انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

الولد الذي أضاء المدينة

قصة قصيرة

ولام العطار
ولام العطار
·4 دقائق للقراءة
6 مشاهدة
الولد الذي أضاء المدينة
مشاركة:

صباح بحلو حضوره وفتنته الرائعة، يهبط على مدينة الينابيع في ثوبٍ من نورٍ رقيق، بهدوء رائق تغتسل الأشجار بندى الفجر، وتفتح الأزهار أعينها نحو الشمس، وتغرد العصافير فوق السطوح كأنها تعزف لحنًا لا يسمعه إلا من بقي قلبه طفلًا. المدينة جميلة…جميلة إلى حدٍّ يجعل الغريب يقف طويلًا ليتأملها.لكنها تخفي حزنًا لا يُرى.الناس يمشون فيها مثل الساعات، يعرف كل واحد طريقه، دون معرفة قلب صاحبه. يلتقون كثيرًا، لكنهم نادرًا ما ينظرون في عيون بعضهم. الوجوه مرتبة، والثياب نظيفة، والبيوت عامرة، إلا أن الإبتسامات أصبحت ضيفًا نادرًا، كفراشةٍ أضاعت طريقها إلى الربيع.في آخر شارع تحفه أشجار النارنج، يعيش صبي اسمه (سراج.) إسمه يشبهه.عيناه تمتلئان فضولًا، وقلبه يمتلئ دفئًا، وكلما رأى حزنًا صغيرًا، شعر أن شيئًا في داخله يناديه. أمه تقول له دائمًا:—يا بني، إن الله يزرع في بعض القلوب مصابيح لا تنطفئ، فأحفظ مصباح قلبك.

لم يكن سراج يفهم معنى كلماتها كلها، لكنه يشعر أنها تشبه الدعاء.

ذات صباح ربيعي خرج إلى المدرسة، حاملاً حقيبته على كتف، ورغيفًا صغيرًا أعدته له أمه على الكتف الآخر.

حين وصوله إلى الساحة القديمة، لمح عصفورًا صغيرًا يرتجف تحت شجرة توت.اقترب منه بهدوء. جناحه مبللًا، لا يقوى على الطيران.خلع سترته، وصنع منها عشًا صغيرًا، ثم حمل العصفور بكفيه كما يحمل المرء قطرة ماء يخشى أن تنسكب.ظل معه دقائق حتى جف جناحه، ثم فتح كفيه.رفرف العصفور مرة…ثم مرتين…ثم حلق عاليًا، راسماً في السماء دائرة صغيرة، كأنه يشكر ذلك الصبي دون كلمات.إبتسم سراج ومضى.لكنه لم ينتبه إلى أن طفلًا آخر يراقبه من بعيد.قال الطفل في نفسه:—لو كان يستطيع أن يرحم عصفورًا… لماذا لا أرحم أنا زميلي الذي أسخر منه كل يوم؟

في الفصل، جلس الطفل إلى جوار زميله الذي كان دائمًا وحيدًا، شاركه طعامه لأول مرة.ضحك الصغيران. تلك الضحكة كافية لتجعل المعلمة تبتسم بفرح اشاع الابتهاج في قلوب الصغار. عندما عادت إلى بيتها، وجدت جارتها العجوز تحاول رفع وعاءً ثقيلًا من الماء.تركت حقيبتها، وأسرعت تساعدها.وفي المساء، خبزت الجارة رغيفًا ساخنًا، وطرقَت باب أسرة فقيرة تسكن آخر الزقاق.في تلك الليلة، نام طفلٌ لم يكن قد تذوق الخبز منذ يومين.كان الخير يمشي من قلب إلى قلب، كما تمشي النسمة بين أغصان الأشجار، لا تُرى، لكنها تترك خلفها ارتعاشةً من الحياة.ومع مرور الأيام، بدأت المدينة تتغير.أصبح الأطفال يجمعون الأوراق اليابسة من الحدائق قبل أن يبدأوا اللعب.وصار كل واحد يسقي الزهرة الأقرب إلى بيته.وأخذت النوافذ تُفتح كل صباح على تحية، بعد أن كانت تُفتح على صمت.حتى القطط الضالة، وجدت من يضع لها أوعية الماء في أيام الصيف.وذات مساء، جلس سراج على مقعد خشبي في الحديقة العامة.اقترب منه رجل مسن يحمل صندوقًا مليئًا بالفوانيس الزجاجية الملونة.قال مبتسمًا:—هل تحب الفوانيس يا بني؟

أجاب سراج:—أحب النور.

