انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

بكاء الريح على سفح ليلان

بسام الطعان
بسام الطعان

قاص وروائي سوري

3 دقائق للقراءة
10 مشاهدة
بكاء الريح على سفح ليلان
مشاركة:

على أطراف تلّ "ليلان"* الأثري، حيث تنام بقايا مملكة غابرة ـ ربما أكّادية أو آشورية ـ بين رقُمٍ طينية وجرار فخارية ومنحوتات صخرية. كانت " مرّة " تقف عند حافة الحفرة، تعصب رأسها بمنديل باهت مبقّع بالزيت والطحين.
حدّقت في زوجها بعينين صغيرتين جافتين، ثم أمطرته سيلًا من الشتائم التي لا تليق بامرأة أنهكتها دموع القهر أكثر مما أنهكها زواجها البائس.
أمّا شيخموس فكان يحدّق في خطّ الأفق، كأنه يقرأ مستقبل البشرية بعد كارثة نووية، بينما كان هارلي خبير الآثار الأمريكي ورفاقه يضحكون دون أن يفهموا كلمة مما تقوله مرّة.
انسحبت مرّة وهي تمسح دموعها بأصابعها، تندب حظها، وتترك خلفها قافلة من الشتائم له وللأجانب.
بقي شيخموس جالسًا بمحاذاة جدار يطلّ على بركة آسنة تجمّعت من أمطار الشتاء، يتلاعب بسبحته الزرقاء، ويطيل النظر إلى مؤخرة باتي صديقة هارلي، ثم إلى ساقيها البيضاوين، قبل أن يترك لخياله حرية الانفلات:
"آه لو أمسكت بها لدقائق فقط، لن تنقذها جيوش أمريكا كلّها".
لكن لماذا ننطلق من الماضي وليس من الحاضر؟ كلما حاولنا أن نبدأ من الحاضر نجد أنفسنا نعود إلى الماضي. يبدو أنني لا أتقن كتابة القصة القصيرة. هذا ما اعترف به السيد(ب) وهو يواصل خربشاته. كأن القصة هي التي تكتب نفسها وتتركه يتخبط.
هبت فجأة زوبعة من الصراخ، تسبقها دموع ملونة بالقهر:
ـ دجاجاتي… ديوكي… أين اختفت؟
كان صوت مرّة، التي لم تذق طعم الراحة يومًا.
قالت لجارتها بصوت خفيض فقد أنوثته منذ زمن:
ـ اليوم بيديّ هاتين وضعتها في القن، حتى الديك الأحمر اختفى!
حين اجتمعت مع النسوة يتداولن الحادثة، كان شيخموس على بيادر القرية، يخوض جولة جديدة من لعب الورق مع رفاقه الكسالى:
"آه لو أربح اليوم، سأعطيها كل شيء دون مقابل.
لكن حين خسر، شعر كأن طبلاً يُقرع داخل صدره. تمتم بحنق:
" ليتهم يلعبون على تلك القردة، كنت ارتحت منها ومن صراخها، وتفرّغت لغزالتي الأمريكية.
وبينما يحاور ذاته بحسرة، جاءه أحد الأولاد لاهثًا:
ـ خالو… خالتي مرّة تقول الدجاجات اختفت، ألا تعرف أين هي؟
ردّ بعصبية وقهر:
ـ اللعنة عليك وعلى خالو، قل لها أكلها الثعلب!
ضحك أحد اللاعبين بصوت عالٍ:
ـ يا ويلك يا شيخموس، مرّة ستنتقم منك.
نهض وهو يغوص في دهاليز من الغضب والارتباك، ثم قال لنفسه:
"سأذهب لأرى ماذا حصل لتلك القردة".
في الطريق بدا كخيال ضخم، رثّ الثياب، عابس الجبين، واسع الفم، غليظ الشفتين، كبير الأنف بصورة تبعث على الضحك. بينما باتي ترافقه في خياله، تتأبط ذراعه وتقدّم له ما يشتهي. لكن قدمه ارتطمت بحجر، فكاد يقع، وراح يشتم مرّة بكلمات بذيئة.
وجدها واقفة أمام البيت، ملامحها واجمة، والغضب يتوهج في عينيها:
ـ أكلها الثعلب إذن يا "أبو مخّ معفّن"؟
تنفّس بعمق، كمن يضع عن ظهره حملًا ثقيلًا:
ـ لا تصرعيني… أكلها الثعلب وانتهى الأمر.
اكفهرّ وجهه وازداد احمراراً. ثم دخلت الغرفة وأغلقت الباب بإحكام.
في اليوم التالي اندلعت زوبعة جديدة:
ـ برميل المازوت اختفى يا ناس!
ثم تلتها زوابع أخرى:
ـ كيس الطحين… تنكة العدس… علبة السمن... علبة الدبس... بطانيتي الوحيدة… اسطوانة الغاز… كيس البرغل… ماذا سنأكل ؟ بيتي صار فارغًا… ارحموني يا ناس!
عاد شيخموس تلك الليلة يجرّ خطواته كما لو كان يجرّ عمرًا أثقل من جسده. كان منهزماً، متعباً، ومنكسِراً كعين فقير، وكانت روحه تائهة بين بركة آسنة وساقين بيضاوين.
وجد الباب نصف مفتوح، والبيت يغرق في صمت غير مألوف.
نادى بصوت خافت:
ـ مرّة…
لم يسمع جواباً، دخل المطبخ يبحث عنها فوجده فارغاً حتى من رائحة الطعام،
لم يعرف إن كانت عند الجيران، أم تركت البيت غاضبة، أم كارهة وفاقدة الصبر، أم أن شيئًا آخر حدث.
جلس أمام مدخل البيت ينتظر، يحدّق في الطريق المظلم، ويشعر بأن شيئًا أكبر من الديك قد ضاع. وكانت الريح تصدر من بعيد صوتاً يشبه البكاء.

