مرّ بي زميل من مروجي الألسنة في السوق الكبير الخاص بها، إذ رائحة السوق هي رائحتها اللذيذة، وسلم عليّ بحرارة، فرددت السلام عليه. وفي هذه الأثناء سمعت من يكلمني بصوت عالٍ، فإنتبهت له. قال:
- أهذا لسان يا أخ العرب؟
وأشار الى اللسان الموضوع في حاوية ذهبية اللون.
قال الإعرابي ذلك، وأخذ يقلب باللسان الذي في الحاوية ذات اللون الذهبي، والموضوعة على صحيفة ورقية من صحائف الجرائد.
سألته بعد أن قرأت فيه امارات السوء، والتنمر، والتشفي:
- ماذا ترى أنت يا أخ العرب؟
قال مغالطا نفسه:
- أنا أراه كذلك، انه لسان، ولكن!!!.
رفع يده من ذلك اللسان كمن تخلص من شيء بغيض الى نفسه.
سألته ثانية:
- ماذا تريد منه يا أخ العرب؟
قال بشيء من البغض الملفوف باللؤم الأسود:
- أراه قريبا الى التعفن.
سألته لأجاري ما يفكر فيه:
- كيف؟!!
قال، وهو يسد فتحتي منخريه بكف يده التي أكلها النمش فغير من لون جلدها الى الاسمرار:
- انه متعفن، وغير صحي، لسانك هذا.
أجبته، وأنا أبتسم:
- انه جديد، ومن تقديم الصباح، وعلى الطريقة الصحيحة.
ما زال الرجل ينفي ذلك:
- أنا أرى غير ذلك، ان اللسان الصحيح ليس مثل هذا الذي في الاناء الذهبي !!
سألته، والابتسامة المفروشة على فمي زادته أسى فوق أساه التي افترش ملامح وجهه المتعكرة:
- وكيف تراه يا أخ العرب,,, ها؟
قال، وهو يداري أساه، وكذبه الفاضح، والفج:
- أراه بلون أبيض.
تبسمت من كلامه، وقلت:
- والذي أمامك أليس لونه أبيضا؟
قال بصوت خافت بالكاد أن يسمع، ربما خجلا من كلامه:
- أنا أراه مخضر بعض الشيء، وهذا غير صحي.
قلت له، وأنا أشير الى بصره:
- ربما السبب هو نظرك يا أخ العرب، ربما نزل في عينيك الماء الأبيض أو ما يسمى (الكتاراكت)، وهي عتامة تصيب عدسة العين الطبيعية، أو الماء الأسود الذي يسمى (الغلوكوما)، وهي عتامة تصيب العين أيضا فلا ترى الأشياء بوضوح.
أجابني، وهو ينكس رأسه للأسفل تجنبا من أن يقع نظري في نظره فيزداد خجلا:
- أنا نظري ستة على ستة مثل نظر زرقاء اليمامة.
أكدت عليه ما قلته:
- أرجو أن تعيد فحص نظرك مجددا لترى بوضوح تام لون اللسان الذي أقدمه، وهو صحي، ومغذي، وأبيض اللون.
قال:
- أنا أرى بوضوح تام.
قلت له:
- نعم انك ترى الأشياء حسب ما كنت تظنها قد حدثت، وهي ليست كذلك.
فاجأني قائلا:
- لا أسمح لك بذمي، وهجائي، كما أفهم من حديثك.
قلت له بهدوء تام:
- أنا لم أذمك، أو أهجوك، وانما ذكرت الحقيقة التي أنت فيها.
سألني، وكأنه يداري كلامه الذي قاله عن اللسان الذي أقدمه يوميا:
- أية حقيقة هذه التي ذكرتها؟
قلت له منبها:
- انك ترى ما تريد أن تراه أنت، وليس حقيقة الأشياء كما هي في الواقع.
كرر كلامه:
- قلت لك انك تهجوني، وتذمني، للمرة الألف.
قلت له:
- سيدي ان اللسان الذي أقدمه هو لسان طازج، ومقدم على الطريقة الصحيحة، وهو بلون أبيض، ولا شائبة فيه، وهذا أمامك نظيف على طريقة الأسطة سوسير.
ذكرت معلمنا الأسطه سوسير الذي علمنا تقديم اللسان الصحي، والصحيح، للزبائن.
قال:
- لا أرى للأسطة سوسير طريقة في حفظ هذا اللسان.
تعجبت من قوله هذا، وقلت له:
- ان "بنيته" الداخلية محفوظة كما يحفظها الأسطة سوسير، فهي متماسكة، ومترابطة، ولم تحل، أو تذبل، لحد الآن، وترفض أن يدخلها أي شيء من خارج كيانها المتماسك، والمترابط، والصحي، على طريقة الأسطة سوسير.
- ان هذا لا يكفي، انه غير صحي.
قال ذلك، فسألته:
- ماذا تريد أن أقدم لك؟
قال
- لا شيء.
قلت له:
- انه كما وصفته لك بنيته بنية لسانية متماسكة، ولم تحل لطول الوقت، أو تذبل، فهي تراعي طريقة حفظها، وكل مرة أقدمها بطريقة جديدة كما علمنا الأسطة سوسير، وأصحابه الاسطوات.
قال، وكأنه يتهرب من حوارنا الذي طال:
- لا أهتم لكل ذلك.
قلت له:
- ان تاريخ تقديمه صباح هذا اليوم.
أجابني بذات الاجابة السابقة:
- لا أهتم لذلك.
أكدت له:
- وهو ينتج طعاما صحيا، ولذيذا.
بذات الاجابة أجابني:
- هذا لا يهمني.
قلت له لأغلق أي حوار معه فقد يأست من اقناعه بصحة اللسان الذي أقدمه، وطعمه اللذيذ، والصحي:
- إذن أنت لا يهمك أي شيء، لا تاريخه، ولا ناتجه الصحي، والمغذي، ولا الطريقة السوسيرية المقدم فيها؟
مدّ لسانه ممتعضا، ومشى يجر خطاه ناكرا كل شيء، وهو في قرارة نفسه انه قد خسر كل شيء في هذه المناقشة.







التعليقات