انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

الميت الحي

جمال الهنداوي
جمال الهنداوي

كاتب وصحفي.

13 دقائق للقراءة
14 مشاهدة
الميت الحي
مشاركة:

ثقيلة كانت تلك الظهيرة الخانقة من صيف 2003، الرصاص أصبح متقطعًا، ولم يعد ضمن الروتين اليومي لمدينة بغداد، ولكن العيون لم تعرف بعد معنى الطمأنينة.. غبار ودخان خفيف يملأ الجو، حركة هادئة بالشارع، يقطعها بين الفينة والفينة بعض الصخب الذي تنثره الأرتال العسكرية.. أو سيارة إسعاف، دراجة نارية.. أو أي شيء..

لا زبائن.. لا ناس تمشي بالشارع.. لا مراجعين للمستشفى الملفق على عجل في الناحية الأخرى من الشارع، لا صوت راديو ليشتّت رتابة الانتظار.. لا شيء يستحق البقاء. ومع ذلك، بقي أبو سليم في مكانه المعتاد على جانب ساحة الأندلس..

في سيارته المتهالكة القديمة التي كانت تُصدر طنينًا خافتًا حتى في وضع السكون.. كان أبو سليم سائق التكسي العجوز جالسًا بملل، تملأ أنفه رائحة البنزين الممتزجة برطوبة الصيف.. يمسح الغبار عن لوحة القيادة بقطعة قماش ملوّنة، أو يكتفي بمراقبة ما يدور في الشارع.. وككل يوم، لم يكن يأمل في نهاية عمله الا أن يعود إلى المنزل بشيئين لا ثالث لهما، أن يكون معه ما يقيم أود عائلته.. وأن يجد مما مر عليه من أمور قصة غريبة يرويها لأم سليم والأطفال بعد العشاء

- عل وعسى

همسها لنفسه ويُمسك المقود بكسل، ينظر في مرآته الجانبية ليتأكد من أن لا شيء جديدًا يحدث في بغداد.. فيما قطرات العرق تشق طريقها من صدغه إلى ياقة قميصه.

- السلام عليكم.. هل تنتظر أحدًا..

ألتفت ليجد قرب الباب، رجلا غريب الطلّة، في نهاية الأربعين، نحيلًا شاحبًا، وجهه لم يقرّر بعد إلى أي زمن ينتمي. يرتدي قميصًا رماديًا قديم الطراز، بنطالًا أزرق باهتًا، يحمل كيسًا شفافًا فيه قارورة ماء ودفتر صغير. ملابسه نظيفة، لكنها تنتمي إلى زمنٍ سابق… زمن القمصان المُزرّرة حتى الرقبة..

وجهه غريب، كأنه خرج للتو من كتاب تاريخ مُمزّق.. وفي عينيه تلك النظرة التي لا يُمكن تزويرها… نظرة من عاش طويلاً بلا نافذة.

أبو سليم، الذي كان يظن نفسه خبيرًا في وجوه العراقيين، دخل في مرحله التيه وهو يحدّق بالرجل.. هو لا يبدو من بغداد، ولكن لهجته تدل على ذلك.. أجابه:

- لا.. أنا على باب الله

- ممكن أن تأخذني في جولة، قد تستغرق بعض الوقت

ببعض الريبة:

- هل من الممكن أن أعرف أين ستكون تلك الجولة

- نمرّ الكاظمية، ثم الأعظمية، ومن ثم شارع فلسطين… ومن بعدها قد نذهب إلى الدورة

نظر أبو سليم أليه بتردد وحرج، لم يكن واثقا أنه سيتحمل أجرة مثل هذا المشوار، قال له متملصاً:

- لا أظن أني أملك وقودا يكفي لكل هذه الرحلة، ,انت تعرف أن محطات الوقود أغلبها مغلقة الآن

- سأدفع لك تكلفة الوقود، أو.. أنتظر قليلًا

أخرج من جيبه رزمة من الأوراق النقدية، وسحب منها مجموعة أوراق و قدمها لأبي سليم

- هل هذا كافٍ

في وضع آخر، قد يرفض أن يلتزم بمشوار بهذا الطول قد يمتد معه إلى المساء، ولكن في ظل هذا الجدب العقيم، وبهذا المبلغ المغري وجد نفسه يفتح الباب ويطلب من الرجل الصعود

- فلنتوكل على الله

شغّل أبو سليم السيارة، وأدار المقود بهدوء، وهو يراقب الرجل بصمت من طرف المرآة.

