انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

حين تتقيأ السماء شرعيتها- قيامة الإنسان

رؤيا ميتاسريالية

غالب المسعودي
غالب المسعودي

كاتب وباحث عراقي

6 دقائق للقراءة
12 مشاهدة
حين تتقيأ السماء شرعيتها- قيامة الإنسان
مشاركة:

في مِحنة تيامة، لم يكن الكونُ فضاءً متصالحًا مع عزلته، بل كان يتصرفُ كمخطوطٍ طينيّ مبلول، يُعادُ ترقيمه وتقطيعه كلما غيّر أحدُ الآلهة زاويةَ التحديق، أو أدار ظهره لفجيعةٍ نازفة من فجائع الأرض. لم تكن الآلهةُ في تلك العصور السحيقة متفقةً على معنىً ولا على خلاص؛ بل تواطأت كبرياؤها على وهمٍ مشترك:

 أن القرارَ الحقّ يجب أن يُقذف حصرًا من "فوق". غير أن هذا "الفوق" لم يكن سوى استعارةٍ كسيحة، ومتاهةٍ مغلقة بلا سقف؛ فكلُّ إلهٍ مستبد توهّم أن مدارات الفلك ومحاور النجوم مشدودةٌ إلى زرقة عيونه وحده، وكلّ قطبٍ في ذلك البلاط الغائم لم يشتبك مع نظيره إلا ليعيد حياكةَ الهيمنة بنولٍ من رماد. كانت "الشرعية" في عرفهم تشبه مطرًا هاطلًا في حلمٍ ناءٍ؛ يتحدثون عن سيوله طويلًا، لكن شِفَة الأرض لم تبتلّ بقطرةٍ منه، ثم يزعمون بهستيريا مقدسة أنها قد حدثت وتحققت، متكئين على حقيقة بائسة:

 "إذ لم يجرؤ كائنٌ مستباح على هتك الستارة بصوتٍ مرتفع".

عبرت تيامة عتبة القاعةِ الخالية من الجدران. لم تكن تبحثُ عن هدنةٍ رخيصة، بل كانت تمارسُ أرقى درجات الهندسة الميتاسريالية:

 هندسة العراء. جلستْ في بؤرةٍ دقيقة الحسابات؛ نقطةٍ في الفراغ لا تذع ولا تسمحُ بالتردد إلا لما ينتقيه من يحتكرون امتيازَ الإصغاء. كان حضورها يفيض في بما يشبه النبوءة العارية ويحاكي المرافعة الجنائية، فصاحت بنبرةٍ تزلزل صفائح الصمت الأبدي:

لم يعد هذا النزاع مجرد تباينٍ في الرأي أو تنافسٍ على دُخَان البَخُور؛ لقد تحول إلى مسلخٍ سيميائي تُجرّ إليه الكائناتُ الغضة حطب يابس لمشاجراتٍ مقدسة لا تتقنُ حتى فضيلةَ الاعتذار! لقد شارفنا على الهاوية التي لا تحتمل التأجيل:

كيف نفكك هذا التكالب الإلهي دون أن نعيد طباعة الألم ذاته بأحرفٍ جديدة؟ وهل يُولد القرارُ مشروعًا لمجرد أن هاتفًا من صوانٍ قد لفظه، أم أن مشروعيته الوحيدة معلقةٌ بقدرته على تفسير منطقه أمام هؤلاء الذين يدفعون ثمنه احتراقًا وتشردًا؟

في تلك الهنيهة الفاصلة، غرزت تيامة أصابعها في حمأة الحَيْرَة، واقترحت "قيامة الإنسان". لم يكن الإنسانُ عندها كائنًا مذعورًا ينتظر رغيف الرحمة، ولا مجرد قناعٍ جمالي يظهر أبهة السماء على وحل الأرض؛ بل صممته كـ "عطبٍ تقنيٍ مقصود" في ماكنة الآلهة، وكسلاح تفكيكٍ ميتاسريالي عالي الدَّقَّة. أوجدت الإنسان ليكون وسيطًا قسريًا، ومرآةً بالغة القسوة تُجبر السماءَ على رؤية تجاعيدها دون مساحيق. إن ادّعت الآلهةُ أنها تشرّع باسم الحكمة، فلتتفضل وتُسمِّ علّة التشريع؛ فإن عجزت عن التسمية، انقلب الفعلُ الإلهي إلى جريمةٍ صريحة، وغدا الأمرُ مجرد شهوةٍ طاغية تلوك تكرارها. وهكذا، دحرجت تيامة كرة الشرعية من علياء الأوهام إلى محاكم المساءلة الترابية.

في الحقيقة الميتاسرياليا تأبى أن تترك الحكايةَ أسيرةَ التجريد؛ حين بدأ هذا الكائن الجديد يخطو فوق أديم الواقع، نبض في أحشاء النص شريانٌ آخر لم تتوقعه حسابات الكهنة: كيوبيل...!

