وحدها عربة الحمص المسلوق، تقف صامتة على الرصيف عند زاوية باب كلية الآداب، في ظل الشمس الخجول والهواء المشبع بأصوات العصافير ورائحة الندى، خاصة في هذا الوقت المبكر جداً من إحدى صباحات بغداد الشتوية.
مثل كل يوم.. المكان نفسه، والزاوية نفسها، الفرق الوحيد هو أن (جليل) كان يبدو مختلفا نوعا هذا اليوم، بشعره المرجل بعناية وسترته البنية التي جاهد للإخفاء التآكل الظاهر على أحد أكمامها وعطره الرخيص..
الفتى العشريني لم يكن يبدو عليه أنه يهتم لهذه الأمور، فغالباً ما كان يصب جل اهتمامه على نظافة كؤوسه الزجاجية ورص قناني الحامض وعبوات الملح والفلفل ومستوى النار تحت القدر النحاسي الكبير الذي يعد به الحمص في عربته التي صنعها له أخوه النجار قبل ثلاث سنوات، بعدما تلمس إن مهنة العتالة المنهكة في أسواق الشورجة، قد لا يتحملها جسد أخيه الصغير.
- الجامعة مكان محترم وآمن.. والرزق وفير
قال له وقتها بحب، مردفًا:
- الطلبة ودودون، والموظفون محترمون لن تجد بينهم من يعاملك باستعلاء أو يبخسك حقك، سترتاح هنا أكثر من جريك وراء الزبائن في أزقة الشورجة..
وفعلا هذا ما كان عليه الأمر
لسنوات.. لم يكن على جليل إلا الانشغال بمراقبة غليان الماء أو نوعية الحمص والقلق من نفاد أنبوبة الغاز أو نظافة الكؤوس.. ليعود في آخر اليوم بغلة تساعده على تعديل ميزان الفقر الذي كان يميل دائمًا إلى الجهة المحبطة من الحياة، ومنحه المزيد من الطمأنينة ضد غائلة الأيام التي تتربص به على الدوام.
وكل هذا كان من الأمور الجيدة التي لطالما أشعرته بالرضا والحمد.. حتى جاء ذلك الوقت الذي لم يعد يأتي فيه إلى باب الكلية من أجل تسقط الرزق فقط
هذا الصباح، كما في صباحات عديدة قبله، كان جليل يستبق النهار ويبكر قبل الجميع في الإنغراز بزاويته المعتادة، ويتعجل في إنهاء واجباته اليومية، ليس تصيدا لزبائن الغبش المبكرين من طلبة الأقسام الداخلية، لا.. بل كان ترقبا للحظة بعينها تجره من تلابيبه كل اليوم منذ الفجر.. أو على الأصح من أجل وجه معين بالذات.
وجهٌ هاديء مغمور بالصباح كأنه الشمس، فتاة تقاربه بالعمر.. ترتدي عادة معطفا أزرق، تحمل كتبها بين ذراعيها كما تحتضن أمنيات صغيرة، تطأ أقدامها الرصيف بخطوات خفيفة كأنها تعبر سحابة من ضوء، يسبقها عطرٌ رقيق يُعلن مجيئها قبل أن تصل.. شعرها الأسود ينسدل على كتفيها كنسائم آخر الليل، ويتراقص قليلاً على وقع خطاها.. عيناها الواسعتان تتأملان الطريق وكأنها ترسمه بألوان حلم ناعم. تضع القليل جدًا من المساحيق، ولا تنظر كثيرًا حولها.
يراقبها جليل من بعيد.. تتسارع نبضات قلبه كلما اقتربت من زاويته، قصيدة تمشي على مهل.. كل نظرة خاطفة إليها خفقات موسيقية على إيقاع سريّ، مقطع من أغنية لا ينتهي لحنها أبدًا.. تذهب به، كل صباح، إلى دنيا أخرى بعيدة من الرقة والحبور
لم يكن يعرف لها أسمًا، ولكنه لم يجد الأمر مهمًا جدًا، كان يكفيه أنه يعرف أنها تأتي دومًا عند التاسعة إلا ربع، تمشي بخطىً ثابتةٍ كأنها تحفظ مكان كل عثرة على الرصيف.. تتأبط كتابها، وتضع سماعة الأذن، بعينيها اللتين لا تحفلان بأحد.. ولا يبدو أنها تهتم بأحد.
