انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

خطيئة سعيد أفندي

نجمان ياسين
نجمان ياسين

أديب ومؤرخ عراقي

7 دقائق للقراءة
142 مشاهدة1 تعليق
خطيئة سعيد أفندي
مشاركة:

في مساء ذلك الصيف الضاري ، صيف آب الذي يخلع الحديد من الأبواب ، كنا قد لجأنا إلى مقهى الحي العتيق نستفيء بندى الشجيرات التي غمرناها منذ صلاة العصر ، بمياه كنا مسؤولين نحن الأولاد الصغار عن تسليطها على تلك الشجيرات اليانعات التي حرصنا على إشباعها برشاش المياه المتساقطة منها لتغرق واحات العشب الطري الغض ، وتجعلها باردة منعشة هي الأخرى .

المقهى تجاور ماكنة الطحين الذي درج سكان الحي والأحياء المجاورة ، على طحن حنطتهم فيها ، وتنفتح من ثلاث جهات على ساحة الخيول وأرض - الطوبخانة - تلك الأرض التي شهدت طراد وترويض الخيول ، وضمت ألعابنا نحن الأولاد الفقراء .

أجلس في المقهى وعلى يميني كتاب - البؤساء - وعلى يساري خالي وصاحبه - صوصي أبو الزمايل - وغير بعيد منا ، يجلس أبي مع أصحابه ، يلعبون - الشطرنج - بينما إنهمك آخرون في رمي ورصف قطع - الطاولة - .

أمامنا مجموعة من الرجال الذين يرتدون كوفيات بلا عقال ، ويرتدون الدشاديش القصيرة البيض وقد كشفت عن سيقانهم المليئة بشعر خشن ، الأمر الذي كان يُحيِّرني ويجعلني أتساءل: لماذا يلتفون بهذه الدشاديش القصيرة التي تكشف عن سيقانهم ؟ ! من دون أن أعثر على جواب يشفي غليلي . مع الرجال صبيان عدة يضعون الدشاديش البيض القصيرة أيضاً . ويعتمرون طاقيات رأس تفيض عن حاجة رؤوسهم ! يجلس الرجال والصبيان متحلقين حول – المُلاّ عباس – الذي كان إمامهم في الصلاة ، ومرشدهم في الوعظ الديني ، وأكاد أسمعه يحدثهم عن مُنكر ونَكير وعذاب القبر ، وقد جلسوا خاشعين ، منصتين غير آبهين لصخب الآخرين وصوت المذياع الذي يرسل أغنية - عمي يا بيّاع الورد - .

وفوقنا السماء ، صافية ترشنا نجومها بأضواء فضة متناثرة .

أكاد أسمع صهيل أكثر من حصان .

ماكنة الطحين ، كانت هامدة ، وشجيرات المقهى تتنفس فتضوع رائحتها الطيبة وتتسرب إلى صدورنا ، فنمتلئ بالراحة !

وألتقط صوت خالي :

- تأخر سعيد أفندي هذا المساء .

وصوت - صوصي أبو الزمايل - يجيء بطيئاً :

- لابد أن يأتي ، ويقوم بنوبته ويلقي بالحصاة في هذه البحيرة الساكنة !

إنتبهت إلى روحي ، فوجدتني أنا الآخر ، أنتظر مجيء سعيد أفندي .

وإنتبهت إلى خالي يضحك من كل قلبه ويقول :

- سيأتي ويفجر قنابله التي تأكل الأخضر واليابس .

كان أبي يردد عندما يحضر سعيد أفندي ، ليقتحم المقهى :

- هذا الرجل ضحية ذكائه الشديد ، عقله أفقده رشده .

وكنا نحن أولاد الحي العتيق ، نحبه ، ونستاء من الصبيان الذين يتهجمون عليه ، ويباغتونه من وراء ظهره ، فيسقطون طربوشه الأحمر مثل لون الرمان ، أو يحاولون سحب إحدى سبحاته من يديه ، من دون أن يفلحوا ، ذلك أنه إعتاد أن يشد المسبحة إلى أصابعه بإحكام بحيث تبدو كما لو كانت مدقوقة بمسمار ، وإعتاد على أن يصرخ بوجوههم :

- ذَكَرْ الديك في نقب أمهاتكم .

فتثير تلك الشتيمة ، ضحكنا جميعاً ، وتجعل عيون الرجال تفيض بالدمع ، كما تجعل بعضهم يمسكون بطونهم كي لا يقعوا على الأرض ، بينما كانت بعض نسوان الحي المتربصات بالصبيان ، يولولن ويتصارخن وقد إحمرت وجوههن وراء الأبواب التي توصد بقوة ، تاركين صبيانهن مع سعيد أفندي !

قال - صوصي أبو الزمايل - بفرح :

- وصْلَتْ البضاعة .

