انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

ابن فطيم الحلقة الثالثة

شوقي كريم حسن
شوقي كريم حسن

قاص وكاتب عراقي.

45 دقائق للقراءة
10 مشاهدة
ابن فطيم الحلقة الثالثة
مشاركة:

المظلم والمعقد:

الفصل السادس

في ذلك اليوم الذي كان يبتلع فيه السماء لونها، خرجنا. لم يكن “الخروج” كما كنت أتخيله في أفكاري الصغيرة التي اعتدت تشكيلها على غرار الحكايات القديمة، بل كان اندفاعًا غريبًا، مفاجئًا، كما لو أن الزمن قد توقف لحظة ثم استأنف سيره في اتجاه مغاير. كان صوت المعركة يتسرب عبر الأفق الضبابي، بينما كانت الأقدام تسير بلا وعي إلى المجهول، إلى الموت الذي لم نكن نراه في صورته الحقيقية بعد.

كانت الأرض تحت أقدامنا مشتعلة بالوهن، والمستقبل الذي لطالما حلمنا به بدا بعيدًا جدًا، كما لو كان وراء أفق لا يصل إليه أحد. كان الجنود يندفعون، وأنا منهم، مملوءين بتلك الهواجس التي لم نكن قادرين على فهمها تمامًا. كانت العيون تلمع بالترقب، ولكنها تحمل أيضًا سؤالًا دائمًا عن معنى كل هذا.وفي اللحظات الأولى من الحرب، كان كل شيء يتساقط. تهاوت أحلامنا كما تتساقط أوراق الأشجار في فصل الخريف، لا نعلم إن كانت ستعود لتسمد الأرض مجددًا أم ستظل فارغة من الحياة. كان كل يوم جديد يمر يُسلبنا جزءًا من تلك الأحلام التي كنا نراهن عليها، وأصبحنا نبحث عن معنى للحياة وسط الخراب.لكن في اللحظات التي كان فيها القتال في أوجه، لم يعد هناك مكان للتساؤلات. كنا نعرف أنه إذا توقفت الحرب، فإننا سنواجه واقعًا مريرًا لا أقل ولا أكثر. كان الموت أحيانًا يلتهمك ببطء، وأحيانًا يكون مفاجئًا، لكن في النهاية، لا أحد ينجو من هذا المعترك.الأشخاص الذين كانوا يركضون بجانبنا في الأيام الأولى أصبحوا ذكريات مبهمة، كأنهم لم يكونوا موجودين أبدًا. والحروب، مثلما علمتنا الحياة، لا تكتفي بسرقة الأعمار، بل تسلب الأحلام أيضًا. في عمق الحرب، مع كل يوم نعيش فيه، كان الواقع يزداد ضبابية. كنت أتساءل في لحظات الصمت بين المعركة والصمت، عن المصير الذي ينتظرنا. هل نحن مجرد أدوات في لعبة لا معنى لها؟ هل حلمنا عن المستقبل كان مجرد أوهام جعلتنا نركض نحو هذا المجهول؟

كنت أرى الوجوه من حولي تتغير مع كل قذيفة، كأن الحرب ليست فقط حربًا على الجبهة، بل حربًا على الذكريات والآمال. كان الموت يطرق أبوابنا كل لحظة، وكلما اقتربنا من الأمام، اقتربنا من فقدان أنفسنا. لم نكن نعرف من هو العدو، أو ما الذي نقتله بالفعل: جيوشًا أم أحلامنا؟

لم يكن هناك وقت للتراجع، لم يكن هناك مجال لإعادة التفكير. كل ما كان متاحًا هو الاستمرار، حتى لو كان الاستمرار في طريق لا يعرفه أحد. لم تعد الحرب كما اعتدنا أن نراها في الكتب، أو في الحكايات التي نسجها الآخرون؛ بل أصبحت حقيقة مريرة، شيئًا يأخذك بعيدًا عن كل شيء. تدريجيًا، أدركنا أننا نخسر أكثر مما نربح. كنت أعيش في قلب المعركة وكأننا نطفو على سطح الحقيقة، كل شيء من حولي كان يغرق في بحر من الأسئلة. كان الموت يلوح في الأفق كظلٍ لا ينقض إلا على من يتركهم يائسين، تمامًا كما فقدنا البوصلة في تلك الأيام. ووسط هذا التدهور، كنا نحاول إيجاد ما نتمسك به. لم تكن الحرب مجرد صراع جسدي، بل كانت معركة مع أنفسنا، مع كل تلك الأسئلة التي كانت تتراكم على الذاكرة: ما الذي قدمناه؟ وما الذي خسرناه في هذه المعركة التي أخذت منا أكثر مما أعطت؟

كنت أحاول الهروب من شعور العجز، من تلك اللحظات التي كان فيها الموت أقرب إليّ من الحياة. كنت ألتقط لحظات صغيرة بين المآسي: ابتسامة أحدهم قبل أن يسقط، كلمة صادقة في وسط الخراب. لكن هذه اللحظات كانت تتلاشى كما يتلاشى البريق في العتمة. شيئًا فشيئًا، اختفى الطموح، وغاب الأمل، وتسللت تلك اللحظات الحزينة إلى أعمق أعماق الروح.

أحيانًا، كنت أظن أننا ندفع ثمنًا أكبر من أجل أن نبقى على قيد الحياة، بينما كانت الحرب تسرق كل شيء: الأحلام، الأصدقاء، وحتى الساعات التي كانت لدينا لنحيا فيها. كنا نعيش في حالة من الانفصال عن الواقع، كما لو أننا على حافة الهاوية، والوقوف هناك فقط ليشهد كل شيء يتداعى حولنا.

الفصل السابع

الولد الغرافي، بملامحه التي حملت شيئًا من حكمة الغرقى ووجوه المهاجرين، يجلس عند زاوية النهر الذي رآه أول مرة كأنه امتداد لحلمه البكر. منحته الخرِبُ القديمة فرصة ليعرف ذاته وسط ضوضاء التأمل، ليكتشف أن الأحلام قد تنمو حتى في صمت الزوايا المهجورة، لكنه لم يكن يدري أن التأمل ذاته قد يغدو سلاحًا يُشهر ضده.ذات ليلة، اقتحمت الأجهزة الأمنية فضاءه البسيط. رجال بملامح صخرية قادوهم شبحياً عبر أزقة المدينة المتعبة. عُصب عينيه لكن الرائحة لم تخنه. كان يعرف، بين عتمة القماش والعرق المتكدس، أنه قريب من حيث تُمحى الأسماء وتُصنع الخطوط على الأجساد كما على الجدران.في الغرفة الحمراء التي امتلأت خطوطها السوداء بذكريات الذين سبقوه، أحسّ بالزمن يتحلل. اللون الأحمر، كأنه لحم مفتوح ينزف. الخطوط السوداء، كأنها بقايا أظافر تخدش سطح الزمن. كانوا يلقون به وسط جحيم لا حد له، لكنه في عمق القسوة وجد نفسه يتأمل.