*تل أثري في محافظة الحسكة نقبت فيه بعثة آثار أمريكية أكثر من خمسة عشر عاما.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٦ تموز ٢٠٢٦ في ٠٩:١٠ م

مقالات ذات صلة

قصص قصيرة جدا
سرد

قصص قصيرة جدا

السقف سقف غرفتي ذو الندوب الكثيرة يشبه السماء المزدحمة بالنجوم،وحالما استلقي على سريري تقع عيناي على بقعة أراها تتشكّل بحبيباتها الصغيرة وفق مخلوق ما،بعض الأحيان أنظر إلى الصورة ذاتها بطرف عيني فأرى الغزال يصبح حيوانا آخر أو السمكة تتشكل بصورة دبّ،لكنّ كلّ شيء اختفى حين أعدت طلاء السقف الذي تعرّض…

· 1 د
أشياء لم تحدث
سرد

أشياء لم تحدث

اشياء لم تحدث!! قصة قصيرة نشوان عزيز عمانوئيل ستوكهولم 2026 julay حين خرج سالم من منزله صباح الثلاثاء، لاحظ أن ظلَّه لم يخرج معه. توقف عند الباب، التفت إلى الخلف، فرأى الظل واقفًا في الممر، يراقبه ببرود، ثم أغلق الباب من الداخل. لم يشعر بالذعر. شعر بالإحراج. وصل إلى عمله دون ظل، فاستدعاه المدير…

· 4 د
حين خرج الثور من الإصطبل
سرد

حين خرج الثور من الإصطبل

تقول الأسطورة إنَّ ملكَ كريتَ وقف يوماً على شاطئ البحر، رافعاً يديه إلى السماءِ. قال: "يا بوسيدون، يا سيدَ البحارِ، إن كنتَ قد اخترتني ملكاً على هذه الجزيرةِ، فأرسل إليَّ ثوراً يخرج من البحرِ، ليكون آيةً للناسِ جميعاً. وأقسم أن أقدمه قرباناً للآلهةِ." لم يكد يتم دعاءه حتى ارتجَّ البحرُ، وانشقت…

· 3 د