نظرت إلى حيث نظر خالي ، فإذا بسعيد أفندي ، يتمندل ويتمخطر قرب باب المقهى ، وبدا في سيره وكأنه يتألب ويتأهب لإقتحام الزاوية أو المجموعة التي إختارها هذا المساء .

قطع - المُلاّ عباس - حديثه ، وحرّك رأسه أسفاً .

وإلتمعت عينا أبي بالسرور .

إرتسم الفرح في ملامح خالي و - صوصي أبو الزمايل - .

وإكتست بعض الوجوه بملل وضجر واضحين .

وكنت أحس ببهجة .

وبدا صاحب المقهى منزعجاً ، وقال :

- حكاية كل يوم ، نفس الطاسة ونفس الزرناية !

وبهدوء شديد ، تسلل سعيد أفندي إلى داخل المقهى ، طربوشه الأحمر بلون الرمان مترب عليه بقايا تراب ، وبيده مسبحته التي كانت من فضة ، فهم يقولون عنه إنه ابن أثرياء !

لفّنا الصمت .

نظرنا إليه متوقعين أن يفجر قنابل لسانه كما يقول رواد المقهى .

توقف سعيد أفندي وسط المقهى .

تطلع إلى السماء البراقة بفضة النجوم ، ونقل عينيه الثعلبيتين بين الوجوه ، وفرك رأسه بيده اليمنى بعد أن وضع طربوشه في يده اليسرى .

جاءنا صوت صهيل وحمحمة الخيول ، وجاءنا هسيس العشب المتمايل بين يدي نسمة عابرة .

حدّق في وجوهنا بإمعان حتى كدت أرى ناراً في عينيه الماكرتين .

إقترب من لاعبي القمار وجهر بصوت قوي يشبه النحيب :

- القمار حرام ، حرام ، إذهبوا وتداركوا أنفسكم فالنار تقترب منكم ! تُف عليكم يا أبناء الزنا!

ضحك أبي وأصحابه ، ولم يردوا ، فإقترب من مجموعة أخرى وصرخ متفجعاً :

- قوّادون ، تملأون الملاهي ، تسكرون وتعربدون ، وتجمعكم الفواحش ، والجوامع فارغة ، تُف ، تُف .

وعلى الرغم من أن بصاقه كان صوتاً ، إلاّ أن الجالسين تحاشوه ، وحاولوا أن يتظاهروا بأنهم في شغل عنه !

وإنساب إلى زاوية من المقهى حيث جلست مجموعة من الأفندية والمعلمين .

ظل يمعن النظر فيهم ، فإحمرت وجوه بعضهم .

وظل يهز رأسه ، فإكتست وجوههم بالكآبة .

حدّق فيهم طويلاً ، فإصفرَّت ألوان بعضهم .

وفجأة صرخ ، صرخة جعلتهم يجفلون .

وجلجل صوته الذي تبلل بطعم البكاء :

- آخ من ظلام يوم الموت ، فكروا يا ناس بدود القبر الذي يخرج من أجسادكم ، ويأكلكم ! فكروا بالدود ، وسترون أن الدنيا لا تساوي فردة حذاء !

قال خالي هامساً :

- فيلسوف هذا السعيد أفندي ، والله فيلسوف !

وافق - صوصي أبو الزمايل - :

- هذه فلسفة دامية .

نصب الصمت خيمته فوقنا ، وأحاط بنا .

هز - المُلاّ عباس - ومريدوه ، رؤوسهم وكبّروا .

وبرق خوف في عيون بعض الجالسين قريباً منا ، وآثر آخرون الإنغمار في ألعابهم وأحاديثهم.

إقترب سعيد أفندي من خالي و - صوصي أبو الزمايل - وإتخذ مكانه جوارهما ، وجلس صامتاً بعد أن نظف طربوشه ، وشرع يفرقع حبات مسبحته بذهول .

أشار خالي لصبي المقهى أن يجيء بقدح شاي لسعيد أفندي .

جاء الصبي بقدح الشاي ، فرشف سعيد الشاي دفعة واحدة .

قال خالي :

- كيف يتدبر أن يكرعه هكذا وهو حار يغلي !

علق - صوصي أبو الزمايل - :

- سقف حلقه من قير .

وضحكا .

نظر سعيد أفندي إليهما ، وإبتسم بوداعة .

تزايد صهيل الخيول ، ولا أعرف لمَ فكرت بأنها جائعة !

وبقيت أرقب فضة نجوم السماء ، وأتطلع إلى وجه سعيد أفندي الذي بدا غريقاً في صفنة طويلة .

راقبت خالي وصاحبه وهما يمعنان النظر فيه بأسى .

دهمت أنفي رائحة - نوم البصرة - النفّاذة ، وجعلت روحي سعيدة وأنا أعبّ تلك الرائحة المتسللة إلينا من إبريق الخزف الراقد على نار زرقاء .

