سبقت الشائعات قدوم تلك العائلة الدخيلة إلى القرية الوديعة، الغافية على ضفة الهدوء والسلام، حيث تناقلت ألسن الناس بمرارة أخبار سمعتها المشينة. لكنّ تلك الحكايات كلَّها ذرتها الرياح أمام الابتسامة المشرقة على وجه الفتاة التي تسكن مع والديها في ذلك البيت الكبير. وفي أعماقه، انبرى يدافع عنهم مؤكداً لنفسه أن ما يُتداول ليس سوى أقاويل اختلقها أهل القرية لتشويه سمعتهم. ومن بعيد، نشأت بينهما علاقة صامتة نسجها مروره اليومي تحت نافذتها، فتعلّق بها حتى أزهر شغفه عشقاً بلغ حد الهيام.
في كل ليلة، يخلو الطريق من المارة، ويعم السكون والظلام أزقة القرية، بينما تتمايل سعفات النخيل في هدوء الليل محدثة حفيفاً ناعماً يداعب خياله. وهو يمر كعادته بجوار بيتها على عجل، تنفتح نافذتها في الطابق العلوي، وتطل عليه من حجرتها بعينين طالما تطلع إليهما بلهفة وشوق. يسود الصمت بينهما، لكن عيونهما تلتقي في نظرات دافئة وعميقة تختزل مشاعر جارفة لا تحتاج إلى كلمات. تبدو هي الأكثر اهتماماً؛ تترقب مروره، وتنظر إليه بودٍ وتوسل أن يطيل الوقوف، بينما يطأطئ هو رأسه خجلاً؛ إذ يدفعه حياؤه ونشأته المحافظة إلى تجنب أي تمادٍ أو تجاوز أو تخطٍ للحدود. لا حديث هنا عن لقاء أو رسائل، بل هو مجرد تبادل لابتسامات صامتة، ونظرات تختصر الكثير في دقائق معدودة، قبل أن تنغلق النافذة برفق، فيمضي في طريقه بثبات وهدوء، تاركاً في القلب والذاكرة أثر هذا اللقاء الخاطف.
ذات ليلة، وعلى حين غفلة، انشق ظلام الحجرة خلف النافذة ليظهر وجه الأم شاخصاً وراء ابنتها. كانت تراقبهما بعينين حادتين اتسعتا من الدهشة. اجتاحه خجل مفاجئ، وسرى الرعب من قمة رأسه إلى أخمص قدميه. خشي أن تُبلغ والد الفتاة في الحال، فانطلق هارباً كأن ساقيه تسابقان الريح. تناثر الوحل تحت قدميه، وتطاير رذاذه على ثوبه ووجهه. هوى في حفرة امتلأت بماء راكد، ثم نهض مسرعاً والهلع يعميه، حتى ارتطم بجذع نخلة باسقة وتعثر في بركة أخرى.
لم يكن يفهم ما يعتمل في نفسه في تلك المرحلة من عمره. كان ممتلئاً بطاقة هائلة يصعب كبحها، وتتملكه قوة عارمة توشك أن تتفجر، لولا ما يطوّقها من إيمان وتربية صالحة واحترام. كانت رغباته الكامنة تخضع لسلطان حياء متجذر في أعماقه، ورثه أباً عن جد من أسرة عريقة حافظت على سمعتها وأصالتها. حياء يقيّد تصرفاته، ويوجهه إلى ما يرضي الله ووالدته ويحفظ مكانة أسرته بين الناس، ويذكّره دائماً بأنه ابن أصول تمنعه من الانحدار إلى ما ينكس رأسه أو يحطّ من قدر عائلته. ومع ذلك، لم يعرف كيف استطاعت نظراتها أن تقتحم ذلك الحصن المنيع، وتزلزل أركان السجن الذي حبس فيه رغباته. انطلقت تلك الرغبات كعاصفة، وأدخلته في صراع مرير بين اندفاع قلبه وثبات مبادئه.