دقائق مرّت بينهما بصمت قبل أن يقطعها:

- الأخ من بغداد

- نعم من الدورة

- وما الذي حدا بك لبدء جولتك من ساحة الأندلس، إن سمحت لي بالسؤال

- لا عادي.. يمكنك أن تسأل ما شئت، أنا أسكن الآن في فندق صغير بساحة الطيران

- ساحة الطيران؟.. وفي هذه الأيام؟.. ألا تجد أن المكان غير مناسب للسكن في ظل هذه الفوضى التي تضرب بالأرجاء

- وصلت إلى بغداد بالأمس فقط، ولا أكاد أعرف أحدا هنا.. فقد كنت مبتعدا لفترة

- هل كنت مسافرًا

- لا.. كنت غائبًا نوعًا ما

- غائب.. كيف ذلك

- كنت في السجن، في التوقيف

تلعثم أبو سليم قليلًا، وانتابته بعض الريبة

- السجن؟؟ لماذا؟؟

- بسبب وشاية، تقرير من أحد الرفاق

- هل كنت معارضًا للنظام؟

- لا.. وهل تظن أني سأبقى على قيد الحياة لو كنت.. بل بسبب كتاب شاهده الرفيق أبو لهيب بيدي وأنا جالس أتصفحه على عتبة الباب

أحس بتعاطف خفي مع الرجل أعاد أليه بعض الهدوء، وفتح كوة في ذاكرته

- أنا مررت مرة بنفس الموقف، أيضا تم جري إلى الفرقة بسبب مجلد بغلاف مذهب يوحي بأنه كتاب ديني لمحته زوجة الرفيق في منزلنا عندما كانت تستعير من الوالدة بعض الخضروات للغداء..

وأضاف محاولًا إثارة اهتمام الرجل.:

- سحبوني على عجل إلى مقر الفرقة، وهناك حولت بسرعة معصوب العينين إلى مديرية الأمن، ثم وضعوني مع مجموعة من الأشخاص في غرفة واحدة، وهناك هالني ما سمعته من أصناف المعاناة التي تعرض لها السجناء، وبقيت في حالة مزرية من الرعب حتى تم استدعائي للتحقيق.

- ثم؟

- الحمد لله، وللمفارقة، أن المحقق كان يقرأ بكتب التراث وعرف أن الجزء الأول من كتاب الأغاني لا يتعارض مع فكر الحزب والثورة، تمت إعادتي للقاعة بعد أن دونت أقوالي، وبعد يوم واحد أطلق سراحي

- الحمد لله

- عدت إلى المنزل، ولكني جلبت معي من المعتقل إصابة بالسكري بسبب يومي الرعب تلك.. الحمد لله

- الحمد لله على السلامة.. دفع الله ما كان أعظم

- وأنت.. كم يوما بقيت في التوقيف

- 13 سنة

- م... اذا.. 13 سنه بالتوقيف، بأي تهمة؟

بعد شهقة.. أتبعها زفير طويل:

- هل تعلم أني لا اعرف حتى الآن ماهي التهمة، تبدو كأنها اشتباه أكثر منها تهمة.. مجرد شك إني أقرأ كتب ممنوعة.. كنت أحمل كتاب "السيد الرئيس" لأستورياس، لم أعرف أنه ممنوع حتى، أو يمكن لأن ابن عمي كان خارج العراق، "مرتد".. كما كان يطلق على من هم على شاكلته في تلك الأيام.

هز أبو سليم رأسه وهو يحس بالأسى على الرجل.. محاولا إظهار تعاطفه:

- يقال إن الدولة التي تخاف من الكتاب، تكون مصنوعة من الورق

ضحك الرجل، لأول مرة ضحكة صادقة من القلب

- صدقني، هناك.. في الزنزانة، حتى الورق يجب أن تخاف منه، كانت عندي ورقة من دفتر، كتبت عليها دعاء.. أعتبروها منشور سياسي

صمت للحظة، ثم استأنف وكأنه يفتح بوابة صدئة في مخيلته:

- البداية، كالعادة.. استدعاء للفرقة الحزبية، ثم الإرسال مخفورإا إلى مديرية الأمن، لا تخف.. كم سؤال وتعود إلى المنزل.. ومنذ ذلك اليوم فقدت الدنيا ألوانها.. زنزانة ضيقة، مروحة مربوطة بسلاسل، وصراخ لا يتوقف…

خيم الوجوم على الرجلين.. وأخذت السيارة تشق طريقها على الطريق بصمت أكثر وقعا من صوت المحرك المتآكل..

