ، وفرك رأسه بيده اليمنى بعد أن وضع طربوشه في يده اليسرى .
جاءنا صوت صهيل وحمحمة الخيول ، وجاءنا هسيس العشب المتمايل بين يدي نسمة عابرة .
حدّق في وجوهنا بإمعان حتى كدت أرى ناراً في عينيه الماكرتين .
إقترب من لاعبي القمار وجهر بصوت قوي يشبه النحيب :
- القمار حرام ، حرام ، إذهبوا وتداركوا أنفسكم فالنار تقترب منكم ! تُف عليكم يا أبناء الزنا!
ضحك أبي وأصحابه ، ولم يردوا ، فإقترب من مجموعة أخرى وصرخ متفجعاً :
- قوّادون ، تملأون الملاهي ، تسكرون وتعربدون ، وتجمعكم الفواحش ، والجوامع فارغة ، تُف ، تُف .
وعلى الرغم من أن بصاقه كان صوتاً ، إلاّ أن الجالسين تحاشوه ، وحاولوا أن يتظاهروا بأنهم في شغل عنه !
وإنساب إلى زاوية من المقهى حيث جلست مجموعة من الأفندية والمعلمين .
ظل يمعن النظر فيهم ، فإحمرت وجوه بعضهم .
وظل يهز رأسه ، فإكتست وجوههم بالكآبة .
حدّق فيهم طويلاً ، فإصفرَّت ألوان بعضهم .
وفجأة صرخ ، صرخة جعلتهم يجفلون .
وجلجل صوته الذي تبلل بطعم البكاء :
- آخ من ظلام يوم الموت ، فكروا يا ناس بدود القبر الذي يخرج من أجسادكم ، ويأكلكم ! فكروا بالدود ، وسترون أن الدنيا لا تساوي فردة حذاء !
قال خالي هامساً :
- فيلسوف هذا السعيد أفندي ، والله فيلسوف !
وافق - صوصي أبو الزمايل - :
- هذه فلسفة دامية .
نصب الصمت خيمته فوقنا ، وأحاط بنا .
هز - المُلاّ عباس - ومريدوه ، رؤوسهم وكبّروا .
وبرق خوف في عيون بعض الجالسين قريباً منا ، وآثر آخرون الإنغمار في ألعابهم وأحاديثهم.
إقترب سعيد أفندي من خالي و - صوصي أبو الزمايل - وإتخذ مكانه جوارهما ، وجلس صامتاً بعد أن نظف طربوشه ، وشرع يفرقع حبات مسبحته بذهول .
أشار خالي لصبي المقهى أن يجيء بقدح شاي لسعيد أفندي .
جاء الصبي بقدح الشاي ، فرشف سعيد الشاي دفعة واحدة .
قال خالي :
- كيف يتدبر أن يكرعه هكذا وهو حار يغلي !
علق - صوصي أبو الزمايل - :
- سقف حلقه من قير .
وضحكا .
نظر سعيد أفندي إليهما ، وإبتسم بوداعة .
تزايد صهيل الخيول ، ولا أعرف لمَ فكرت بأنها جائعة !
وبقيت أرقب فضة نجوم السماء ، وأتطلع إلى وجه سعيد أفندي الذي بدا غريقاً في صفنة طويلة .
راقبت خالي وصاحبه وهما يمعنان النظر فيه بأسى .
دهمت أنفي رائحة - نوم البصرة - النفّاذة ، وجعلت روحي سعيدة وأنا أعبّ تلك الرائحة المتسللة إلينا من إبريق الخزف الراقد على نار زرقاء .
إختلست نظرة إلى سعيد أفندي ، لأجده قد أمال إحدى أذنيه ، نحو حارة - المُلاّ عباس - ليلتقط الحديث ، ومع أنني إلتقطت شيئاً من موعظة - المُلاّ عباس - إلاّ أن أذن الفأرة التي إمتلكها سعيد أفندي ، قد سرقت كما يبدو لي ، كامل الموعظة التي كرّسها المُلاّ للحديث عن الأنبياء .
كان - المُلاّ عباس - قد قال لمريديه :
- يا إخوتي في الله ، الأنبياء عديدون ، والرسل كثيرون ، منهم آدم أبو البشر ، ومنهم نوح ، ومنهم شيت ويوسف وموسى وجرجيس ودانيال ـ ورسولنا اليعربي الهاشمي محمد صلى الله عليه وسلم ، خاتم الأنبياء والمرسلين ، وهم كثيرون ، فلكل أمة رسول .
وبعد أن أنهى موعظته بكلام لم يصلني ، أخبر مريديه أن بمقدورهم أن يسألوا الأسئلة التي لديهم .
في تلك اللحظة الشيطانية ، إنتبهت لأجد الأفندي ، ينهض ويقترب بهدوء من المُلاّ ويخاطبه بنبرة باردة :
- يا مُلاّ ، ذكرت كل الأنبياء ، عليهم الصلوات ، ونسيت أن تذكر لنا إسم نبينا عنترة بن شداد ، عليه الصلاة والسلام ! فلماذا لم تذكره يا مُلاّنا ؟
إحمَّر ، وإصفَّر ، وإخضَّر ، وجه المُلا .
إنفجر خالي وصوصي ضحكاً .
وإنفجر الذين سمعوا تعليق الأفندي ، بالضحك .
وكدت أبكي من الضحك .
وإنفجر غضب المُلاّ واتباعه .
نزع - المُلا عباس - حذاءه وضرب الأفندي على وجهه ، فأدماه ، وإنهالت أحذية ونعال المريدين من رجال وصبيان ، عليه .
نزف أكثر من جرح في وجهه ، وتهالك على الأرض مغموراً بنزيف أنفه ، وثمة نظرة متضرعة في عينيه المندهشتين الحائرتين !
لم يفلح خالي و - صوصي أبو الزمايل - في إنقاذه إلاّ بعد أن تلقّيا ضربات مبرحة .
هرّبناه من المقهى .
آلمني أنه غادرنا وهو يمشي بطيئاً مثل طير منتوف الريش وقد رفع رأسه الذي كان من دون طربوش ، وأمسك مسبحته بقوة .
ولم نعد نبصره في المقهى بعد ذلك أبداً ، فكأنه فص ملح وذاب كما تقول أمي !







التعليقات