إختلست نظرة إلى سعيد أفندي ، لأجده قد أمال إحدى أذنيه ، نحو حارة - المُلاّ عباس - ليلتقط الحديث ، ومع أنني إلتقطت شيئاً من موعظة - المُلاّ عباس - إلاّ أن أذن الفأرة التي إمتلكها سعيد أفندي ، قد سرقت كما يبدو لي ، كامل الموعظة التي كرّسها المُلاّ للحديث عن الأنبياء .

كان - المُلاّ عباس - قد قال لمريديه :

- يا إخوتي في الله ، الأنبياء عديدون ، والرسل كثيرون ، منهم آدم أبو البشر ، ومنهم نوح ، ومنهم شيت ويوسف وموسى وجرجيس ودانيال ـ ورسولنا اليعربي الهاشمي محمد صلى الله عليه وسلم ، خاتم الأنبياء والمرسلين ، وهم كثيرون ، فلكل أمة رسول .

وبعد أن أنهى موعظته بكلام لم يصلني ، أخبر مريديه أن بمقدورهم أن يسألوا الأسئلة التي لديهم .

في تلك اللحظة الشيطانية ، إنتبهت لأجد الأفندي ، ينهض ويقترب بهدوء من المُلاّ ويخاطبه بنبرة باردة :

- يا مُلاّ ، ذكرت كل الأنبياء ، عليهم الصلوات ، ونسيت أن تذكر لنا إسم نبينا عنترة بن شداد ، عليه الصلاة والسلام ! فلماذا لم تذكره يا مُلاّنا ؟

إحمَّر ، وإصفَّر ، وإخضَّر ، وجه المُلا .

إنفجر خالي وصوصي ضحكاً .

وإنفجر الذين سمعوا تعليق الأفندي ، بالضحك .

 وكدت أبكي من الضحك .

وإنفجر غضب المُلاّ واتباعه .

نزع - المُلا عباس - حذاءه وضرب الأفندي على وجهه ، فأدماه ، وإنهالت أحذية ونعال المريدين من رجال وصبيان ، عليه .

نزف أكثر من جرح في وجهه ، وتهالك على الأرض مغموراً بنزيف أنفه ، وثمة نظرة متضرعة في عينيه المندهشتين الحائرتين !

لم يفلح خالي و - صوصي أبو الزمايل - في إنقاذه إلاّ بعد أن تلقّيا ضربات مبرحة .

هرّبناه من المقهى .

آلمني أنه غادرنا وهو يمشي بطيئاً مثل طير منتوف الريش وقد رفع رأسه الذي كان من دون طربوش ، وأمسك مسبحته بقوة .

ولم نعد نبصره في المقهى بعد ذلك أبداً ، فكأنه فص ملح وذاب كما تقول أمي !

مشاركة:

آخر تحديث: ١٠ أيلول ٢٠٢٦ في ١٢:٢٩ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

إِيلُوهِيمُ القَفَص: هَذَيَانُ الرِّيشِ أَمَامَ آلِهَةِ الفُولَاذ
سرد

إِيلُوهِيمُ القَفَص: هَذَيَانُ الرِّيشِ أَمَامَ آلِهَةِ الفُولَاذ

اللوح الأول: رقيمُ السِّلكِ وتَقْدِيسُ الرَّحِمِ العَاقِر تبدأ الحكايةُ دائمًا من اعترافٍ صلبٍ: إنّ ما يجري في جوف هذا القفص السلكي ليس مجرد هزلٍ مسرحيّ عابر، ولا رتابة بيولوجية بريئة، بل هو طقسٌ كهنوتيّ مُحنّط، يعيد إنتاجَ حماقته بانتظامٍ ميكانيكيّ مريب؛ كأنّ الزمن موظفٌ أزليّ كسيح في ديوان بابل…

· 7 د
لحظة حب
سرد

لحظة حب

صحيح أنك تأخرت عن اللقاء... ورغم انتظاري قرب تلك الشجرة التي طالما عشقناها... تلك التي تسمع حديثنا ولا تشي به لأحد... على أية حال، تركت لك رسالة على جذعها، اقرأها إن حضرت... اقرأها بقلبك قبل عينيك، فالحروف لم تُكتب بحبرٍ مجرد، بل بنبضٍ أرهقه طول الانتظار. كتبتُ لك عن البرد الذي تسلل إلى أطرافي،…

· 2 د
إلى أين نمضي؟
سرد

إلى أين نمضي؟

في تلك الليلة، لم تكن الحرب مجرد صوت بعيد. كانت حاضرة في كل شيء: في وقع القذائف التي تهز الصفائح المعدنية التي تغطي المواضع الدفاعية، وفي ارتجاج الأرض تحت القدمين، وفي ذلك الغبار الذي يجتاح المكان بعد سقوط تلك القذائف، وفي ذلك الصمت المريب الذي يسبق وصول الأوامر. كان الضابط، آمر السرية، يعرف أن…

· 6 د