أما هو.. فكل ما كان عليه أن يرتدي ملابس نظيفة، ويرتب شعره.. وينتظر طلتها حين تصل إلى العربة، وتجول بعينيها على الحمص الناضج.. أو هذا كان أقصى ما يمكنه فعله على الأرجح.
- مثل كل يوم.. جليل
كانت تنطق اسمه بإهمال، ولكن هذا ما كان يربكه تماما، وينعش قلبه في نفس الوقت..
كم كان صديقه حكيما عندما طلب منه أن يخط أسمه على العربة..
" لا توجد دعاية سيئة.. اكتب اسمك ليعرفك الناس".. لم يظن وقتها أن من المفيد وضع أسمه على عربة الحمص.. ولكنه الآن ممتن جدًا لهذه النصيحة.
كان يحب في صوتها البساطة، وفي عينيها الصدق.. وكان جذلًا لأنه يرى أنها لم تنظر له يوما كبائع متجول على عربة ملفقة، بل كإنسان له مكانه في هذا العالم، وكرامته.
يسلمها كأس الحمص كما تحبه.. تشكره وتلتفت سريعًا مكملة طريقها للكلية تاركة عينيه يسترقان الشوق لخطاها.
كانت تلك الهنيهات العابرة التي تقف فيها على عربته، ذخيرته التي يحملها معه إلى المنزل كل مساء، ليجترها بينه ونفسه، ويخالطها بأنفاسه، لحظة فلحظة..
في البداية لم ينتبه لمشاعره، كان يظنها تعود محبب على رؤيتها كل يوم، أو إعجاب بجمالها الهاديء الشفيف.. حتى كان ذلك اليوم الذي تغيبت فيه عن مرورها الصباحي لسبب لا يعرفه، لاحظ أنّ عينيه كانتا ترنوان إلى الباب أكثر من قدر الحمص، وأحس بأن هناك شيئًا ناقصًا في المكان، ووحشة تعصف في الأجواء، بعدها أصبح يحس أنه يتسمع خطاها من بين كل الأقدام، كأن الأرض كانت تخبره أنها تقترب منه، أو أن حركة الناس تتغير حين تمر..
كانت تلك الغيبة القصيرة هي ما أعادته إلى السؤال الذي كان يكتمه في أعمق نقطة من وجدانه:
(هل يكون هناك يوم ما أجد نفسي فيه كفئًاً لها؟؟)
***
في صباح، توقفت كما اعتادت، لكنه لاحظ أنّ عينيها متعبتان قليلًا..
استجمع كل ما كان يملكه من شجاعة متهيبًا من تجاوزه لحدوده التي كان يعرفها بدقة
- اليوم زدت لك كمية الحمص، لأنه يبدو عليك التعب، قد يكون بسبب البرد
ابتسمت بهدوء، وقالت:
- امتحان الفلسفة أرهقني جدا، ولكنه انتهى والحمد لله
- فلسفة؟ تلك الكتب الضخمة والأسماء الصعبة؟
ضحكت للمرة الأولى أمامه، ضحكةً قصيرةً خجولًا، وقالت وهي ساهمة بعض الشيء كأنها تفكر في أمور أخرى تمامًا:
- بالضبط.. أكثر ما أتعبني هو نيتشه وهيغل، هذان الفيلسوفان يعقّدان أيّ شيء في الحياة.
دهش جليل، لا من الأسماء، بل من شعور انتابه أنه للمرة الأولى استطاع أن يجعلها تضحك.
أحسّ بحرارة غريبة في صدره.. قال بسرعة، قبل أن تذهب اللحظة:
- أنا سمعت مرة بنيتشه، أعتقد قرأت عنه في الأنترنت
نظرت إلى ساعتها، نظرت إلى الكلية، ثم التفتت إليه.
- ممكن أن تضيف بعض الفلفل، القليل منه لو سمحت
ناولها الكأس دون أن يقول أي شيء آخر.