“هذه خطوطكم؟” كان يتحدث إلى الجدران.

“أم خطوط مَن مروا هنا قبلي؟”

الغرفة التي تكاد تلفظه، كما لفظت غيره، بدت وكأنها تسأله: كيف تنجو من ذاكرة المكان؟ كيف تعيد تشكيل الحلم وأنت محاصر؟

كل مرة يدخل الحارس، يسقط في الغرفة مزيد من الصمت المقيت، يتراكم كطبقة أخرى من الخطوط. الولد الغرافي كان يدرك أن الخرِبُ القديمة قد منحته القدرة على الاستماع لصوت جدرانه الداخلية، لكنه الآن يتعلم الإصغاء لخطوط الجدران الخارجية.

الذكريات تسيل، كما تسيل الدماء. الوجوه التي نسيت أسماءها تُطل من بين الخطوط، كل وجه يحمل صوته الخاص، وكل صوت يخبره أنه ليس أول ولا آخر من يمر بهذا الاختبار.

“كم جداراً كُتب عليه الألم؟” همس في نفسه.

لم يتوقع أن الغرفة نفسها ستجيبه. كان الصدى مختلفاً، كأنه وقع أقدام هاربة:

“جدران الحلم يا ولد الغراف، تُلطّخ دائماً قبل أن تُبنى.”

ابن فطيم
الحلقة الثالثة

هل تستمر الغرفة بالاعتقال أم يهرب الحلم؟ مع الوقت، أصبح الصمت أقل ثقلاً، وكأن الغرفة بدأت تخفف قبضتها عنه. لم يكن يعرف إن كان هو من تغلب عليها أم أنها اختارت أن تتركه يستريح لحظات. الخطوط السود، تلك التي رآها في البداية كوشوم عذاب على جسد المكان، صارت أشبه برموز. كل خط يحمل قصة، كل زاوية تهمس باسمه وكأنها تحثه على الاكتشاف.

“هل أنا من يُعيد تشكيلكم؟” سأل نفسه، وقد رأى أن الخطوط لم تعد مجرد آثار عشوائية. باتت تتخذ أشكالاً أقرب إلى ملامحه، وجهه الذي كان يراه يتكسر على صفحة الماء صار هنا، على الجدران، بعيون متسعة تراقبه بصمت.في عزلة تلك الغرفة، حيث لم يكن له رفيق سوى ظلاله، بدأ يكتشف صوتاً جديداً داخله. صوتاً يحكي دون خجل عن خوفه، عن قسوته على نفسه، عن ذنوبه التي لم تكن سوى أحلام صغيرة أُجهضت قبل أن تكتمل.

“إذا كانت هذه الغرفة مرآة، فلماذا أراها حمراء؟” سأل دون أن ينتظر جواباً.كان يعلم أن الجواب داخل رأسه. كانت الغرفة بلون دمه، والخطوط السوداء ليست سوى انكسارات ذاكرته.عندما أغمض عينيه، لم يعد يرى الظلام كما كان. صار يرى خربته الأولى، الشجرة التي كان يجلس تحتها في أيام الطفولة، وأمه وهي تضحك دون صوت. كانت الصور واضحة، كأنها شريط سينمائي يُعرض لأول مرة.لكنه لم يبكِ.

“لا بكاء هنا،” قال بصوت مسموع، كأنما يخاطب الجدران.

“البكاء يُطفئ الألوان، وأنا أحتاج إلى الأحمر ليبقى هذا المكان حياً.”

في لحظة ما، عندما كان الزمن يتباطأ إلى درجة كادت تخنقه، سمع وقع خطوات. كان الصوت خافتاً لكنه منتظم، يقترب من الباب الذي كان مغلقاً دائماً.

“هل هذه نهايتي؟” تساءل دون أن يتحرك.

لكنه لم يكن خائفاً. الغرفة دربته على استقبال المجهول، على أن يكون جاهزاً لملاقاة كل شيء دون ارتجاف.

الخطوات توقفت. الباب لم يُفتح. عاد الصمت ليملأ المكان. لكنه هذه المرة كان مختلفاً. كأن الغرفة أرادت أن تخبره بشيء أخير، شيئاً لن يفهمه إلا إذا اختار البقاء وحده في حضن الوحدة.وحدته لم تكن عذاباً بعد الآن. كانت انعكاساً لذاته، غرفة حمراء بخطوط سود، لكنه هو من أعاد تشكيلها، جعلها جزءاً منه، جداراً في ذاكرته سيحمله إلى كل مكان.

هكذا جلس الولد الغرافي عند زاوية الجدار، يراقب الخطوط بهدوء. لم يعد يريد الهروب، لم يعد يريد حتى النجاة. أراد فقط أن يكمل الحديث مع الجدران التي تعلمت أخيراً كيف تصغي. أصبحت الغرفة مملكة صمته، والولد الغرافي ملكاً بلا تاج ولا جيش، يحكم بصوته وتأمله. في الليالي التي يشتد فيها السكون، كان يرفع يده ويمرر أصابعه فوق الخطوط السوداء، يتلمس خشونة الزمن الذي مرّ بها. كأنها ندوب تنبض تحت جلده، تخبره أن الألم ذاكرة لا تمحى، لكنه أيضاً درس لا ينتهي.في إحدى زوايا الغرفة، كان هناك خط أطول من الآخرين، مستقيم لكنه ينحني في نهايته كأنه قوس يرتجف. أثار هذا الخط فضوله، وبدأ يقترب منه شيئاً فشيئاً. جلس أمامه، مسح عليه براحته المتشققة، فأحس بدفء غريب، كأن الجدار يتنفس.“ما قصتك؟” همس، ليسأل الجدار كما لو أنه يخاطب مخلوقاً حياً.

لم يكن يتوقع إجابة، لكنه أحس بصوت داخلي ينبثق من أعماق الغرفة، كأنه صدًى لذكرى قديمة دفنت منذ زمن بعيد:

“كل خط هنا يحمل اسماً. نحن أسماء الذين مروا من هنا، لكننا لسنا مجرد خطوط. نحن أغاني الألم والانتظار. أنت الآن واحد منا.”

اهتز جسده للحظة، وكأن الغرفة بدأت تتفاعل معه. الأضواء الخافتة التي تنبعث من مكان لا يُرى زادت من غرابة المشهد. صار الخط أمامه أشبه بشريان ينبض بالحياة. أغمض عينيه ليمنع نفسه من التوغل في هذه الحالة، لكنه فشل. الصور تدفقت: رجال ونساء، أصوات وألوان، كوابيس وأحلام، كلها اجتمعت أمامه كطيف حيّ.فتح عينيه مجدداً، والغرفة كما هي. لم يتغير شيء سوى داخله.

