انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

تحت ظل الدبابة

احمد غانم عبد الجليل
احمد غانم عبد الجليل

قاص وروائي عراقي

2 دقائق للقراءة
1 مشاهدة
تحت ظل الدبابة
مشاركة:

سنتان وأنا مغروس، لساعات طويلة، أمام الدبابة في الميدان الذي سُمّي باسمها. أعلّق الرشاشة على كتفي، وأحدق في وجوه المارة، خصوصًا السياح الأجانب الراغبين في التقاط الصور التذكارية، لكن من دون أن أظهر فيها، للأسف، بعدما نبّهني رؤسائي إلى ضرورة ألّا أكون جزءًا من الصورة؛ فالدبابة لا تخص جيلًا بعينه، ولا ثورة واحدة، بل تختصر تاريخًا طويلًا من الأحداث التي شهدتها البلاد.
منذ أن امتطاها قائد أول ثورة ليجتاز بوابة قصر الحكم، ثم تركها مركونة ومضى غير عابئ بها، من دون أن يدرك أنها ستتحول إلى أيقونة مباركة لكل مغامرات الاقتحام اللاحقة؛ منها ما نجح، ومنها ما انتهى إلى محاولات انقلاب فاشلة استحق منفذوها أحكام الإعدام، في الميدان ذاته الذي صار واحدًا من معالم المدينة التاريخية، وساحةً لاحتفالات ذكرى آخر الثورات.
ثم جاءوا بالدبابة، العاجزة تمامًا عن الحركة، وقد نال الصدأ من معظم أجزائها، من دون أن يتخذ أحد قرارًا بإصلاحها، ولو شكليًا، رغم أن العيون ظلت مصوبة نحوها، كأن أصحابها ينتظرون معجزة تبعث الحياة في الجماد.
كنت أبادلهم النظرات، كأنني أخبرهم أنها في عهدتي حتى انتهاء مناوبتي، وأنني لن أسمح لأحد بلمسها، وإن اندلعت حرب أخرى ولم يتبقَ لدينا سوى قذيفة واحدة، لا نعرف إلى أي جهة ينبغي أن نطلقها، أو لو قامت ثورة جديدة تبحث عن ظل من الماضي لتحتمي به.
مع أن زمن تلك الحكايات انقضى قبل مولدي بسنوات، ولولا أحاديث العجائز لما عرفت أهمية وقوفي الطويل لحراسة شيء لا يفكر أحد في سرقته، إلا ربما لبيعه في سوق الخردة، أو لأنه صار أثرًا لا نعرف قيمته، وبالتالي لا نستحق امتلاكه.
انتهت خدمتي العسكرية، فخلعت بزتي وألقيت السلاح من دون أن أطلق رصاصة واحدة. وقبل مغادرتي البلاد، وقفت أمام الدبابة لألقي عليها تحية الوداع.
كان ذلك قبل أن تُباع في مزاد علني حضره مجموعة من الأثرياء من جنسيات مختلفة، علَّ ثمنها يساعد البلاد على النجاة من خطر الإفلاس الذي كان يحدق بها.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٧:٥٥ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

ستائر بيض
سرد

ستائر بيض

المساء بصمته المريب، مختلفاً عن أمسياته التي اعتادت المضي مثقلة بترقب صامت. بعد انقطاع طويل، قرر مغازلتها،البنت العابقة بهيامات أيامها.لم يكن القرار مفاجئاً، ولا يملك له سبباً يمكن روايته لأحد. ربما لأنه رآها واقفة عند الشباك الأثير إلى روحها، معيدة ترتيب الستارة، وربما لأن المساء هادئاً أكثر مما…

· 3 د
العاقل الوحيد
سرد

العاقل الوحيد

قُصي الشيخ عسكر الثور راود الفلاحة (نجمة) فضول حين وجدت صاحب الثور الفحل يملأ سطلا بالماء فيخلط معه شيئا ابيض ناعما مثل الطحين ليقدمه لثوره كلما انتهى من تلقيح بقره فاقتربت منه بعد ان أسدلت نقابها على وجها وسألته هامسة عن هذا الشيء الذي يخلطه فعرفت انه سكر وماء إذاً هو سكر وماء لا شيء اخر! في البيت…

· 2 د
كنت أعرفه راقصا
سرد

كنت أعرفه راقصا

في ربيع 2003 كانت المدينة تشبه رجلا استيقظ من عملية جراحية طويلة ولم يجرؤ بعد على لمس وجهه. يتحسس ملامحه بحذر، كأنه يخشى أن يكتشف أن الأنف لم يعد في مكانه، أو أن العينين صارتا لشخص آخر. التماثيل اختفت من الساحات كما تختفي الأسنان من فم عجوز. القواعد الحجرية بقيت وحدها، عارية ومحرجة، ترفع أعناقها…

· 4 د