بعد قليل.. سأله أبو سليم بصوت مليء بالحزن

- أعذرني على هذا السؤال.. كيف عشت تلك الأيام؟ كيف مر عليك الوقت هناك؟

صمت الرجل لحظة، ثم واصل، بنبرة بدأت تخفت كأنها قادمة من أعمق نقطة في آلامه:

- في البداية كنت متماسكًا نوعًا ما.. كنت واثقًا من أن الأمر لا يعدو كونه خطأ بالإجراءات وسيصحح فور أن أعرض على التحقيق، وتعاظم هذا الشعور بعد أن تركوني لأيام دون أن يسأل أحد علي.. ولكن فجأة فتحت باب الزنزانة ودخل علي مجموعة أشخاص انهالوا علي بالضرب وأزالوا ملابسي, عصبوا عيني وجروني سحلا لغرفة علقت فيها بمروحة سقفية، وبدأت حفلة الضرب والإهانات الشتم الفاحش المقذع..

تكرر هذ الأمر عدة مرات حتى فقدت الشعور بالزمن

- ماذا كانوا يريدون منك بالضبط؟

- لا أعلم، فقط ضربات بالسياط وكلمة اعترف... اعترف

- تعترف بماذا؟

- لا أعلم.. والأكثر تمزيقًا للقلب هو أني تيقنت بعد حين أن جلادي أيضًا كان لا يعرف

وهو ينظر بسهوم من النافذة

- في إحدى المرات علقت بخطاف في عمود مثبت بالحائط، أحضروا لي ورقة وقالوا( وقع على اعترافاتك)

- وهل وقعت

- بالتأكيد.. حتى دون أن أعرف ما المكتوب فيها، ولكنهم أخذوا يضحكون فيما بينهم لأن الورقة كانت فارغة

صدم أبو سليم مما يسمع، وبصوت حرص أن لا تبدو فيه أمارات الشفقة التي تجمعت في رأسه

- ألم يزرك أحد طول هذه المدة؟

- والدتي تُوُفِيتْ وأنا هناك، عرفت الخبر بعد سنة من رحيلها، أخي اعتقلوه عندما حاول أن يسأل عني.. أما أبي، فالرجل كان يخاف على ما تبقى من أسرته

قال أبو سليم وهو يشد قبضته بقوة على المقود:

- لا زيارة.. لا محكمة.. لا شيء؟

- أبدًا.. كنت والعديد مثلي ملفًّا مغلقًا، ولم يرغب أي أحد في فتحه.. المرة الوحيدة التي فتح بها كان يوم سقوط النظام..

- كيف؟

- نحن مجموعة كنا نشكل صداعًا لمديرية الأمن، فنحن بلا تهمة محددة، ولا أوراق أصولية.. لكن لا أحد يقوى على تحمل مسؤولية تسوية أوضاعنا، كنا مثبتين أننا مناوئين للحزب والنظام، ولكن بدون أوليات كافية لأحالتنا للمحكمة.. وبعد تطاول المدة، تم أهمالنا تماما، حتى كنا ننسى مرات من وجبات الطعام، ولا نأكل إلا ما يتصدق به علينا باقي السجناء من حصصهم

- ألم تزركم لجان ما، أو جهات تفتيش؟

- نعم.. في حالات نادرة، وكانت زيارات بروتوكولية لغرض كتابة التقارير لا غير.. مع هذا كنا نمنع من التواصل مع تلك اللجان.. وفي آخر الأمر لجأوا إلى طريقة تحويلنا بين مديريات الأمن.. لمنع أي تساؤل عن وضعنا.

- وإلى متى كان يمكنهم ذلك؟

- إلى الأبد لو أرادوا.. لم يكن هناك من يأبه بنا في تلك الحفرة.

أضاف بعد صمت قليل:

- حتى جاء اليوم الذي تفاجأنا باختفاء صوت الحراس مرة واحدة، كنا وقتها في مديرية أمن السماوة.. بعد ساعات سمعنا طرقًا على الأبواب من قبل ناس ينادون بأسماء أبنائهم.. ثم أصوات مطارق.. كسرت الأبواب وتم اقتيادنا من قبل الأهالي إلى النور.. وهناك عرفنا أن النظام قد تبدد وأن الرفاق قد تبخروا وهناك قوة جديدة على الأرض.