ضحك الرجل حتى ارتجفت لحيته البيضاء.ثم ناوله فانوسًا صغيرًا، وقال:

—احتفظ به.

نظر إليه سراج متعجبًا.لم يكن في داخله زيت، ولا شمعة.سأل باستغراب:—كيف يضيء؟

أجابه الشيخ بصوت هادئ:—حين يفعل صاحبه خيرًا لا ينتظر عليه شكرًا.

إبتسم سراج، وظنها حكاية لطيفة، شكر الرجل بحب، ثم عاد إلى منزله.

في صباح اليوم التالي، حمل الفانوس معه، لكنه نسيه في حقيبته.وفي طريقه إلى المدرسة، رأى طفلًا كفيفًا يقف مرتبكًا عند مفترق الطرق.

إقترب منه، وأمسك يده برفق، وأوصله إلى باب المدرسة، ثم ركض إلى صفه قبل أن يرن الجرس.عندما عاد إلى البيت مساءً، فتح حقيبته.فتوقف قلبه لحظة.كان الفانوس يرسل خيطًا رقيقًا من الضوء…ضوءًا ذهبيًا خافتًا، يشبه ابتسامة أم، أو دفء بيت، أو أول نجمة تظهر بعد الغروب.ظل ينظر إليه طويلًا.ولأول مرة، شعر أن الخير ليس فعلًا ينتهي عندما نفعله…بل نورًا يبدأ رحلته عندها.ومنذ تلك الليلة، لم يعد سراج يبحث عن الأشياء التي تسعده وحده.صار يبحث عن الأشياء التي تُسعد الآخرين. كل عمل صغير يضيف إلى الفانوس ضوءًا جديدًا.حتى جاء اليوم الذي امتلأ فيه الفانوس بالنور كله…حين حمله إلى أعلى التل المطل على المدينة، لم يرَ ضوء الفانوس وحده.بل رأى المدينة كلها تلمع.لم تكن الشوارع قد تغيّرت كثيرًا.

ولا البيوت كبرت.ولا الأشجار ازدادت ارتفاعًا.لكن القلوب…أصبحت أكثر اتساعًا.وفي تلك اللحظة، سمع صوت الشيخ العجوز، كأنه يأتي مع النسيم:—حين يضيء قلب طفل واحد، يبدأ الصباح في قلوب مدينة كاملة.

ابتسم سراج، ورفع الفانوس نحو السماء.أما النجوم…فقد بدت، لأول مرة، وكأنها تبتسم له.

مشاركة:
ولام العطار
ولام العطار

قاصة عراقية.

آخر تحديث: ٢٥ تموز ٢٠٢٦ في ٠٥:٢٥ م

مقالات ذات صلة

أجيال
شعر

أجيال

جيل ما قبل نضوج شهوة الحروبِ، اِلتقطوا الأيديولوجية بملاعقَ ذهبيةٍ . تمرّدوا على مزاجِ المدن السّائلة، وداعبوا الرّبيع في غيرِ أوانه، لم تشغلهم مكابداتُ (الأخضر بن يوسف )* عن سلب( ثياب الإمبراطور )** فمن أين ينفذُ الضّوءُ و ( مملكتهم سوداء )***؟ هل القصائدُ…

· 2 د
على منحدر النهر: سكيتش من أجل صادق الصائغ
قراءات

على منحدر النهر: سكيتش من أجل صادق الصائغ

صورة باهتة، معلَّقة على جدار مقهى صيفيّ في شارع أبي نؤاس، أواسط سنوات العقد السابع من القرن الماضي، وحدها ما تؤرخ للحظة انفضاضٍ وشيك (هجرة، اشتباك، اعتقال، تخلّ، نشر آخر أعمال جيل العقد الستّيني، موت بطيء وانهيار آمال وتوقف زمن). حادثٌ مأساوي- كوفاة صادق…

· 6 د
أعمار متأخرة
سرد

أعمار متأخرة

مسرودة قصصية. الشيخوخة ليست حين يبيض الشعر، بل حين يكف الإنسان عن انتظار المفاجآت ألبير كامو حين استبدّت به لحظة جنون ،قرر تفريغ حياته قبل أن تفرغ منه. لم يعد يوقظ المنبه. تاركاً الصباح يتسلل إليه كما تتسلل رائحة الرطوبة إلى بيت مهجور. ينهض متثاقلًا، ليفتح…

· 7 د