أستيقظت فزعا خشية تأخري عن الدوام،لم أسمع اليوم أختلاط أصوات المآذن وأصوات صياح الديكة عند باعة الدجاج أسفل شقتي في منطقة ((الصفاه)) ، معلنة عن ولادة يوم جديد، فقد نمت عميقا بعد إنْ أفرطتَ في أحتساء الزحلاوي مخلوطا بنقاش سياسي وفكري دسم ومزة بائسة، أرتديت ملابسي على عجل وفي مقدمتها قميصي الجديد الذي أختار قماشه وخياطته لي صديقي (( كاظم)) الخياط الشهير في الناصرية ،اتكأت على حائط الغرفة لأتلافى السقوط فما زال دوار الزحلاوي يفقدني توازني، وبصعوبة بالغة أكملت ارتداء ملابسي، تقيأتني درجات الشقة وسط ((الصفاه))، كحلت عيوني كصباح كل يوم بصورة ((ورده)) باذخة الحسن والشباب والجمال وهي تجلس كعادتها خلف أقفاص الدجاج، تراقب عراك الديكة الذي لا يهدأ وهي تنط فوق ظهور إناث ترقد تحت الفحل ببرود غير مبالية بما يجري فوقها أو حولها كعاهرات المبغى، تتقد خدودها بحمرة الخجل والإحراج وهي تلتقي بعيون شباب السوق وهم يشهدون إباحية الدجاج، أمام أنظار ورده وأمنياتهم المكبوتة وأحلامهم وسكرة حلمهم بأنْ يكون أحدهم ديك ورده المفضل....، ورده لا تعرف سبب عدم جواز ذبح الدجاج من قبل النساء، كزملائهن من الرجال مما يفقدها بعض المتسوقين والمتسوقات لأنها لا تذبح.بعد ان ْدخلت شارع ((الهوى)) تأكد لي تأخري عن الدوام حيث إني لم التقِ بالوجوه المعتادة الذي أراها يوميا في الشارع وهي ذاهبة للدوام أو منتظرة سيارة ((الخط)) في دوائر الدولة المختلفة من الموظفين ولا أقول من العمال الذي يتوارى القمر خجلا لافتضاح أمره أمام عيون العمال الذين يباغتون الشمس غافية في حضنه ، كلما تثاءبت حبيبته ونثرت شعرها الذهبي معلنة قدوم نهار هم وكدح جديد لصناع الحياة.
لم أتنعم برؤية ذات العيون الزرق الذي أظن إنها معلمة في أحد مدارس الناصرية، هذه الساحرة ((حورية القصب)) الجميلة التي استحوذت على فؤادي منذ النظرة الأولى وأصبحت محفزا لا يضاهى لذهابي للدوام في وقتي المحدد... شباب وسحر وجاذبية تذكرني بتفاحة نيوتن، فصحت وجدتها ..وجدتها...!!! إنها قوانين جاذبية الحب متخيلا إني مكتشفها الأول ليسجل اكتشافها باسمي _قوانين(...) في الجاذبية العشقية - !!! سحر وعطر وقوام فاق خيالي على الرغم من كوني واسع الخيال كما قال لي أصدقائي عند اعتصارهم للبيك الأخير مزيلين به أخر بقع نفاق المجاملة ، تلمست جيب بنطا لي السري حيث ترقد عبواتي المسكونة كما أنا بالخوف والقلق، فهي معبأة بقصاصات بريد ممنوع، أودعت أحداها مشاعري لفاتنتي متحينا الفرصة المناسبة لتسليمها كبسولتي أو لألقي قنبلتي الكبسولية في يدها منتظرا الرد فإما انْ تمتص وتكتم دوي أنفجارها بواسطة صدر محبتها أو تلقيها بوجهي لأ تشظى في ((عكَد الهوى))،تزهر شفتيها باتسامه جميلة مشرقة في وجهي عند الصباح حين أطير بجانبها صوب دائرتي ،ولم أحس بخيبتي إلا بعد حين :-إني همست تحيتها لنفسي ولم تتجاوز تلا فيف دماغي، خجلا وترددا وخوفا من الصدود.، هذا ما يحدث لي في كل مرة أحاول فيها أن ْأحييَها تحية الصباح وأفصح لها عن حبي و أسلمها كبسولة ((الأعتراف))، حانت لي فرصة ذهبية في أحد الأيام بعد إن جانبتها في سيارة أل(رف) ولكن الذي حدث إني لم استطع عزل كبسولة الحب عن كبسولة الحزب فاختلط علي الأمر وباءت المحاولة بالفشل....، وقد لاحظتها قد تنبهت الى حيرتي وارتباكي دون أن تدرك السبب.....!!!