وفي اللحظة التي سارت فيها مبتعدة، همس لنفسه:
- إن قدرت اليوم أن أضحكها، قد يكون هناك يومًا أجعلها فيه تحبني
***
لم يكن يعرف الكثير عن شارع المتنبي، سوى ما سمعه من أحد الزبائن يومًا عن أن الشارع هو "جنة القراء الذين لا يملكون ثمن الكتب"، فرغم أن الرجل قالها ضاحكًا وهو يمازح صديقه الا أن جليل تعامل مع الأمر كعلامة من السماء أو بشرى لأمور جميلة قد تحدث يومًا
دخل الزقاق الطويل، ومرّ بين البسطات القديمة.. وسط رائحة الورق المعتق، الغبار، أصوات الباعة، والعناوين الغريبة فوق أغلفة بالية، لم يفهم العناوين، لكنّ شيئًا ما في نفسه تحرك نحو الكتب التي راودته عن نفسها كأنه مفاتيح لأبواب تخفي خلفها الكثير.
اقترب من أول بائع.
قال بتردد:
- هل لديك كتاب سهل عن نيتشه، كتاب مبسط لمن يقرأ للمرة الأولى
ابتسم الرجل، وسحب كتابًا صغيرًا من صندوق جانبي:
- إليك هذا، "مدخل إلى فكر نيتشه" قد تجد فيه ضالتك، فيه شرح بسيط عن حياته وأفكاره
نظر جليل إلى الغلاف.. كان يبدو أنه تنقل بين العديد من الأيدي.. ولكنه دفع للرجل ما طلب فيه
حين حمل الكتاب بيده في طريقه إلى المنزل، راوده شعور أن العالم يتغير من حوله، وأن هناك آفاقًا جديدةً ودودةً تتفتح أمام عينيه
صحيح أنه لا يعرف أغلب الكلمات المختبئة ما بين السطور، وقد يخطيء في تهجئة البعض الآخر، لكنه كان يعرف لماذا اشترى الكتاب على الأقل
طول الطريق يقلب بين الصفحات، يقرأ مقطعًا ما، ويعيد قراءته..
"نحن لا نرى الأشياء كما هي… بل كما نحن."
قرأها بصوت خافت بينه وبين نفسه، ثم هزّ رأسه ببطء، أحس بغرابة الكلمات، لكنه أيقن أنه فهمها بطريقته.
حين وصل إلى البيت، وضع الكتاب تحت وسادته، كمن يخبئ شيئًا ثمينًا.. واكتشف أن هناك خيطًا ما يربطه بالكلمات..
***
في تلك الليلة، صعد جليل متأبطا كتابه إلى سطح الدار، فرش بطانيته، وجلس مستندًا إلى جدار طيني قديم، ثم فتح كتاب "مدخل إلى فكر نيتشه" تحت ضوء مصباح صغير مربوط بسلك مائل.
بدأ يقرأ.
كانت الجمل قصيرةً نوعًا ما، لكنها تحبس الأنفاس، تطلسمت عليه كلمات مثل "العدمية"، "الإنسان الأعلى"، "إرادة القوة"، وأحس أنها أقرب إلى الألغاز منها إلى الكلام الذي كان يسمعه طول حياته
توقف عند فقرة، قرأها مرة، مرتين، ثلاث مرات.. ولم يفهمها.
نهض، أغلق الكتاب، وأخذ يتمشى على السطح ساهمًا:
- قد أكون أخطأت بالأمر، لن أستوعب هذه الكلمات ما حييت.. مالي ونيتشه
لكنه، بدل أن ينزل إلى باحة الدار، فتح الكتاب من جديد.
قرأ هذه المرة ببطء شديد، وبرغبة عارمة بالفهم.. كلمةً فكلمة.
***
في اليوم التالي، عند عربته، جاءت هي.
كانت تضع سمّاعات الأذن، تقرأ شيئًا في دفترها.
حين اقتربت منه، رفع عينيه بتردد، وقال:
- هل قرأت نيتشه اليوم؟
- نيتشه؟؟
- لقد بدأت أقرأ عنه، أقصد البارحة، كتابًا تعريفيًا، مبسّطًا.
ابتسمت له بحنان، وأخرجت هاتفها لتتواصل مع شخص ما
وبكل ما يملك من شجاعة:
- لا أعرف إن كنت قد فهمت الكتاب كما ينبغي، ولكني أحببت أن أعرف شيئًا مما تقرئين، حتى ولو قليلًا
- جميل.. ممكن قنينة من الماء
بعد أن غادرت، شعر بشيء غريب يتأرجح بين الشعور بالخرق وبعض الفخر، فرغم أن كلامه كان استعراضيًا ويبدو كما لو أنه قال شيئًا أكبر من مستواه، لكنه قاله بصدق، والأهم من ذلك، أنه أحس بالراحة وهو يقول مثل هذا الكلام، كما لو كان يتكلم بلسان شخص قابع بداخله يحاول الانعتاق من أغلال عربة الحمص..