قال أبو سليم محاولًا التخفيف عنه

- الحمد لله على السلامة، ألم يقل لك أحد شيئا ما؟

- كنت أقف أمام باب مديرية الأمن بذهول عندما جاء رجل وسحبني من يدي إلى الخارج، وقال أنت حر الآن.. بعد ذلك تجمعت علينا الناس، وكان هناك الكثير من الدموع والبكاء والأسئلة التي لا نعرف الإجابة عنها، ثم جاء من اصطحبنا إلى مضيف شيخ ما في قرية قريبة قام بإطعامنا وزودنا بالملابس التي ارتديها الأن ووضع في جيبي مبلغا ساعدني في الوصول إلى بغداد

الميت الحي

***

مرّت السيارة من العلاوي، ثم عبرت الجسر نحو الكاظمية.. عند مشارف الحضرة، أشار الرجل لليسار وقال:

- هل ممكن أن تقف هنا قليلا إن سمحت، لن أتأخر

نزل بخطىً مترددة، كأن الأرض أضحت غريبة عن وطأ قدميه، وقف أمام باب قديم، لم يطرقه.. راح ينظر إلى النوافذ، كأنه يبحث عن وجه مألوف.. تفرس في وجه صبي أقترب منه وهو يلعب

- مرحبا يا ولدي

وبعد قليل من التفرس

- هل أنت ابن كريم، كريم التاجر

الصبي (بارتياب):

- من أنت؟

الرجل:

- كنت صاحبه… منذ زمان بعيد.

- بابا مات، منذ أعوام.. أنا وأمي نسكن هنا الآن

- رحمه الله.. يؤسفني أن أسمع هذا

- هل تحب أن أنادي أمي

- لا.. لا داعي.. فقط بلغها أني صديق قديم إن سألتك

عاد للسيارة صامتًا.

- صديق قديم؟

- كنا نكتب الشعر الرديء، ونحلم بالدراسة خارج العراق.. مات هو.. وأحلامنا ظلت تحت الركام

تحركت بهم السيارة صامتين، ثم قال:

- انظر لهذه البيوت، وهذه الشوارع.. لم أعد أعرفها، أذكر فقط باب منزل هنا كان يلمع عندما تسقط عليه أشعة الشمس عند الغروب، وما زلت أتنسم رائحة النهر عندما كنا نركض في هذه الأزقة ونحن أطفال

قال أبو سليم (بحنان):

- هل تريد أن تنزل هنا قليلًا؟

– لا. إذا نزلت، يمكن أن أتيه.. فقط أريد أن أرى كيف أصبح المكان.

حدّق طويلاً نحو المئذنتين، كأنه يستعيد شيئًا دفن هناك من زمن بعيد.

- قبل14 سنة... خطبت بنت من هنا.. كنت موظفًا صغيرًا، نكتب رسائل حب بيننا بخط اليد. كنت أزورها كل أسبوع، ونجلس هنا في نفس هذا المقعد الذي على الرصيف، نأكل شيئا، وننظر إلى الناس..

ابتسم لنفسه، وأضاف:

- هي كانت تحب الكلام، وأنا كنت أحب أن أسمع

سأله أبو سليم برفق:

- أين هي الآن؟

- لا أعلم. عندما اعتقلت، قالت لأهلي إنها سوف تنتظرني للأبد، بعدها عرفت أنها تزوجت بعد أقل من سنة، تزوجت جنديًّا من أقاربها عائدًا من الحرب.

سكت لحظة ثم قال مع ابتسامة باهتة:

- لا ألومها. الناس قد يجرحون في الحرب ولكن لا يعتقلون إلى ما لا نهاية

توقف عند سور المرقد في الكاظمية. لم ينزل، فقط نظر طويلًا.