طرق باب بيته متوجساً، ولمح القلق في عيني أمه حين رأت ثيابه الملطخة بالطين، فبرر لها الأمر قائلاً إنه تعثر في الظلام. قضى ليلته يتقلب في فراشه، يبحث عن سبيل للخلاص, خائفاً من تهديد والد الفتاة وما قد يلحقه بأسرته المحافظة، ذات السمعة الطيبة التي طالما أشادت القرية بحسن تربيتها.
في اليوم التالي عند الظهيرة، تهيأت له الفرصة أخيراً ليلتقي بها وهي في طريق عودتها من المدرسة. دنا منها وخطواته ترتجف ارتباكاً، لكنها فاجأته بنبرة هادئة وغريبة خلت تماماً من أي خوف قائلة:
ـ أمي تخبرك بأن تأتي البيوت من أبوابها لا من نوافذها. تقدم لخطبتي غداً، وإلا فإن ما ينتظرك من أبي لن يسرك أبداً.
عاد إلى البيت حائراً كيف له أن يتزوج وهو لم يكمل دراسته الثانوية بعد؟ وتجرأ على مفاتحة أمه، فجلس إلى جوارها وأخبرها برغبته في خطبة الفتاة. نظرت إليه طويلاً، وفي عينيها حزن وأسف، ثم هزت رأسها وقالت بحزم محذرة:
- إياك والتفكير بالارتباط بهذه الفتاة، فنحن في عالم وهم في عالم آخر تماماً. لن أسمح لك بهذا الأمر أبداً، لا في حياتي ولا حتى بعد مماتي. أنا لست في مقام مدح لها ولأسرتها أو ذمهم، ولا أود تكرار الأقاويل والشائعات التي يتداولها أهل القرية عنهم. لكني أحذرك وأدعوك للتريث وعدم التسرع، فلعل الأيام تكشف لك عن جوهرهم الحقيقي الذي تغفله الآن.
أطلقت مقولتها تلك وهي توقن عبث المحاولة، فقد عصفت العاطفة بعقله عصفاً شديداً، وحجبت عنه كل منطق، حتى غدا يرى في تلك الفتاة ملاكاً طاهراً منزهاً عن كل ما ينسبه الناس إليها. لم يستجب لكلمات أمه. استبد به العناد، وأبى أن يقبل ما سمعه عن الفتاة التي أحبها. ظل متمسكاً برغبته، يعدّ كلام أمه تجنياً عليها وظلماً لها.
ومع تزايد الضغط النفسي وتزاحم الأفكار في رأسه، وجد نفسه غير قادر على استجماع قواه، ودخل في حالة من الذهول والانعزال التام عن محيطه، مما استدعى نقله إلى المستشفى ليمكث في قسم الرعاية النفسية لغرض الراحة واستعادة توازنه. هناك، خلف تلك الجدران الهادئة، استسلم لصمت طويل وتأمل شارد، غارقاً في صراع حاد يمزقه بين قلبه وعقله، وكأن ضباباً كثيفاً حجب عنه العالم.
توسل إلى أمه بصوت خافت أضناه التفكير:
- أرجوكِ يا أمي، اطلبي يدها لي، لا أستطيع العيش دونها، وأشعر أن الدنيا تضيق بي.
نظرت إليه بشفقة وقالت:
- حاول أن تنساها يا بني.
انتفض قائلاً بمرارة:
- ماذا بوسعي أن أفعل؟ والنسيم الذي يطوف حولها يثير غيرتي! حتى الهواء ينافسني على إنعاش حواسها، عابثاً بمقدّرات حياتي.
قاطعتْه أمه بحدة:
- اصح على نفسك يا ولدي! هذه الفتاة لا تستحق ذرة من اهتمامك، ولا أن تخسر سلامك النفسي وهدوءك من أجلها.
ردّ عليها وعيناه تفيضان بالدموع:
- أنا مستعد أن أدفع ما تبقى من عمري ودموعي وعذاباتي ثمناً لها، فأنا أنانيٌّ في حبها، وصعبٌ عليّ أن أقف على ذروة عشقي معلقاً بين السماء والأرض، متأرجحاً بين الظن واليقين!
تنهدت الأم قائلة:
- ولكنك تدمّر نفسك بهذا الوهم.