حين تتقيأ السماء شرعيتها- قيامة الإنسان

لم يأتِ كيوبيد كطفلٍ أسطوري تداعبه أجنحة الحرير وجعبة السهام الغزلية، بل تجلى آلية تفكيكٍ سردية، وكإزميلٍ راديكالي يعيد نسف العلاقات وترتيب كيمياء المشهد. في ذلك الأوان، استيقظت العذارى؛ رفضن أن يبقين أيقوناتٍ متحفية باردة أو شهود زورٍ يتامى في معابد النسيان. انتفضن بوصفهن ضميرًا كونيًا حيًا، ومضين في موكبٍ حزين نحو "بوسايدون"؛ جبار المحيطات والملح العتيق.

انسكبت شكواهن بين يديه كمونولوجٍ سينمائي متقطع، تلفحه قسوة المشاهد المتقيحة:

 استبداد الأنوناكي بمهج الشباب، وتكبيل خفقاتهم، وإكراههم تحت السياط على زراعة المحاصيل الشتوية في عزّ مواسم القحط والجفاف العاطفي الروحي. قلن لبوسايدون، وصوتهن يوقظ المرجان الحزين في الأعماق:

إن الأرض قد تصوم عن مائها فتصبر، لكن الطغيان يبلغ منتهاه حين يُلزم الحب بأن يثمر في صقيع القهر، وحين يُهندس الشتاء عمدًا في غير أوانه، ليُقنع الضحايا بأن عذابهم ليس جريمةً مدبرة، بل هو قدرٌ مبرم وتدبيرٌ مقدس...!

هنا انفتحت رئة المشهد على أعمق مستويات الصدام؛ إذ برزت تيامة من بين رذاذ العذارى كطيفٍ لا يلين، ووقفت قبالة عرش بوسايدون المتأرجح فوق ركائز الزبد. تلاقت عيناهما في مواجهةٍ ميتاسريالية عاصفة:

بادرها بوسايدون وصوته يدمدم كالجزر المالح:

 ما الذي يدفعكِ يا تيامة إلى نبش هذا القاع؟ أتريدين خرق الناموس وإغراق الأفلاك في فوضى البدايات؟ البحرُ يبتلع الأنين ليحفظ اتزان الكون...!، والموجةُ لا تشرح نفسها لمن يغرق، بل تنفذ حتميتها وحسب...!

رمقته تيامة بعينين تلمعان برماد الصلصال السومري، وأجابت بهدوءٍ أشد فتكًا من الزلازل:

 أي اتزانٍ هذا الذي تشتريه بمصادرة الدماء يا سيد الملح؟ إنك تختبئ خلف هيبة الموج كي لا ترى العفن الذي يملأ جوف الأصداف! الأنوناكي يحرقون قلوب الآدميين باسم نظامك، وأنت تبتلع لسانك بدعوى الهيبة. لم يعد صمتك وقارًا إلهيًا، بل غدا تواطؤًا مكشوفًا مع مقصلةٍ بلهاء!

قبض بوسايدون على رمحه ذي الشعب الثلاث حتى ابيضت مفاصله، وقال محاولًا استعادة جلاله الكسيح:

 السماءُ قررت مسار المحاصيل، والأرضُ حقلٌ لتصريف الإرادة، لا لمحاكمة الآلهة.!

ردت تيامة وهي تتقدم خطوة نحو لجته:

 حين تطلب السماءُ من بذور الحب أن تشق الجليد دون شمس، تكون السماءُ قد فقدت عقلها وفقدت حقها في الإلزام! إن القرار الذي يعجز عن الدفاع عن عدالته أمام دموع الضحايا ليس ناموسًا؛ إنه مجرد بلطجةٍ ميتافيزيقية مكسوة بالذهب!.

ظل بوسايدون يُنصت إلى ارتداد كلماتها، متلمسًا تميمته البالية لدفع الحرج. كاد يتراجع خلف جدار الكبرياء؛ فالكلام في شريعة الآلهة اعترافٌ صريح، والاعتراف أول مدارج التنازل عن الصولجان. لكن في تلك الثانية المشدودة كوتر، انطلق سهم كيوبيد ليحسم التردد بضربةٍ ما تراها الأعين؛ لم يكن سهمًا يُسيل الدماء أو يمزق الجلد، بل كان وخزًا إدراكيًا حارقًا شق صدر بوسايدون وأجبر قلبه المتحجر على تسمية الجرح بأصله ومواجهة كذبته العظمى.

في تلك الرعشة الكاشفة، انقشعت الغشاوة عن عيني سيد الأعماق:

 إن مواسم القحط لم تكن يوماً خللًا في مدارات النجوم أو تقصيرًا في السحاب، بل كانت إفرازًا مسمومًا لسلسلة قرارات عمياء تملك سطوة البطش وتفتقر إلى ذرةٍ من مسوّغ. والأنوناكي، أولئك البيروقراطيون الذين كبّلوا الكون في رقيمات الطين البابلية، لم يعودوا قدرًا مقدسًا، بل تجلوا كأدواتٍ فجة لنظامٍ قرر مسبقًا أن أجساد البشر وعواطفهم هي المختبر الرخيص لتصريف غضب الآلهة.