بين دوار رأسي ومشاكسة الأسئلة...حول عدم الوجود التقليدي للأشخاص اللذين أصادفهم يوميا في طريقي، وهل أنا مبكر أو متأخر في الذهاب لدائرتي التي بنيت على ضفاف الفرات أيام الاستعمار الانكليزي... في منطقة الشرقية وسط بيوت خليط من الصابئة عشاق النهر مع ((بشوشهم))، والمسلمين الشيعة والسنة والمسيح... بيوت تسند جدران بعضها بعضا متحدية ((اكزما)) الرطوبة التي تفتك أملاحها بأغلب بنايات الناصرية بسبب ارتفاع مناسيب المياه ألجوفيه ومياه نهر الفرات الذي يتوسطها قلبا نابضا بالسحر والحياة....
ما هذا لم يزل باب الدائرة مغلقا... ماذا يجري هل أنا مبكرٌ بالحضور الى هذه الدرجة...بحيث سبقت العم ((عبعوب)) عامل الخدمة النشيط.
تساؤلاتي هذه حفزت دهاليز ذاكرتي المخمورة فاستعرضت أيام الأسبوع فبرق أمامي ضوءٌ أحمرٌ يؤشر يوم ألجمعه!!!!!
، مرق من بين ساقي هر يلاحق هرة تسلقت لحاء شجرة سدر خارج سياج دائرتي ((الأمراض المتوطنة)) فأسقطت عشا لعصفورة تناثرت عيدانه على الرصيف وانكسرت إحدى بيضاته على رأسي فسال زلال وصفار مدمى على جبهتي مغلقا نافذة عيني اليمنى بسائل لزج ثقيل. قصدت ((الشريعة)) لأغسل وجهي وافتح نافذة عيني وأنشط ذاكرتي بماء الفرات البارد الذي كانت بعض أمواجه تتلذذ ألسنتها بملوحة حافات الرصيف الأسمنتي لشارع الكورنيش، يأخذني الفرات الراكض الممتلئ حد القيء الى تخيل صور ة النهر والمنطقة قبل آلاف السنين....، أيقظني من غفوة الخيال ، زعيق ((البش)) وأصوات أسراب النوارس وهي تقلع من على سطح الماء فزعاً من صوت زورق الشرطة النهرية البخاري وهو يشق عباب الماء ،يرفرف عند خيشومه علم الدولة العراقية.
قررت أن أنشط ذاكرتي بوجبة إفطار دسمة في مطعم كباب قرب سوق التجار مقابل معمل الثلج الذي كان أحد دوافع طلب نقلي للناصرية متأملا ذكرى القائد العظيم .... بالإضافة الى أغنية ((للناصرية بو جناغ أخذني وياك للناصريه..بجفوف اديِه تعطش واشربك ماي بجفوف اديه))، خلصت فمي من تراكم سمن الكباب ب((استكانيين )) شاي في مقهى أبو رزاق الرجل الكهل الودود المحب الذي كان يعاملنا كأبنائه فقد كان يسقينا شايا مهيلا ومن رأس القوري ، كان فرحا ومتفائلا بنا على الرغم من كل ما يقال عنا...!!
الآن الى أين المسار ...أيها الموظف النشيط؟؟؟!!!
نعم وهو كذلك الى صديقي الحبيب البزاز ((ابو رافد))...سرت صوب سوق التجار المسقف مودعا أبو رزاق الذي رفض أن يأخذ ثمن الشاي كعادته فأنا ضيفهم... كما يقول دائماً
يا الهي....هل فتحت أبواب الجنة؟؟؟..إنها هي ...هي..ذات العيون الزرقاء إنها "حورية القصب"... يبدو إنْ حواري الهور قد تسللت عبر النهر لتتنزه في أسواق الناصرية كانت ندية مستبشرة..كطيرة الحذاف.... تكلم امرأة تكاتفها، امرأة تكللها الهيبة ومعالم جمال معتق يسكر الخيال المحلق في فردوس بعيد...إنها عشتار...تبحث عن ((ديموزييها)) في ((عكَد)) الهوى
ما هذا إنها تقود نظرات "عشتار" نحوي... مشيرة ومؤكدة امراً ما...!!!