“هذه ليست جدراناً فحسب،” قال لنفسه بصوت واثق.

“هذه أرواح عالقة، وأنا أحدها الآن.”

في الأيام التي تلت، لم يعد الولد الغرافي يشعر بالخوف من المكان. صار ينهض كل صباح ويحدث الجدران، يروي لها عن أيامه في النهر، عن الأحلام التي حملها وهو يركض في حقول الطفولة، وعن الخرِب التي أعطته هدية التأمل. كان يعرف أن الغرفة ليست سوى امتداد لذلك العالم، لكنها نسخة مشوهة، أُجبر على دخولها ليعيد ترتيب ذاكرته.

ذات يوم، وبينما كان جالساً متكئاً على الحائط، رأى الخطوط تتحرك. لأول مرة، بدت كأنها تتحرر من قيود الحبر والطلاء. خطوط سوداء، لكنها تشكلت في أنماط جديدة، كأنها تصنع لوحة متغيرة أمام عينيه. رأى النهر الذي تركه خلفه، رأى وجه أمه الذي كان يظن أنه نسيه، ورأى وجهه هو، متعباً لكنه لم يفقد بريقه.نهض بخطوات ثقيلة، اقترب من الجدار حتى التصق به تماماً. مدّ يده ليكتب بخط أصبعه الملطخ بالدماء جملة واحدة:

“الحلم يبدأ من حيث ينتهي الألم.”

عندما انتهى من الكتابة، أدرك أنه لم يعد يراها كغرفة حمراء بخطوط سود. صارت مساحة بيضاء، مساحة لا تُكتب إلا بالأمل، مهما كان صغيراً.

أصبحت الغرفة مملكة صمته، والولد الغرافي ملك بلا تاج، يحكمها بصوته وتأمله. في ليالي السكون الطويل، رفع يده ليمرر أصابعه فوق الخطوط السوداء، يتحسس خشونة الزمن الذي حفرها. بدت له كندوب تنبض بأسرار دفينة، تروي حكايات من مروا ومن عبروا.اقترب من خط أطول من البقية، مستقيم ينحني عند نهايته كأنه يسجد لظلٍ خفي. جلس أمامه متأملاً، ثم مرر كفه فوقه بحذر. دفء غريب تسلل إلى جسده، أشبه بأنفاس مختبئة بين الجدران. همس دون وعي:

“ما سرّك؟”

الغرفة لم ترد، لكنها ارتعشت قليلاً، وكأن شيئاً دفيناً تحرك داخلها. صوت داخلي، أقرب إلى همس الذاكرة، صعد من أعماق صمته:

“نحن لسنا مجرد خطوط… نحن أصوات من رحلوا، وأنت الآن جزء منا.”

شعر بدوارٍ خفيف، كأن الغرفة تتنفس به. مدّ يده من جديد، لكن الأصابع توقفت في منتصف الطريق. الصور بدأت تتدفق: وجوه وأصوات، صراخ صامت وأغانٍ مبتورة، كأن الجدار يسرد حكاياته له وحده.

“هل أنا مرآة هذا المكان؟” تساءل بصوت خافت.

أجابت ذاكرته بصور نهر الغراف، الشجرة التي ظلّلته طفلاً، وجه أمه الذي اختفى من زمن بعيد.

ابن فطيم
الحلقة الثالثة

نهض بخطوات متثاقلة. الغرفة لم تعد مجرد جدران محاصرة، بل فضاء يسبح فيه بخياله. الخطوط أمامه رسمت خارطة جديدة. النهر الذي كان جزءاً من طفولته ظهر واضحاً، لكنه بدا معتماً، تحيط به دوامات من سو في زوايا الصمت التي ملأت المكان، بدأ يسمع نبض الغرفة. لم يكن صوتاً حقيقياً، لكنه أحس به وكأنه موسيقى خافتة تسري في الجدران. الخطوط السوداء التي بدت في البداية كآثار عبثية، تشكلت من جديد، صارت أقرب إلى لغة غير مكتوبة، لغة تعرفه دون أن يتكلم.رفع بصره نحو السقف الذي ظلّ معتماً. تخيل الضوء يتسرب من شقوق خفية، يلون الجدران بألوان أخرى، لكنه لم يلمح شيئاً. كل ما كان موجوداً هو ذلك الاحمرار المستمر، يشبه غروباً أبدياً يرفض أن يترك السماء.تحدث إلى نفسه بصوت واضح:“الغرفة ليست سجناً، لكنها مرآة. إنها أنا. كل تلك الخطوط، كل هذا السكون… إنه انعكاس.”

وقف من جديد، هذه المرة أكثر ثباتاً. الغرفة لم تعد تخيفه، ولم تعد تعنيه كمساحة مغلقة. أغمض عينيه، وبدأ يلمس الجدران بحذر، وكأنه يقرأها بأصابعه. عند كل زاوية كان يشعر بذكرى مختلفة، وكأنها كتاب مفتوح بلغة حُفرت بالنار.

توقف عند زاوية لم يكن يجرؤ على الاقتراب منها سابقاً. تلك الزاوية كانت داكنة أكثر من غيرها، كأن الظلام اختبأ فيها وحده. مدّ يده، ولأول مرة شعر بالبرودة. لم تكن برودة الجدران المعتادة، بل برودة تشبه النسيان.

فكر للحظة أن تلك الزاوية تمثل شيئاً آخر، شيئاً لم يستطع مواجهته بعد. ضغط بأصابعه عليها، ولم يحدث شيء. الغرفة بقيت ساكنة، لكنه أدرك أن تلك الزاوية تخصه وحده.

جلس القرفصاء هناك، شعر بثقل الزمن يعود إلى كتفيه، لكنه لم يحاول الهرب منه. كانت الوحدة رفيقته، والذاكرة أرضه. الحيطان تحدثت بما يكفي، والآن عليه أن يجيب.

همس وهو يكتب بظفره مجدداً:

“الغرف تعلمنا أن نرى أنفسنا في الظلام.”

عندما انتهى من العبارة، شعر أن الجدران كلها بدأت تصمت معه. لم تعد تحكي، ولم تعد تتنفس. للمرة الأولى، كان هو من يملك الحكاية.

بين الخطوط التي ملأت الجدران، لفت نظره خط بدا مختلفاً، كأنه كتب بيد تعرفه جيداً. اقترب منه ببطء، متردداً، وكأن الخوف من اكتشاف ما لا يحتمله يتسلل إلى صدره. كان الخط منحنياً قليلاً، بخفة تشبه انسياب الماء، يشبه الطريقة التي كانت حبيبته تكتب بها الرسائل إليه في زمن كان العالم فيه أقل قسوة.