منذ تلك اللحظات، أحس أن كل صفحة صعبة من الكتب لا تجعله أقرب لها فحسب، بل إلى نفسه الحقيقية
منذ تلك الليلة، بدأ يقرأ بلا استعجال.
وصار يدوّن ما لا يفهمه، يعود إليه لاحقًا، ويقرأه من جديد، لا ليجيد ترديد العبارات المفخمة فحسب، بل لكي يفهمها.
***
من جديد، ذات مساء، جلس جليل على سقف داره، الكتاب في يده، والسماء ساكنة كأنها تستمع معه لما يقرأ من سطور.
صفحات نيتشه صارت أقل غموضًا، أو ربما صار هو أكثر تقبلًا للكلمات.
قرأ:
(مَن له لماذا يعيش من أجله، يتحمّل كلَّ كيف.)
أعادها مرتين.. وثلاث
أغلق الكتاب ببطء، وحدّق في السماء، ثم إلى يده التي تحمل آثار مهنته، رائحة الحمص، بقع الزيت، مسام الجلد المحترقة من حرارة الغلّي
أحس بالامتنان لقدر الحمص الذي استطاع أن يوفر له طمأنينة أن يكون هناك شيء ما يؤكل في المنزل على الدوام
لكن داخله، شيء ما بدأ يرفض دعة الرضا هذه.. صوت في رأسه يهمس أنه يجب أن لا يكتفي بما تقدمه له العربة
فتح الصفحة الأولى من الكتاب، كتب في الزاوية العليا، "من مكتبة جليل"، نظر إلى الكلمات وشعر أنها ليست مجرد حروف منتظمة، بل أقرب إلى الإعلان.. بأنه موجود، وأن الأيام وأن كانت لم تسفر له عن كل ما تخبئه عنه، ولكنها ستفعل.
****
كانت الشمس في منتصف السماء عندما وقف جليل عند عربته، ينتظر قدومها كالعادة.
لم تأتِ.
لا في الصباح، ولا في موعد المحاضرة الثانية
كانت في كل مرة تمر من هنا، حتى لو لم تقف عند عربته، يختلط في قلبه الأمل والارتباك في كثير من الأحيان..
ولكن اليوم، لم يظهر ظلها على الطريق.
جلس على الكرسي الخشبي الصغير بجانب العربة، يتأمل المكان الفارغ.
مرّت ساعات، والجميع حوله يشتري، ويدخن، ويتبادل الحديث.. لكن عقله بقي معلّقا بها وحدها.
(هل مرضت؟ هل حصل لها شيء؟ لا سمح الله)
يتردد صدى الأسئلة في رأسه، والقلق يثقل صدره.. ولا جواب
في مساء اليوم، عاد للبيت وكأنه يحمل حجرًا ثقيلًا في قلبه.
لم يكن غيابها غياب وجه فقط.
بل غياب أمل ورؤية في حياة صارت تمشي على حافة الانبثاق
ابتلع ريقه، وأغمض عينيه، وهو يدرك أن العالم الصغير الذي بناه معها بدأ يتصدع.
كان جليل ينتظرها كل يوم عند العربة، منتظرًا مرورها، يحمل في عينيه نفس الأمل الصغير، رغم أن الوقت مرّ طويلا دونها.
في كل صباح، يجهز عربته بعناية، يلمّع الأواني، يرتب الكؤوس، ويضع الحبات بحرص.
لكن الصوت الذي كان يرافقه بابتسامة لم يعد موجودًا.
(غيابها ثقيل.. كأنه يحاصرني بصمت.)
***
جلس جليل في ركن صغير من غرفته، على الأرض، محاطًا بكتب مستعملة اقتناها على مر الأيام.
فتَح الكتاب الأول بيدين مرتعشتين، وعيناه تلتقطان الكلمات ببطء، كأنه يكتشف عالمًا جديدًا.
كانت الصفحات تمتليء بعوالم لا يعرفها، وأفكار تغذي ذهنه وتفتح آفاقه الضيقة.