من هذه اللحظة، تحولت "المحاصيل الشتوية" في نسيج النص إلى استعارةٍ كونية فاضحة:

 إن إجبار الأرواح على إنبات ما لا موسم له، هو الدليل القاطع على أن السماء قد خسرت حقها في تبرير الألم. ومع اتساع رقعة العطش، لم يعد الشباب يلوذون بالانكسار الصامت؛ بل تحول بكاؤهم إلى مانيفستو سياسي، وإلى مطارق تهوي على بوابات الشرعية:

 من يملك حق الإلزام حين يغدو الأمر مقصلةً لا نجاة؟ لقد أدرك الطين المتوثب أن إسناد المظالم إلى "إرادة الآلهة" ليس سوى حيلةٍ بائسة؛ فالشرعية لا تنبع من جبروت الإكراه، بل من قدرتها على عبور مشاعر البشر والتصالح مع حقهم في النماء والحياة.

رجعت تيامة لتطوّق الدائرة بانتصارٍ نوعي حاسم؛ لم تشعل حربًا بالرماح، بل أقامت محكمةً ميتاسريالية داخل جسد السرد نفسه. وفي محكمتها التي تكسّرت فيها زوايا الفضاء، لم تُحسم الخصومة بسحق طرفٍ لآخر، بل بإجبار النص على محاكمة مؤلفه المستبد. تحول السردُ ذاته إلى رِقابة وجودية صارمة:

 فكيوبيد صيّر العاطفة وثيقةَ اتهامٍ لا تُدحض، والعذارى حوّلن الشكوى إلى مرافعة كونية خالدة، وبوسايدون، حين واجه زرقة البحر كمرآة عارية، ألقى رمحه ذو الشعب الثلاث جانبًا، معترفًا بأن الموجة الغارقة لا تُلام وحدها، بل يُدان النظام الذي فرض الغرق من دون مسوّغ.

لم تُختتم الملحمة بتهويدةٍ ناعمة أو بتصالحٍ ورقي هش؛ بل قُلبت المعادلة من أساسها:

لا يسيغ القرارُ لمجرد صدوره عن قوةٍ باطشة، بل بمقدار ما يحمله من معنىً ونبلٍ أمام أولئك الذين يدفعون ضريبته من أعمارهم. ومنذ تلك الهنيهة، أضحت لغة الإنسان هي محراب الإدانة ومقياس النور، وصارت العبارةُ تُملي خاتمتها قبل مطلعها:

"لا يحق للسماء أن تُطلق فرمانها، قبل أن تتقيأ أوهام شرعيتها أمام قيامة الطين".

مشاركة:

آخر تحديث: ٦ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٥:٣٨ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

إِيلُوهِيمُ القَفَص: هَذَيَانُ الرِّيشِ أَمَامَ آلِهَةِ الفُولَاذ
سرد

إِيلُوهِيمُ القَفَص: هَذَيَانُ الرِّيشِ أَمَامَ آلِهَةِ الفُولَاذ

اللوح الأول: رقيمُ السِّلكِ وتَقْدِيسُ الرَّحِمِ العَاقِر تبدأ الحكايةُ دائمًا من اعترافٍ صلبٍ: إنّ ما يجري في جوف هذا القفص السلكي ليس مجرد هزلٍ مسرحيّ عابر، ولا رتابة بيولوجية بريئة، بل هو طقسٌ كهنوتيّ مُحنّط، يعيد إنتاجَ حماقته بانتظامٍ ميكانيكيّ مريب؛ كأنّ الزمن موظفٌ أزليّ كسيح في ديوان بابل…

· 7 د
لحظة حب
سرد

لحظة حب

صحيح أنك تأخرت عن اللقاء... ورغم انتظاري قرب تلك الشجرة التي طالما عشقناها... تلك التي تسمع حديثنا ولا تشي به لأحد... على أية حال، تركت لك رسالة على جذعها، اقرأها إن حضرت... اقرأها بقلبك قبل عينيك، فالحروف لم تُكتب بحبرٍ مجرد، بل بنبضٍ أرهقه طول الانتظار. كتبتُ لك عن البرد الذي تسلل إلى أطرافي،…

· 2 د
إلى أين نمضي؟
سرد

إلى أين نمضي؟

في تلك الليلة، لم تكن الحرب مجرد صوت بعيد. كانت حاضرة في كل شيء: في وقع القذائف التي تهز الصفائح المعدنية التي تغطي المواضع الدفاعية، وفي ارتجاج الأرض تحت القدمين، وفي ذلك الغبار الذي يجتاح المكان بعد سقوط تلك القذائف، وفي ذلك الصمت المريب الذي يسبق وصول الأوامر. كان الضابط، آمر السرية، يعرف أن…

· 6 د