مدّ أصابعه المرتجفة ليتلمسه، وكأنه يطارد سراباً. عندما لمس الخط، شعر بوخزة، أشبه بتيار صاعق أعاده سنوات إلى الوراء. الكلمات بدأت تظهر أمامه شيئاً فشيئاً، كأن الجدار يسرد له قصيدة خطت بحبر المعاناة:

“إلى من يعرف أن الوقت أضيق من الأمل،

إلى من يعيش اللحظة بين موت وآخر،

أكتب كمن يغرس روحه في الورق،

أكتب لأنني راحلة،

وما تركته في قلبي هو أنت، فقط أنت.”

تراجع خطوة إلى الوراء، عينيه متسعتان بدهشة لم يعرفها منذ زمن. الصوت الداخلي الذي لم يهدأ أبداً في الغرفة صار يهمس له الآن، كأنه يفسر ما لا يستطيع إدراكه وحده.

“هذه كلمات حبيبتي…” قال بصوت مبحوح، “لكنها ليست لي.”

عاد إلى الخط، عينيه تقرآن كل حرف وكأنه يشهد النهاية التي لم يعرف عنها شيئاً.

“أنا هنا، حيث لم يعد العالم يعني شيئاً. لم يبقَ سوى انتظار النهاية.

أنتظرك، لكنك لن تأتي.

لا أحد يأتي.

وداعاً…”

كانت تلك الكلمات تحمل بصمتها نكهة الموت، حادة وواضحة كالسيف. شعر بمرارة في حلقه، كأن الحروف نفسها قد التهمت صوته. لكنه لم يستطع أن يتحرك بعيداً، الجدار أمسك به، قيّده بعبارة أخيرة حفرت فيه عميقاً:

 “وداعاً… لمن علمني كيف أحب الحياة، حتى في لحظاتي الأخيرة.”

تراجع حتى التصق بالجدار المقابل، ساقاه لم تعودا قادرتين على حمله. أدرك أن هذه ليست كلماتها إليه، لكنها كلماتها لشخص آخر، شخص لم يعرفه، محكوم بالإعدام، وربما كان هو شاهداً على تلك اللحظات الأخيرة دون أن يدري.

“هل كانت تعيش حياة أخرى؟ هل كتبت هذا قبل أن تفقدها يدي؟” تساؤلات ملأت رأسه، لكنه لم يجد لها إجابة. الجدران حوله بقيت صامتة، وكأنها تراقب ضعفه دون أن ترأف به.

عاد إلى الخط، اقترب منه ببطء، ثم مدّ يده بحذر ليضيف إليه كلمة واحدة، كأنها صرخة أخيرة:

“لماذا؟”

الغرفة لم ترد، لكنه شعر أن الخطوط من حوله بدأت تتحرك. القصيدة على الجدار أصبحت جزءاً منه، حملها في صدره كجرح لن يندمل، بينما الجدران تمتص آخر صوت كان يتردد داخله.

اقترب من الجدار الذي التهم صوته، أحس بكلماته تختنق داخله، لكنها تأبى الصمت. رفع رأسه إلى السقف الأحمر، وأغمض عينيه، كأنما يخاطب الفراغ بصوت مشحون بلوعة لا تشبه غيرها:

*“هل كنتِ تعرفين أنني هنا؟

أم أن الغياب الذي علمني الصبر،

نسي أن يخبرك عني؟

أيا حبيبةً حفرتْ على جدران الصمتِ وداعاً،

كيف أغلق الجروح،

وأحيا وأنا شاهِد على موتي؟

كنتِ أنتِ البداية،

وكان النهرُ موعدنا،

فكيف صارت الخطوط قبوراً؟

وكيف صارت الحروف شواهد؟

يا من ودعتني دون لقاء،

كلماتكِ طعناتٌ في ضلوعي،

ووداعُكِ مرآةٌ تعكسني،

لكني لا أرى سوى الخراب.

لو تعلمين…

كيف أنظر إلى هذا الجدار وأرى وجهكِ،

كيف أمدّ يدي،

لألامس ظلكِ،

لكنه يذوب،

كما تذوب الأحلام في نهارٍ قاس.”*

أحس بصدره يضيق، وكأن الكلمات قد أثقلت روحه أكثر مما تحررها. فتح عينيه على الجدار الذي بدا له كأنه يبكي، خطوطه تتساقط كدموع باردة. أكمل بنبرة انكسرت في نهايتها:

“إن عدتِ يوماً،

لا تبحثي عني في الزوايا،

لن تجدي سوى شبحٍ أكلته الجدران،

وشعلة حُب أحرقتها القصائد.”

أنهى كلماته، وسقط على الأرض، كأنه يسلم نفسه لتلك الغرفة التي تعرف كيف تحيا على بقايا الأرواح.

الفصل الثامن

في زحمة السكون الذي يسبق العاصفة، كان الحكم بالسجن قد أسدل ستاره على أيامه، حاملاً معه كوابيس لا تنتهي من الضجيج والقلق والخوف. كل شيء بدا غريباً في تلك اللحظة التي انفجرت فيها جدران الزمان. كان يظن أن الأيام ستتوالى كالمعتاد، وأنه سيقضي حياته بين أصداء الجدران الموحشة. لكن في لحظة، كان الفجر يحمل معه وجهها، ويدها التي تصافح كل العتمة.

دخلت عليه، حاملة دفاتر بيض، وبعض الأغراض التي لا يعرف ماذا تعني، ولا كيف جاءت بها إلى هذا المكان المغلق. وجهها  يشع بين السكون، وعيناها تضيء بما بقي لها من روح حرة لا تسجنها حدود.

عندما رآها، سكن قلبه للحظة. كانت هي، كما في كل مرة، الحلم الذي يعبر من الزمن. لا شيء تغيّر في ملامحها، ولا في طريقة سيرها، ولا حتى في ذلك الهدوء الذي يعمّ وجهها رغم كل شيء.“أنتِ هنا؟” همس، كأن السؤال لا يمكن أن يكون حقيقياً، وكأن المكان لا يتسع لوجودها.

أجابته بصوت هادئ، يكاد لا يُسمع:

“أنتَ هنا أيضاً، رغم كل شيء.”

ثم وضعت الدفاتر البيض أمامه، وكأنها تود أن تترك شيئاً ما غير الكلمات.

“ماذا تعني هذه؟” سألها وهو يحدق في الأوراق التي لم تكن تحمل سوى بياض خالي من الحروف.

ابتسمت ابتسامة حزينة، ثم قالت:

“هذه أشياء لم تكتب بعد، وكل ما في داخلي الآن يحتاج إلى مساحة ليظهر.”

تحركت ببطء نحو الزاوية، كأنها تخشى أن تكون الكلمات قد تفضح ما خلف الصمت. وضعت الأغراض بجانب سريره، ووقفا هناك، في الفراغ الذي خلفه هذا اللقاء الذي لا يبدو له بداية ولا نهاية.

