نودي على المتهم ك، تفاجأ الجميع برجلين بملابس سوداء، يجران جثة عارية، أوثقوها لعمود داخل قاعة المحكمة، سعل بقوة لتنظيف حنجرته التي سدها التراب ومنع صوته من الخروج للهواء، أحتج على تجريده من كفنه.
صرخ:
- اليس عملاً شائنا... اهانة لإنسانيتي أن أقف عاريا!
لم يأبه أحدٌ لاحتجاجه، صوته بالكاد هز طبلة اذن واحدة، وكان كطنين ذبابة خطفت عابرة.
بدأ المدعي العام بتلاوة التهم الموجهة للمتهم ك، طالب بعقوبة قاسية.
توجهت أنظار الحاضرين للمتهم ك، مطالبة بإنزال أقسى العقوبات به.
التفت إليهم المتهم ك، قال: أنتم مثلي ضحايا خدعة ما يسمى بالعدالة المعصوبة العينين، واليوم بوجودكم كشفت عن عينيها، واتضح للجميع أنها عمياء؛ حقيقة وليس مجازاً، سنلتقي جميعا في يوم آخر، امام حاكم عادل... تذكروا ذلك.
عاد يواجه القاضي، معترضا على شرعية المحكمة؛ لأنها لم تعين محاميا للدفاع عنه، فلو كان حاضرا لأثبت أن اركان الجريمة المدعاة ضده ناقصة، وذلك لغياب ركن اساسي آخر وهو الدافع للقيام بالجريمة، ولما سأل المدعي العام المتهم ك: بماذا تفسر تواجدك في شقة الرجل الذي قتلته؟ أجاب:
- دعاني لزيارته، فجئته مساء ذاك اليوم المشؤوم، جلسنا نتحدث في غرفة المعيشة ، إبتدرته معتذرا عن الخلاف الذي شجر بيننا، سألني: أنحن برأيك أصدقاء! فقلت فوراً وبحماس: طبعاً وصداقتا قديمة.
فتساءل: ألا يحتمل أن تنقلب فجأة الى عداوة!
في تلك اللحظة التي سمعته فيها؛ شعرت بعطش شديد، فتناولت كأس الماء الذي امامي، ودون أن أقربه لفمي، اسرعت لأعيده لمكانه، غطيت بأصابع كفي اليمنى، إبتسامة ساخرة كادت تفضح إشمئزازي من كلامه، قلت جائز في حالة واحدة؛ عندما تكون الصداقة زائفة، ونفس الشيء ينطبق على الجسد الصحيح، عندما تهاجمه الجراثيم القاتلة، ويعجز جهازه المناعي عن الدفاع، عندئذ يحصل المرض وينتهي بالموت. فقام مهتاجا؛ وإتهمني بأنني خنته، بإفشاء اسمه للسلطات الأمنية، علما بأنه لم يشارك في أي مظاهرة، بينما واضبت انا في نهاية كل اسبوع؛ بالمشاركة بالمظاهرات الاحتجاجية الصاخبة، التي عمت ارجاء البلاد التي نقيم فيها، وأنني قد تعرضت للإعتقال والتهديد بالترحيل، لكوني أحمل إقامة غير دائميه، بينما إكتسب هو جنسية البلد وأصبح مواطناٌ أمريكيا، شهر مسدسه؛ فقمت لتهدئته.
قال: انت حكمت على نفسك بالموت، وأطلق على النار.
أشار ك الى مواضع الجراح الأربعة في جسده، لرصاصتين إستقرتا في الصدر بجوار القلب، وإثنتين كل واحدة هشمت فخذا، أراد ان يطلق النار على الرأس فأهتزت قبضته ونزلت للأسفل.
قاطعه المدعي العام: لكن التقرير الطبي أكد أن سبب الوفاة كانت مقذوفات نارية أطلقها البوليس في الهواء؛ لتفريق اعمال الشغب، ربما اصابتك بمقتل، وليس كما تدعي. رد ك، وهذه كذبة آخرى، قطعا أنفي ذلك، المظاهرات كانت سلمية كما شاهدها العالم من خلال شاشات التلفاز، فكيف تحولت الى أعمال شغب! هذه كذبة أفتراها علينا البوليس، صديقي أتهمني بالخيانة، وأنتم تتهموني بأني مشاغب..
بعد أن أنهى ك كلامه، قال كنت عطشانا جدا؛ حين سقطت صريعا، أتوسل اليك سيدي القاضي، أن تطلب لي كأس ماء، اريد أن اشرب، اشعر بعطش شديد...
لم يُستَجبْ لطلبه، أحنى راسه يائسا، ينتظر قرار المحكمة، فسقطت جمجمته بين قدميه.
أعلن القاضي رفع الجلسة للاستراحة، وبعد فترة وجيزة استؤنفت الجلسة، وصدر الحكم بسحب إقامة المتهم ك المؤقتة، وحجزه في مركز الأبعاد حتى موعد طرده من البلاد.
أطفأت جهاز التلفاز، بعد ان سمعت ورأيت آخر نشرة أخبار، وأطفأت الضوء، وتلمست طريقي بضوء هاتفي لغرفة النوم، استلقيت على سريري، تراقصت أمام عيني، صور ضوئية بألوان حمراء وصفراء، وارتعشت شرارت متطايرة في الفراغ، رأيت في الظلام أشباحا بشرية، تهرب في كل إتجاه، الى لا مكان آمن تلجا اليه، وعمارات تهوي الى الأرض؛ كأن كفا جبارة تسحقها، فتندك وتختفي، فتصبح أثرا بعد عين..
لا أدري كيف غفوت فنمت مقهورا لدرجة اليأس.
أستيقظت صباحا، مشوش الفكر مضطرب النفس، كأني أعيش كابوس تلك الليلة، تحسست جسدي ورفعت يدي لرأسي، حمدت الله أنه في مكانه، لم يدهشني ما رأيت في منامي، فما نراه في الواقع أسوأ بكثير.







التعليقات