سنتان وأنا مغروس، لساعات طويلة، أمام الدبابة في الميدان الذي سُمّي باسمها. أعلّق الرشاشة على كتفي، وأحدق في وجوه المارة، خصوصًا السياح الأجانب الراغبين في التقاط الصور التذكارية، لكن من دون أن أظهر فيها، للأسف، بعدما نبّهني رؤسائي إلى ضرورة ألّا أكون جزءًا من الصورة؛ فالدبابة لا تخص جيلًا بعينه، ولا ثورة واحدة، بل تختصر تاريخًا طويلًا من الأحداث التي شهدتها البلاد.
منذ أن امتطاها قائد أول ثورة ليجتاز بوابة قصر الحكم، ثم تركها مركونة ومضى غير عابئ بها، من دون أن يدرك أنها ستتحول إلى أيقونة مباركة لكل مغامرات الاقتحام اللاحقة؛ منها ما نجح، ومنها ما انتهى إلى محاولات انقلاب فاشلة استحق منفذوها أحكام الإعدام، في الميدان ذاته الذي صار واحدًا من معالم المدينة التاريخية، وساحةً لاحتفالات ذكرى آخر الثورات.
ثم جاءوا بالدبابة، العاجزة تمامًا عن الحركة، وقد نال الصدأ من معظم أجزائها، من دون أن يتخذ أحد قرارًا بإصلاحها، ولو شكليًا، رغم أن العيون ظلت مصوبة نحوها، كأن أصحابها ينتظرون معجزة تبعث الحياة في الجماد.
كنت أبادلهم النظرات، كأنني أخبرهم أنها في عهدتي حتى انتهاء مناوبتي، وأنني لن أسمح لأحد بلمسها، وإن اندلعت حرب أخرى ولم يتبقَ لدينا سوى قذيفة واحدة، لا نعرف إلى أي جهة ينبغي أن نطلقها، أو لو قامت ثورة جديدة تبحث عن ظل من الماضي لتحتمي به.
مع أن زمن تلك الحكايات انقضى قبل مولدي بسنوات، ولولا أحاديث العجائز لما عرفت أهمية وقوفي الطويل لحراسة شيء لا يفكر أحد في سرقته، إلا ربما لبيعه في سوق الخردة، أو لأنه صار أثرًا لا نعرف قيمته، وبالتالي لا نستحق امتلاكه.
انتهت خدمتي العسكرية، فخلعت بزتي وألقيت السلاح من دون أن أطلق رصاصة واحدة. وقبل مغادرتي البلاد، وقفت أمام الدبابة لألقي عليها تحية الوداع.
كان ذلك قبل أن تُباع في مزاد علني حضره مجموعة من الأثرياء من جنسيات مختلفة، علَّ ثمنها يساعد البلاد على النجاة من خطر الإفلاس الذي كان يحدق بها.
تحت ظل الدبابة

آخر تحديث: ٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٧:٥٥ م






التعليقات