هو، محكوم عليه بالصمت، وهي، محكومة بالأمل. أغمض عينيه للحظة، فاختلطت صور الذكريات القادمة من زمن بعيد مع صور اللحظة الماثلة أمامه.

“هل سترحلين؟” سألها فجأة، وكأن الصوت يخرج من أعماقه.

أجابته وهي تقترب منه أكثر، تلامس يده بحذر:

“لن أرحل. لكنني لن أكون هنا فقط لأنتظر. كل شيء يتغير، حتى المسافات بيننا.”

وقف على قدميه، مشوشاً، محاولاً استيعاب ما يحدث. كيف يمكن أن تظل تلك الذاكرة حية بين جدران محبوسة؟ كيف يمكن أن تعود الحياة في اللحظة التي يظن فيها أنها قد انتهت؟

“أنتِ لا تكتبين على الدفاتر، أنتِ تكتبين في روحي.” همس، ثم أضاف:

“لكن هل هناك مكان لبداية جديدة؟”

أجابته بهدوءٍ لا يتزعزع، دون أن تبتعد عنه:

“البداية هي أن تُجدد الأمل، أن تكتب بعد كل الضجيج الذي عشت فيه.”

كانت الكلمات قاسية، لكنها الحقيقة. هي تعلم جيداً أنه لا مفر من المواجهة مع الذات أولاً.

ظلَّا صامتين لبرهة، وكأن الزمن توقف في تلك اللحظة التي تجمعهما فيها الغرفة المظلمة. كانت كل زاوية تشهد على وجع مسكوت عنه، وكل خط في الجدران كان يحمل علامة مرور الأيام، التي كانت أقل من لحظات. كان هو يراقب يديها التي كانت ترتجفان بينما تنظمهما على الدفاتر، كما لو أنها كانت تكتب شيءً لم تجرؤ على قوله.

“هل تعتقد أنني أستطيع أن أتركك هنا؟” قالت أخيرًا، بينما كانت العيون لا تجد سبيلًا للهرب من بعضها.

“أنتِ تعرفين أنني أستطيع أن أكون هنا إلى الأبد.” قالها بنبرة منخفضة، ولكنها حملت في طياتها إصراراً عميقاً على التقبل.

ولكن تلك اللحظة، تلك المسافة الفاصلة بينهما، كان الزمن فيها أقسى من الكلمات. هي، رغم أنف كل الفوضى، لا تزال تُخفي عن قلبه ما لا يمكن تحمله. كان يعلم أن وراء تلك الدفاتر البيضاء التي أحضرتها، يكمن شيءٌ غير مكتمل، شيء يراودها منذ زمن طويل.

“ألم تسأل نفسك، لماذا لا نكتب؟ لماذا لا نضع الحروف على هذه الأوراق؟” قالت وهي تشير إلى الدفاتر، ثم أضافت، “هل أنت خائف من أن تكون النهاية هنا؟”

رفع نظره إليها، محاولة لفهم المعنى الذي يختبئ خلف كلماتها. كان يراها بشكل مختلف الآن، وكأنها تجسد كل الحكايات التي اختلطت عنده بالألم.

“لم أعد أخاف من النهاية.” قال بمرارة، “لكني أخشى أن لا نملك الوقت لنكتب ما يجب.”

وقف يبتعد قليلاً، يلمس الجدران التي كانت أقرب إليه من أي وقت مضى. لم يكن المكان مكانه بعد الآن، كان غريباً عليه، ولكنها كانت فيه. هو لا يستطيع أن يهرب من كلماته، وهي لا تستطيع الهروب من واجبها في الكتابة.

“الوقت لا يُكتب. هو يمر، مثل النهر، يحمل كل شيء معه.” قالت بتأنٍ، “لكن الحروف تظل حية في النهاية، حتى لو كانت مغمورة بالموت.”

كان صوته يخرج ضعيفاً من بين شفتين مرتجفتين:

“فهل سنظل نكتب في هذه الغرفة؟”

أجابته بهدوء، دون أن تبتعد عنه:

“نكتب، لأننا لا نملك شيئاً غيره.”

كان الكذب واضحاً في عينيه، وهو يعرف أن الكتابة أصبحت وسيلة للهروب، أما هي، فكانت تبحث عن إجابة مختلفة. وربما كانت تلك الدفاتر البيضاء، التي أحضرتها، هي الحقيقة الوحيدة التي ظلّت مفقودة بينهما.

تبادل النظرات بينهما، وكان صمت المكان يصرخ في داخلهما أكثر من الكلمات. كل شيء كان حقيقياً، لكنه كان يُخفي عن نفسه الحقيقة الأشد مرارة.

كانت تراقب الأثر الذي تركته كلماته على وجهه، تعرف أنه لا يملك جوابًا، لكنها لا تستطيع أن تغادر دون أن تترك شيئاً وراءها.

“أنتَ لا ترى سوى الظلام في هذه الغرفة، أليس كذلك؟” قالتها وكأنها تقرأ ما في نفسه. “لكن لا شيء هنا يموت إذا أردنا أن نكتب له حياة جديدة.”

همس بصوت منخفض، “وأنتِ، هل ستبقين هنا؟ هل ستبقى الكلمات بيننا أم سيطويها النسيان؟”

كان الغرف ضيقاً عليه أكثر من ذي قبل، إذ شعر أن جدرانها تقبض عليه بحزم أكبر، كأنها لا تترك له أي منفذ. كان يعلم أن التغيير ليس في مكانه، بل في لحظات اللقاء التي تتسلل كما لو كانت سراباً، رغم يقينه بها.

“لا أستطيع أن أعود إلى الوراء.” أجابت بصوت يتنقل بين الحزن والأمل، ثم أضافت: “لكنني لا أستطيع أيضاً أن أتركك، مهما كان ما بيننا غير مكتمل.”

تردد في حديثه، وكأن كل كلمة يحتاج أن يُعيد صياغتها قبل أن تخرج:

“ربما نحن نكتب حياتنا بهذه الطريقة… بين التردد والوداع، بين الأسئلة التي لا تجيبها الأجوبة.”

اقتربت منه، ووضعت يدها على قلبه، كأنها تلمس الذاكرة التي جمعتها الأيام:

“نحن نكتب لأننا نريد أن نصدق أن هناك شيئاً يستحق البقاء. وأن في النهاية، حتى لو كانت الأيام قد تفرقت بنا، ستظل هذه الدفاتر شاهدة على أننا حاولنا.”

صمت طويل بينهما، وكأن الساعات التي مضت كانت مجرد انعكاس لماضي مضى في طريقه. لكنه شعر بشيء جديد يتسلل إلى نفسه. قد يكون ذلك الأمل الذي جاء مع كلماتها، أو ربما كانت الوداعات الصغيرة التي تجرأوا على إخفائها في بريق اللحظات التي مضت.