...أقفلت حواسي أبوابها وأسلمت قيادها لحركة قدميّ المتسارعين صوب دكان صديقي البزاز... طبعا أنا لست ((ديموزي))...إذن ما شأني مع ((حورية القصب))...فلربما ان ((ابو جناغ)) أو... ؟؟؟!!!
هل أستطيع أن أرد عليها بشيء... هل أصرح بحبي وحسن النوايا بمثل هذا الجمع أو اعترف بالتطفل والمغامرة...وماذا لو..........؟؟؟
ماذا سأفعل ب((كبسولاتي)) ((ألغامي)) التي لا اعرف متى وكيف سيفجرها أزلام السلطة بوجهي...هل يمكنني ابتلاعها مرة واحدة وبلا ماء...!!؟؟؟؟؟
...ماذا حصل لك ...دخلت لا سلام ولا كلام وكأن أحدا يلاحقك؟؟؟
هكذا خاطبني أبو ((رافد )) مستغرباً بعد أنْ اقتحمت محله دون سلام...
جلست على كرسي وسط المحل تحيطني عشرات من ((أطوال القماش)) وقد ملأت انفي برائحة القماش الجديد...
..چاي..چاي للأستاذ ..طلب(ابو رافد) من الشاب حامل صواني الشاي الدوار كعادته في كل مرة ...وماي ماي ...ماي بروح أبوك قلت ذلك واعتصرت كبسولاتي بين أصابع كفي ...هذه الكبسولات المحشوة بوريقات تحمل أسماء أن ْكشفها "الزيتوني" ستجرني وتجر رقاب أصحابها للمشنقة؟؟!!
أهتز كل كياني كمن إصابته الحمى متمنيا أن تفتح لي ثغرة في جدران المحل أو ستراً من قماش اختبئ وراءه.. أو أن تخسف بيَّ الأرض...وأنا أتابع خطوات ذات العيون الزرقاء ((حورية القصب))ورفيقتها((عشتار)) وهن يتوجهن نحو المحل....
...لا مفر إذنْ تناولت قدح الماء من الجايجي الدوار...وقفنَ في باب الدكان...
أغدق عليهن ((ابو رافد)) سيلا من البشاشة والترحيب كما هو دائما مع ((معاميله)) في الوقت الذي تزاحمت ((عبواتي)) في بلعومي بعد أن أغرقتهن بكأس من الماء دفعة واحدة..... دمعت عيناي وتشنجت عضلات وجهي كمن يحتضر... أدرت وجهي الى الجهة الأخرى في حين اشتبك (ابو رافد) مع الحواري في حديث ودود وهو يعرض أمامهن مختلف أنواع الأقمشة الفرحة الناعمة المزركشة ....
أنحدرت العبوات نحو سرداب جوفي بعد أن ْكدت أختنق لولا دفعة الماء... أدرت رأسي صوب واجهة المحل بعد أن تنفست الصعداء وتلاشى خوفي:- من انْ يخذلني مريئي فأتقيؤها وقد ذاب جلا تينها وتناثرت وريقاتها في داخل المحل فتخيلت الأطوال عشرات هراوات بأيدي رجال الأمن تنهال على رأسي فقد كشف السر!!! .. أخذت أدور ملعقة الشاي في ((الاستكان)) كمن يطرد أشباحا... ثوان مرت كأنها عمر بكامله...
نعم عيني أبو رافد فدوه أريد قماش بلون قميص الأستاذ الكَاعد يمك... وأشارت الى قميصي فبان خاتم الخطوبة الذهبي في إصبع كفها الأيمن... شوفي مامه مكَتلج أريد "لفاروق" زوج قمصان بلون قميص الأستاذ.....
ناولهما صديقي قطعة القماش مباركا لذات العيون الزرق عقد قرانها متمنيا لها السعادة والرفاه... ناولتني واحدة من كاسات عقدها والأخرى لابو رافد وطلبت مني انْ أدلها على من خاط قميصي، اومأ لها صديقي صوب محل(كاظم الأخرس) خياط الناصرية الشهير...







التعليقات