أجابها بصوت مكسور:
- جل مخاوفي أن أفقدها فيتبدد حلمي، ولا أعرف كيف سأعيش حياتي دونها، هي التي كلما تراءت لي صورة فتاة أحلامي، لم تجسدها مخيلتي إلا في ملامحها هي دون سواها.
في الليلة التالية، بدا عليه إعراض كامل عن الطعام، واستسلم لحالة من الشحوب والانفصال عن الواقع، هائماً في أفكاره وكأنه يصارع طيفاً غير مرئي. عندئذ، تملّك القلق قلب أمه، وانكسر إصرارها أمام خشيتها على سلامة ولدها الوحيد وصحته النفسية، وهو الذي يمثل سندها في الحياة بعد رحيل والده. غلبتها دموعها وقلة حيلتها، فانحنت عند سريره، وأمسكت يده وهمست بصوت مخنوق:
- افتح عينيك يا بني، سأفعل ما تريد. نعم، سنذهب لخطبتها، أعدك بذلك. فقط استعد عافيتك وابقَ معي حتى يزول هذا الضباب.
وحين طمأنها الأطباء إلى تحسن حالته النفسية وزوال النوبة المؤقتة، سمحوا له بالخروج. خطا خارج بوابة المستشفى مستنداً إلى ذراع أمه، وكان جسده لا يزال متعباً، وخطواته مترددة بعد أيام قضاها في العزلة ومحاولة الاسترخاء. استوقفا سيارة أجرة وصعدا إليها، فجلس في المقعد الخلفي وألقى برأسه المتعب على المسند.
تحركت السيارة، وعقد العزم على أن ينظر نحو نافذة الفتاة فور مرورهما ببيتها. تخيلها واقفة هناك، حزينة، تنتظر عودته وتتساءل عن سبب انقطاعه. كان يتمنى أن يلمحها، ليزف إليها بنظراته بشرى قدوم أمه لخطبتها في اليوم التالي، أو يشير إلى إصبعه واعداً إياها بخاتم قريب. ومع اقتراب السيارة من الشارع المحاذي لبيتها، تسارعت دقات قلبه لهفة، لكن فجأة، تجمّدت الدماء في عروقه حين رأى عبر زجاج السيارة الأمامي شاباً يقف على رصيف الشارع المقابل لبيتها تماماً؛ كان الشاب يرفع عينيه نحو الأعلى، ويكوّر أصابع كفّه ليضعها على شفتيه، ثم يرمي قبلة طائرة في الهواء نحو نافذة غرفتها المفتوحة. بتلقائية مستعجلة، طلب من السائق التوقف هنيهة، بينما امتدت يده تحاول إنزال زجاج باب السيارة ليتأكد ويمحو الضباب الذي أصاب رؤيته، لكن الحركة بدت ثقيلة وبطيئة ككابوس. وفي تلك اللحظة الفاصلة، وقبل أن ينخفض الزجاج بالكامل، أبصرها بوضوح؛ كانت تقف عند النافذة، تبتسم وتبادل الشاب قبلة مماثلة، وجسدها يتمايل بخفة.
وظلّ ينظر يمنة ويسرة، تارة إلى الشاب وتارة أخرى إليها، كأنه يبحث عمّا ينفي ما رآه. أثناء سير السيارة، رمقها بنظرة أخيرة، سريعة، حادة، مليئة بالاحتقار والتوبيخ؛ فلم تجد أمام هذا الإحراج إلا أن تغلق النافذة بسرعة، توارياً عن الأنظار. شعر بطعنة غدر جعلت كل ما تحمّله من عذابات وما قدّمه من تضحيات هباءً منثوراً، وأحسّ أنه كان يعيش في وهم كبير، مدركاً كم كانت أمه محقّة، وكيف أن بصيرتها ونظرتها الثاقبة للأمور لم تخذلها قط. التفت ببطء إلى أمه الجالسة بجانبه، وحين نزلا من السيارة، لم يجد ما يعبّر به عن شعوره سوى أن ينحني ويطبع قبلة عميقة على كفّها، شاكراً موقفها ورأيها السديد في رفض هذا الارتباط منذ البداية.
حين ينجلي الضباب

آخر تحديث: ٤ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠١:٤٧ ص






التعليقات