“نكتب، إذن.” قال، وهو ينظر إليها بعينين مليئتين بالأسئلة التي لا يزال يرفض الإجابة عليها. “لكن هل سنعيش لنقرأ ما كتبناه؟”

أجابته بنبرة أخيرة، تتناثر بينهما كما لو كانت الرياح تحملها بعيدًا:

“لن نعيش لقراءته، لكننا سنكتب لأننا نريد أن نُحيا به.”

واختفت الكلمات في الفراغ الذي بينهما، ولم يبقَ سوى دفاتر بيضاء، شاهدة على لحظات لم يُكتب لها أن تُكتمل.

كانت الدفاتر البيضاء تلامس الأرض برفق، كأنها تمسك بين صفحاتها كل الحكايات التي لم تكتمل بعد. كانت الغرفة أكثر عزلة من أي وقت مضى، حتى الهواء نفسه بدا وكأنه خجول من الكلمات التي تتناثر هنا وهناك.

“أحياناً، يراودني شعور بأننا نكتب لأجل شيء بعيد، لا نعرفه بعد. هل تعرف هذا الشعور؟” قالت وهي تلتقط أحد الدفاتر، وتفتحه على صفحة فارغة.

كان يحاول أن يلتقط أنفاسه في هذا الصمت الثقيل، متأملاً كلماتها التي تطفو بين الأفق والموت، بين الواقع والوهم. لكنه لم يجد جوابًا، بل وجد نفسه يغرق في تلك الصفحة البيضاء التي كانت أكثر من مجرد ورق.

“نكتب، نعم، لكننا لا نكتب لأنفسنا. نكتب لأننا نعتقد أن هناك من سيقرأ يوماً ما، ربما يتفهم، وربما لا…” همس، وكان صوته ينزف شيئاً من الندم.

لم تلتفت إليه، بل كانت تتأمل الورقة التي بين يديها، كأنها تبحث عن معنى في فراغاتها. ثم همست، وكأنها تحدث نفسها:

“لكن ما الذي نفعله حين لا نجد أحداً ليقرأ؟”

سقطت الكلمات الثقيلة في قلبه، وكأنها تزيد من ثقل ما كان يحاول الهروب منه. نظر إليها، وعينيه مليئتان بتساؤل آخر، تساؤل كان يلح عليه منذ اللحظة التي دخلت فيها الغرفة، ومنذ اللحظة التي اقتحم فيها صمتها:

“أنتِ حقًا تؤمنين أن هذه الدفاتر يمكن أن تمنحنا شيئًا؟”

أجابته بصدق يشع من أعماقها، حيث كان الألم يرافق كل حرف:

“نؤمن بما نكتب لأن الكتابة هي ما يتركه الزمن لنا، وحين نكتب، نخلد أجزاء منا في أماكن قد لا نراها أبدًا.”

أغمض عينيه لثوانٍ، وكأن تلك الكلمات تنسج خيوطها حوله، تقيّده بالحقيقة التي كان يخشاها. ثم فتح عينيه، وأخذ خطوة إلى الأمام، مقترباً منها، محاولاً أن يشعر ببقية الأمل التي ما زالت تمسك به.

“إذاً، نكتب كما لو أن الزمن هو القاضي، وأننا فقط أولئك الذين يقدمون شهاداتهم؟”

ابتسمت، ابتسامة لا تخلو من الحزن، لكنها كانت ابتسامة الاعتراف:

“نعم، نكتب لأننا نريد أن نبقى. وكل صفحة فيها جزء من روحنا لا نريد أن يُنسى.”

ثم، في لحظة صمت عميق، غمرته مشاعر لم يكن يستطيع أن يصفها. كانت الكتابة بالنسبة لها طوق نجاة، أما بالنسبة له، فقد كانت مجرد حيلة للحفاظ على توازن ما تبقى من حلم. لكن، في تلك اللحظة، بين كلماتها والدفاتر، شعر بشيء جديد ينهض في داخله، كأن هناك أملٌ ضئيلٌ ينشأ بين السطور.

“إذا كانت هذه هي الطريقة، فلنكتب، إذن. سنكتب كل شيء… حتى لو كانت الكلمات في النهاية مجرد حروف مفقودة.”

وقالت، بلهجة أخيرة لكنها حاسمة:

“سنكتب، لأن هذا هو الشيء الوحيد الذي لا يمكن أن يُسرق منا.”

وبينما كانت هي تغلق الدفاتر بهدوء، كان هو يغمض عينيه مرة أخرى، ليجد نفسه في عالم آخر، حيث لا حدود للكتابة، ولا نهاية للأحلام.

أخذت الورقة منه ببطء، كان يده ترتجف قليلاً، وكأنها تخشى أن تُسقط ما كتبته عليه. كان الورق بسيطاً، لكنه كان يحمل أكثر من مجرد كلمات؛ كان يحمل ذاكرة، وذكريات، وحكايات مُخبأة بين سطورها. كانت القصيدة مكتوبة على عجل، كما لو كانت اللحظة تفرض إيقاعها، وكل كلمة فيها كانت تنزف من قلبه مباشرة.

“ألم تظن يوماً أن الكلمات لا يمكن أن تحمل كل هذا الألم؟” قالت، وهي تفتح الورقة بعناية، ثم أخذت نفساً عميقاً قبل أن تبدأ في قراءتها بصوت منخفض، وكأنها تخشى أن يراها ضعيفة أمام ما حملته تلك السطور من صدق:

“أنتِ الوحيدة التي تعرفين كيف تلتقطين الجرح

حين تكون الكلمات أكثر من مجرد عيون تبكي

أنتِ المسافة بين لحظة ضوء ووميض فجر

أنتِ الوعد الذي غاب عن الذاكرة

وأنا، عاجز أمام وجهك الذي لا يملّ من تجدد الحزن.”

واصلت القراءة، وتوقفت قليلاً على السطر الأخير، الذي كان يحمل قسوةً وألمًا يتسلل من بين الحروف. كانت القصيدة، رغم عجلتها، تحمل شيئًا نقيًا، شيئًا حقيقيًا، كما لو كانت تحمل كل العواطف التي تجاهلها الزمن.

رفعت عينيها إليه، كانت نظراتها مشوبة بالحيرة والدهشة، وألم غير مرئي يسكن عميقًا في قلبها. “هل هذا ما كنت تخفيه عني؟” قالت أخيرًا، بصوت منخفض.

أجابها بنبرة هادئة، مليئة بالخجل، “نعم. كنت أخشى أن تكون الكلمات أكثر مما يمكنك تحمله. لكنها كانت الطريقة الوحيدة التي استطعت أن أقول بها ما لم أتمكن من قوله لكِ يومًا.”

كانت لحظة فارقة بينهما، مليئة بالكثير من المعاني غير المعلنة، وكانت الورقة التي بين يديها قد أضافت بعدًا جديدًا لعلاقتهما، بعدًا غير قابل للفهم أو التفسير.