- أتدري؟ بقيت أول سنة بالسجن أنتظر محاميًا.. ومن بعدها كنت أنتظر أي زيارة بأي شكل كانت، ومن ثم.. لم أعد مهتمًا بأي شيء

لم يعلق أبو سليم، لكنه استرق النظر بالمرآة لوجه الرجل، وجده وجهًا بلا تعابير تمامًا.. كأنه انعكاس لصورة قديمة مكوَّنة من خطوط لم تكتمل

- أسمع كثيرا أن النظام قد سقط، ولكني لا أشعر إلا بسقوط ثلاثة عشر عامًا من عمري

جلس بصمت.. ولكنه قال فجأة:

- هل تعلم ما هو أصعب شيء في السجن، هو أنك حتى عندما تفارقه لا يفارقك.. هناك تكون حيًّا، ولكنك لا تنتمي لعالم الأحياء.. حتى جسدك، لن يكون لك هناك.. ولكنك عندما تغادره، يبقى شيء منك ملتصق بتلك الجدران

أراد أبو سليم أن يقول شيئًا، لكن الكلمات خذلته.. همس بصعوبة

-هل تعتقد أن منزلكم ما زال قائمًا

الرجل (ينظر بعيدًا):

- سنكتشف هذا في نهاية الدرب

***

وصلوا إلى الدورة.. توقفا أمام بيت صغير تغير لونه وبابه.

ترجّل الرجل ببطء، وقبل أن يغلق الباب، جال بعينيه بالمكان كأنه يفتقد السنين التي ضاعت منه

طرق الرجل الباب بخفة.

فتح شاب نحيل، خرجت خلفه امرأة خمسينية.

الرجل (بصوت متردد):

- هذا البيت… بيت فاضل صبري؟

المرأة (بتوجس):

- كان.. من تكون؟؟

الرجل (بألم):

- أنا ابنه.. أنور، نوري.. اللي كان بالمعتقل

نظرت إليه المرأة طويلًا.. ارتبكت قليلا، ثم تمتمت:

- الله أكبر.. هل هذا معقول؟ نوري.. حبيبي؟

- زينب؟ جارتنا؟

المرأة (وهي تغالب البكاء):

- نعم… أم قاسم..

- كيف حالكم.. والأهل.. (وبتلعثم) أهـ... لي

- والدتك رحمها الله ماتت بحسرتها عليك، وأبوك ظل ينتظر خبرا منك حتى وافاه الأجل

ثم أضافت بجدية صارمة

- لقد اشترينا البيت من الورثة منذ أربع سنين، والأهل تفرقوا كل إلى حال سبيله

انكمش وجهه، كأنه سُحق ببطء.

همس:

- بيتكم عامر بوجودكم إن شاء الله، أرجو نقل تحياتي للعائلة.

***

عاد إلى التكسي، وجلس بالمقعد الأمامي وهو صامت.

أبو سليم لم يتكلم، فقط نظر إلى الطريق.

بعد دقائق، همس الرجل:

- هل عرفت الآن لماذا لم أذهب مباشرة إلى المنزل وفضلت قضاء الليلة في ذلك الفندق الحقير في ساحة الطيران، قلبي كان يؤنبني بأني لن أجد أحدًا هناك

- هل لديك مكان آخر تذهب إليه؟

-لا بيت.. ولا وطن.. لم يبق لي سوى المقبرة، قبر أمي، أتمنى أن أزورها.. ومن ثم.. لا أعرف، سأفكر بشيء حينها

صمت قليلًا، ثم أضاف:

- هل يمكنك إيصالي لعلاوي الحلة.. لكي أذهب من هناك للنجف

تمنى أبو سليم لو كان يستطيع أن يذهب به إلى هناك.. إلى وادي السلام، ولكنه لم يكن في تمام الثقة بقدرة سيارته على إكمال الطريق.

***

تهادت بهم السيارة في صمت، لم يبقَ من الرحلة شيء… إلا الوجهة الأخيرة: المقبرة

بعد دقيقة، تنحنح أبو سليم وقال:

- انظر يا ولدي، أعلم أنه لا يحق لي أن أتدخل في خصوصياتك، ولكن قد يكون هناك مكان يصلح للسكن أستطيع أن أدلك عليه.. غرفة في الطابق الثاني، بيت بسيط ولكنه نظيف ومريح، وسأكون قريبًا منك.. هي لجاري، هو لا يسكن بها العزاب، ولكني سأضمنك عنده.