كل يوم كان يقرأ قليلاً، يحفظ كلمات جديدة، يحلم بتلك الحياة التي لا تعترف به بائعا للحمص.
بين الحين والآخر، كان يكتب ملاحظات صغيرة، تفسر بعض الكلمات، وتثبت بعض الشروحات البسيطة
كان يعود دائما إلى الصفحة الأولى من كتاب نيتشه حتى بعد أن تمزق غلافها، يقرأ بحنين عبارة" من مكتبة جليل" يهمس صوته الداخلي:
(ماذا لو لو فتحت مكتبةً صغيرةً.. ركنًا صغيرًا، سيكون لي عندها الكثير من الوقت للقراءة)
كان يتخيل رفوفها الخشبية الممتدة، وصفوف الكتب المتراصة، والزبائن الذين يأتون يبحثون عن المعرفة.
كان يعلم أن الطريق طويل، لكنه لم يعد وحيدًا.. الحلم الجديد أصبح شعلة تضيء قلبه، والكتب أضحت رفيقته
***
أطال جليل الوقوف أمام باب المحل الصغير الذي استأجره منذ أسابيع، متأملًا اللوحة الخشبية المعلقة والمكتوبة بخط مرتبك: "مكتبة جليل".
تنسم بفرح رائحة الورق القديم التي تعبق في الهواء، تحسس بيده الرفوف الخشبية التي تنتظر أن ترص عليها الكتب.. مبتسما لصورة "نيتشه المعلقة على الجدار.
بدأ يرتب الكتب التي جمعها بحرص شديد خلال أشهر، ويتلمس صفحاتها متشهيًا آمالًا كبيرةً قد تنمو من خلال حروفها.
رغم بساطة المكان، وتواضع الأثاث، كان قلبه يخفق بحماسةِ كبيرةِ، فهو يعلم أن هذا هو حلمه الذي بدأ يتحقق، بعيدًا عن عربة الحمص، وساعات الوقوف الطويلة أمام باب الكلية..
جلس على الكرسي، الضوء الناعم يتسلل من النافذة، وأصابع يده تمر بهدوء على أغلفة الكتب المكدسة أمامه بدون ترتيب.
نظر إلى النافذة التي تطل على الشارع، وأغمض عينيه للحظة، أخذ يحلم بزبائن قادمين، وكتب تملأ المكان، وبحياة جديدة تبنى بيده.. عاد بذاكرته إلى أيامه الأولى مع عربة الحمص.. تذكر الفتاة التي كانت تشتري منه، تلك التي لم تعرفه حقًا، لكنه لم ينسَها قط.
ابتسم بخفة وقال في سره:
"لو قدر لها أن تراني، أن تعرف كم تغيرت، كم تعلّمت، كم صرت رجلًا يمكنها أن تعجب به."
***
قطع تفكيره اجتياز امرأة مسنة لباب المكتبة الصغيرة.
نظرت إلى الرفوف المتواضعة، ثم إلى جليل الذي كان يرنو لها برقة.
-هل تتوفر لديك كتب عن التاريخ؟
سألته بصوت هاديء.
أجابها جليل بابتسامة خجول:
- نعم، عندي بعض الكتب، تفضلي
دخلت المرأة، وبدأت تتصفح الكتب بحذر، بينما كان جليل يراقبها بفضول وحماسة.
مرت ساعات، وتعددت الزيارات، طلاب، شباب، وناس عابرون، بعضهم يبحث عن كتب مدرسية، وآخرون عن روايات بسيطة.. ومع كل زائر جديد، كان يشعر بنبض الحياة يتجدد في المكان، وبأن حلمه رغم الصعوبات، بدأ يتحقق.
بدأ جليل يلاحظ أن بعض الزوار بدأوا يعاودون زيارة المكتبة بانتظام، ليس لشراء الكتب فحسب، بل للدردشة وتبادل الأحاديث.
شارك جليل أفكاره مع الزبائن والزوار، واكتشف أنه قادر على الحوار، وأن هذه النقاشات ساعدته على توسيع مداركه.. وكان يراقب بسعادة غامرة تحول مكتبته الصغيرة إلى ملتقى للأفكار والقصص والتجارب.
تغير جليل كثيرًا أمام هذا التفاعل، أصبح يستمع أكثر، ويتعلم من الناس، بالحماسة نفسها التي يشعر بها عند قراءة كتاب جيد، أما المكتبة، فأضحت وطنًا صغيرًا يحتضن آماله وروحه.