سكتت لثوانٍ، ثم همست، “أنت دائمًا تكتب كما لو أنك تعيش في كوكب آخر… حيث الكلمات فقط هي التي تحكم.”

“وربما هذا هو الكوكب الوحيد الذي يمكننا أن نعيش فيه دون أن نخشى الفقد.” قالها وهو ينظر إلى عينيها، عينيه مليئة بالحزن.

“وأنت، هل تعتقد أنني أستطيع أن أعيش في هذا الكوكب معك؟”

تساقطت الكلمات بينهما كما لو كانت تمطر غزارة من فضاء لا ينتهي، وكان كل حرف يشير إلى شيء أعمق مما يبدو عليه.

أجابها، دون أن يبتعد عن نظراتها:

“سأكتب لكِ دائمًا، حتى لو كان هذا العالم قد اختفى.”

ثم، كأن الوقت قد توقف للحظة، كانت الورقة التي تحمل القصيدة هي الرابط الوحيد بينهما، بين كل لحظة غياب وكل لحظة حضور، وبين الأمل الذي كان يُخبئه كل حرف عن الآخر. همست وهي تمسك بالورقة بين يديها، كما لو أن كل كلمة من القصيدة قد تفتح أبوابًا كانت مغلقة منذ زمن بعيد، “لكن هل تعتقد حقًا أننا يمكن أن نبقى في هذا الكوكب؟”

أجابها وهو يحاول أن يقرأ ما بين السطور في عينيها، “أعتقد أننا يمكن أن نعيش في أي مكان طالما أننا نكتب لبعضنا البعض، طالما أن الكلمات تجمعنا. ربما تكون الكلمات وحدها هي التي تعرف طريقها في العتمة.”

مرت لحظة صمت ثقيلة، وكان الهواء في الغرفة ثقيلًا كأنما يكتم على أنفاسهما. أخذت الورقة منه مرة أخرى، وابتسمت ابتسامة خفيفة، لكنها كانت مشحونة بكل ما لم يُقال. ثم قالت، “أنت تعلم، القصائد هي جسر عبور. لكنها لا تضمن لنا اللقاء.”

ثم وقفت، وكأنها توشك على الرحيل، لكن شيء ما في حركتها كان يشدها إلى تلك اللحظة التي جمعتها به. كان كل شيء يبدو وكأنه سيتفجر قريبًا، تلك اللحظات التي تختلط فيها الذكريات بالحاضر، والتوقعات بالمخاوف.

“هل ستذهبين الآن؟” سألها بصوت متأثر، كانت الكلمات تطاير في فمه كما لو أنه يخشى أن يفقدها في الهواء.

“لا أعرف إذا كان عليّ أن أذهب أو أن أبقى.” قالتها بصوت خافت، ثم أكملت، “لكني أعرف أن هناك شيءً بيننا لا يمكن أن يُكتب أو يُقال. ربما هو شعور أكثر من كونه كلمات.”

نظرت إلى الورقة مرة أخرى، وأخذت نفسًا عميقًا، وكأنها تحاول أن تجمع كل ما شعرت به في تلك اللحظة وتختصره في حروف منقوشة على الورق، “هذه الكلمات… على الرغم من عجلتها، هي كل ما أملك الآن.”

وقف هو أيضًا، وأشار إلى الورقة، وقال، “أعلم أن الكلمات لن تنقذنا. لكن ربما تجعلنا نؤمن أنه كان لدينا ما نقوله في النهاية.”

نظرت إليه بحذر، وعينها تلمع ببعض الأسى، ثم همست، “وأنا لا أستطيع أن أتركك دون أن أقول شيئًا… حتى لو كان هذا الشيء مجرد كلمات.”

خطت خطوة نحو الباب، ثم توقفت، مترددة، وقالت، “ولكنني لن أنسى هذا… لن أنسى ما كتبت لي.”

ثم غادرت الغرفة، تاركة وراءها صمتًا كان أثقل من كل شيء، وعينين تلاحقانها بلا صوت، كأنما كانت الكلمات نفسها لا تزال تتردد في المكان.

بينما ظل هو ، واقفًا أمام الغرفة التي أصبحت خالية، حمل الورقة بين يديه بشيء من الحذر، كما لو أنه يحمل جزءًا من نفسه، جزءًا لن يعرف كيف يتركه يرحل. كان رأسه وهي تجلس قبالته يجوس في ذكريات بعيدة، كما لو أن الزمن عاد به إلى لحظة أولى، لحظة كان فيها كل شيء جديدًا وعذبًا، وكأن الحياة نفسها كانت تتفتح أمامه للمرة الأولى.

أول مكاشفة بينهما كانت تلك اللحظة التي وقف فيها أمامها لأول مرة، كانت عيناه تلمعان في ضوء الشارع الخافت، وكان الهواء يحمل رائحة المطر القادم. كانت هي أكثر هدوءًا من أي وقت مضى، وعينها تحمل سؤالًا قديمًا، سؤالًا عن مكان ما في القلب لم تكتشفه بعد.

ثم جاء أول لقاء، وهو يتذكر كيف كان قلبه يخفق بسرعة وهو يقترب منها، خطواته ثقيلة رغم الخفة التي كانت تحيط به. كلمات قليلة كانت كفيلة بإشعال كل شيء، وكان بين ضحكتها وبين كل كلمة من تلك الكلمات كانت تشعل نارًا صغيرة في صدره.

أما أول قبلة، فقد كانت أشبه بجسر متصل بين لحظتين متباعدتين، بين زمن مضى وآخر كان في الانتظار. كانت شفتاها تلتقيان مع شفتاه بشيء من العفوية، لكن رغم ذلك كان هناك ما يشبه الحذر، كما لو أن كل قبلة يمكن أن تكون الأخيرة، وكأنهما كانا يعيشان في عالم آخر، لا تتسع فيه الأشياء إلا لحظات عابرة.

تذكر كيف كان يشعر بيدها على يده لأول مرة، كيف كانت يداها باردة قليلاً، لكنها كانت تمنحه شعورًا غريبًا بالطمأنينة. كان هناك شيء في تلك اللمسة جعلته يشعر بأن العالم بأسره كان يتوقف عندما يقترب منها.

ولكن كل تلك اللحظات كانت قد تحولت الآن إلى شيء مفقود، شيء غاب بين ذكريات تُخبئها الأيام، وكأنها أضواء بعيدة تلمع في أفق ملبد بالغيوم. كان كل شيء يبدو كما لو أنه تلاشى في الزمان، ولكن تبقى تلك اللحظات مطبوعة في قلبه، لا يمكنه أن ينساها مهما مر عليه الزمن.

نظر إليها، وهو يدرك أن الزمن قد تغير، لكن شيئًا من تلك اللحظات لا يزال حيًا في داخله، كأنه الأثر الوحيد الذي يمكن أن يبقى بعد كل شيء.