الرجل (ينظر إليه بدهشة صامتة):

- هل تعرض علي سكنًا؟.. لماذا؟

(بابتسامة مترددة):

- لأنّي لو مكانك، لتمنيت أن أجد من يقوم معي بالشيء نفسه

الرجل (بصوت مكسور):

- لا أعلم ماذا أقول.. نسيت عبارات الشكر في محتبسي الطويل،.. لكن، فلأذهب للبحث عن قبر أمي أولا، وقد يكون لنا كلام بعدها

قرب كراج العلاوي.. أوقف أبو سليم السيارة

- توكل على الله، سأنتظرك.. لديك عنواني وهاتفي، فقط أسأل عندما تصل على بيت أبي سليم.. ستجد الكثير ممن يدلك عليه.

شكره بهزة خفيفة من الرأس.. ونزل من السيارة بهدوء

- بالمناسبة… هناك جماعة في باب المعظم، يشتغلون مع حالات قريبة لوضعك، منظمات إنسانية، مثل صندوق دعم المعتقلين، أو شيء قريب من هذا.

الرجل (يحدّق في الفراغ):

- يمكن...

- سأوصلك لهم إذا أحببت، ممكن غدا

ابتسم الرجل بشرود.. ثم ترجل من السيارة

وقف أبو سليم على حافة الرصيف، قرب المرآب، في مرآته الخلفية، كان يراه يبتعد ببطء، ظهره مقوس، ظلّه أطول منه.. يمشي بخطى وئيدة باتجاه المقبرة، كأنه كان ذاهبا ليبحث عن اسمه بين الشواهد.

لم يرَ فيه زبونًا غريبًا فقط.. بل وطن عاد من منفاه، مترنّحًا، حافيًا، لكنه حي رغم كل ذلك.

يمد يده لتشغيل المذياع، ثم يتردد.

يفكر أن ينتظر عله يحظى بزبون آخر

لكنه أحس أن هذه الرحلة قد استنزفته لهذا اليوم

بقي لحظات متحيرًا وقد شلت أفكاره تمامًا

لم يكن متأكدًا ان الرجل سيتصل به فعلًا

وليس واثقا أن كان عليه أن ينتظر قليلًا.. أو يعود إلى المنزل

الشيء الوحيد الذي كان متيقنًا منه هو أنه لن يروي قصة هذا الرجل لأم سليم والأطفال بعد العشاء.

مشاركة:
جمال الهنداوي
جمال الهنداوي

كاتب وصحفي.

آخر تحديث: ٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:٢٥ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

شَرْخٌ فِي الجِدَارِ الرَّابِع: النَّصُّ يَبْصُقُ مَوْتَاه
سرد

شَرْخٌ فِي الجِدَارِ الرَّابِع: النَّصُّ يَبْصُقُ مَوْتَاه

غالب المسعودي في بَدء التّكوين، يَومَ كانَت طاقَةُ الهَيُولى تَموجُ كَسَديمٍ لَزِجٍ فَوقَ مَاءِ العَدَم، لم تَكُن تِلكَ التَّجاويفُ مُجرَّدَ مَجارٍ لِلتَّصريف، بَل كانَت أمعاءً صِناعيّةً عَمياء تَمْتَدُّ كأورامٍ مُستَحكَمةٍ تَحتَ قِشرةِ الأَرض، تَجتَرُّ نُفاياتِ الزَّمَنِ وسَوائِلَ النِّظامِ…

· 7 د
قصة " نرجسية كاتب"
سرد

نرجسية كاتب

شكري وامتناني العميق لحرصكم وحسن رعايتكم لما اشارككم من لفحات قلمي ويُنشر على صفحات مجلتكم الغراء. تحية ود طيبة بطيبة عطاءكم الوافر، بكل الود ابعث اليكم قصة بعنوان نرجسية كاتب"... النص: نرجسية كاتب تجاوزتُ في تلبيتي دعوةَ صديقتي وزميلتي "أستاذة علم الاجتماع التي تقاسمتُ معها مظلةَ الجامعة وسنواتِ…

· 5 د
أمواج الوهم ونوافذ البقاء
سرد

أمواج الوهم ونوافذ البقاء

كان يمشي على الرصيف، والطقس مشمس تتخلله رياح خفيفة تتناوب بين السكون والعبور السريع. الأغصان المتدلية كعناقيد العنب كانت تتمايل مع الرياح، فيما ضوء الشمس يتسلل عبر شقوقها ليهطل على الأرض. بدت الخطوط الضوئية المتكسرة على أرضية الرصيف كأنها مياه متحركة، وكلما تحركت الأغصان تراقص الضوء مكوّنًا أمواجًا…

· 2 د