***
في صباح جميل، كانت المكتبة تغمرها أشعة الشمس الدافئة، والهدوء يعم المكان.
دلفت بصمت، ترتدي ملابس بسيطة، تحمل نظرة حادة تتابع الرفوف بإمعان.
اقتربت من أحد الطاولات، تقلب الكتب بعناية، عيناها كما لو كانتا تبحثان عن عنوان معين.
وقف جليل بعيدًا، يحاول إخفاء توتره، ينظر إليها وقد عقدت الدهشة لسانه.
(- رباه.. أتكون هي حقًا؟.. كيف أنها لم تلق علي التحية، يبدو أنها لم تتذكرني حتى)
أمسكت بكتاب، نظرت إلى الغلاف، قلبت قليلا بالأوراق.. ثم التفتت إليه:
- هل هذه الطبعة أصلية؟
سألته بصوت هاديء، عملي، من دون أن تلتفت إليه بنظرة قد تشي بأنها تتذكر أيّا من الصباحات التي كان يقف فيها على ناصية الكلية ينتظر إشراقتها.
رد عليها جليل مرتبكًا:
- نعم، هي طبعة أصلية، من دار نشر معروفة.
بدأت تفاوضه على السعر بحذر، وتقيّم إن كان الكتاب يستحق الرقم المكتوب على غلافه.
دفعت المبلغ، وضعت الكتاب في حقيبتها، لم تنظر إليه سوى لمحة عابرة، ثم غادرت المكتبة بخطوات ثابتة.
***
ظل جليل واقفًا، ينظر إلى الباب الذي أُغلق خلفها، ثم رمى جثته على كرسيه الخشبي البسيط في ركن المكتبة، يحدق في المكان الذي كانت تقف فيه قبل لحظات.
اجتاحه شعور بالدهشة، كأن الزمن توقف للحظة. لم يكن يتوقع أن تأتي هي إلى هنا، إلى عالمه الصغير الذي بناه بحلمه وصبره.. ولم يظن أنها لن تتعرف عليه بالمرة.
لكن الدهشة سرعان ما تحولت إلى موجة من الإحباط.
تلك النظرة الساهمة، وذلك البرود في صوتها، طريقة تعاملها العملية التي خلت من أي أثر للماضي أو لأي شعور خاص، أعادوه إلى الأرض، إلى الواقع الذي لطالما يختبئ من مجابهته متمترسًا خلف أمانيه…
شعر وكأن كل أحلامه قد ذابت أمام عينيه، وأن كل تلك السنوات التي حمل فيها حبًا صامتًا كانت مجرد سراب..
ومع ذلك، وبعد دقائق من هذا السكون الثقيل، تراجع قلبه خطوة إلى الوراء، تاركًا وراءه ظلال الحزن.
بدأ شيء جديد ينهض بداخله.. بدأ يرى بوضوح أن الحب الذي عاشه لم يكن محض خسارة، بل قد يكون هدية من السماء غيرت مسار حياته.. وتلك المشاعر التي ظنها وهمًا، كانت شرارة أضاءت له طريقًا آخر لم يكن مقدرًا له أن يسير فيه لولا ذلك الدافع.
(- ربما كان حبًا من طرف واحد، وربما كنت أعيش في وهم كبير.. لكن هذا الوهم كان أجمل درس في حياتي. هو الذي جعلني أقرأ، أتعلم، وأحلم.)
نظر إلى الكتب حوله، كأنها أصدقاء حملوا همومه وأحلامه معًا.
(- لو لم أحبها، لما كنت جليلًا الذي أعرفه الآن.. يا لهذا الحب، كان قصيرًا و صامتًا، ولكني أكن له كل الامتنان.)"
وقف ببطء، وضع يده على ظهر الكرسي، وعاد ليرتب الكتب الجديدة التي وصلته.
رغم أنها لم تعد في حياته، لكنه يعلم أن هذه الحياة الجديدة قد تفتح له أبوابًا أخرى، وربما، فرصة جديدة للحب والصداقة.
تنهد بارتياح، وأدار ظهره للنوافذ، منتشياً بهذا الرضا الجديد، مستعدًا لمواجهة يوم جديد.








التعليقات