ظل ينظر إليها وكأن اللحظة التي جمعتهما في ذلك المكان المظلم كانت منذ لحظات، رغم مرور السنين. كانت الذكريات تنبض في قلبه بكل قوة، وكأن الزمن قد أصبح مرآة تعكس وجوههما الشابة، اللامبالية بكل شيء سوى حديثهما البسيط وملامح تلك اللمسات الأولى.

في تلك اللحظات التي تلاحق بعضها، كان يسترجع كيف كانت الكلمة الأولى التي تبادلاها بمثابة تعبير عن اللقاء بين عالميهما المتباعدين. أول مكاشفة، قال لها: “هل سبق أن شعرتِ أن الحياة تحمل داخلها سرًا، ولكنك لا تعرفين أين هو؟”. كانت إجابتها خفيفة، غامضة، لكنها فتحت له أبواباً لم يكن يعلم أنها موجودة.

أول قبلة كانت أكثر من مجرد اتصال بين الشفتين. كانت اللحظة التي أصبح فيها العالم كله مجسداً بينهما، وكل شيء أصبح ضبابيًا أمام تلك الرغبة التي كانت تتفجر بين أنفاسهما. كانت شفتاها تلتقيان مع شفتاه كما لو أنها وُجدت من أجل هذا اللحظة تحديدًا.

كان هناك نوع من القدرية في قبلة كهذه، وكأنها تقودهم إلى طريق طويل، لا يعرفون أين ينتهي، لكنهم لا يستطيعون التراجع عنه.

أما أول لقاء، فكان أشبه بكتاب مفتوح، صفحاته تتناثر أمامهما مع كل كلمة، مع كل إيماءة. كان جسدهما يقاوم رغبة أن تنتهي تلك اللحظة، ويطلبان من الزمن أن يبقى كما هو.

ولكن الآن، كانت تلك الذكريات تبدو بعيدة، كأنها تتناثر في الهواء، وتختفي بين ثنايا الواقع الصارم. في تلك اللحظة، بينما هي جالسة أمامه، أدرك أنه لا يستطيع إعادة الزمن إلى الوراء. كان هنالك حزن عميق في عينيه، وهو يشاهد تفاصيل وجهها، وكأن كل شيء أصبح مجرد سراب يسعى إليه دون جدوى.

“لقد تغيّرتِ” قالها بصوت خافت، لكنه لم يكن يحتاج إلى تأكيد. كانت كلمات أكثر مما كان يجب، لكنها كانت تعبيرًا عن تلك الفجوة التي بدأت تتسع بينهما مع مرور الوقت. كان ما تبقى بينهما الآن هو هدوء الذكريات، وهمسات الماضي التي تتردد في كل زاوية من زوايا الغرفة.

وهي، كما لو كانت قد سمعت ما قاله، رفعت رأسها ببطء وأجابته، “نعم، قد تغيّرنا، لكن تلك اللحظات لا تُنسى.” كانت نظرتها تتأمل في الفراغ، وكأنها ترى في تلك اللحظات الأولى ما لم يستطع هو أن يراه.

“لن ننساها أبدًا.” همس في نفسه، بينما كان الصمت بينهما يتسع، وكأن كل ذكرى، كل لحظة، أصبحت جزءًا من عالم بعيد جدًا عن العالم الذي يعيشان فيه الآن.

كان الصمت يملأ المكان وكأن الوقت قد توقّف تمامًا، وحين نظرت إليه، كان يعكس فيها صدى لحظة الفراق التي بدأت تتسرب بينهما. كانت عيناه مليئة بتساؤلات لم يجد لها إجابة، كما لو أنه كان يخبئ في أعماقه مجموعة من الوعود التي ضاعت في دوامة الأيام.

“أتعلمين، في بعض الأحيان أعتقد أنني كنت أعيش في وهم،” قالها بنبرة متحسرة، صوته يكاد يختفي في ظلال الغرفة المظلمة، “أحاول أن أتذكر التفاصيل، كل لحظة عشناها، لكن كلما أردت أن أمسك بها، تجدني أغرق في الضباب.”

عيناها لم تفارقه، كان واضحًا أنها تسمعه، لكنها أيضًا كانت تراقب تلك الذكريات التي كانت تتبعثر أمامهما. “نحن مثلما تقول،” ردت بصوت شاحب، “نعيش في تلك الذكريات التي نراها أكثر وضوحًا في لحظات الفراغ، عندما لا نملك شيئًا إلا أنفسنا.”

تنهّد طويلًا، ثم أضاف، “وفي تلك اللحظات، كل ما أملك هو هذه الورقة التي لم تستطع أن تحتوي كل ما أريد أن أقوله لك.”

“لكنها تقول ما يكفي، أليس كذلك؟” قالت بابتسامة شبه حزينة، وهي تتناول الورقة التي أعطاها إياها، تقلبها بين يديها كما لو أنها تأخذ كل كلمة على محمل الجد، ثم رفعت رأسها وقالت: “لا يمكن للكلمات أن تغني عن فعل. ما تكتب لا يعادل ما كان يمكن أن نعيشه معًا.”

بينما كانت تراقب عينيه، شعر كما لو أن كلماتها كانت تسحب منه آخر خيوط الأمل. هو لم يكن يعرف كيف يشرح لها ما كان يشعر به. ربما لأنها كانت تجسد كل شيء كان ينقض عليه في تلك اللحظة، وهي تقف هناك أمامه، لكن دون أن يكون هناك أي شيء آخر يمكن أن يقدمه غير الكلمات.

نظر إلى الورقة في يديها، ثم قال بصوت منخفض: “ربما الكلمات لم تكن كافية حينها، وربما لن تكون كافية الآن. لكنني أريدك أن تعرفي، مهما ابتعدنا، أنني كنت هناك، في كل لحظة، لا أستطيع نسيانك.”

كانت الكلمات تتساقط منه في حذر، كما لو كان يحاول بناء جسر بينهما باستخدام ما تبقى له من حروف. هي سكتت للحظة، ثم أغلقت عينيها بإحكام، كما لو كانت تحاول جمع شتات نفسها.

“أنت تعلم أننا لا نستطيع العودة،” قالت أخيرًا، “لكن… لن أترك هذا، ولن أنسى أنك كنت هنا، مع كل شيء بيننا. حتى لو كانت الذكريات تتلاشى مع الزمن، فإنها ستظل في مكان ما داخلنا، هناك… حيث لا يطالها شيء.”

وابتسمت، لكن الابتسامة لم تكن تعني الفرح. كانت مجرد محاولة للحفاظ على توازن عاطفي في لحظة تكاد تبتلع كل شيء. كانت تتمنى لو أن الوقت يمكن أن يراعي قلبها، كما لو أن لديه القدرة على احتضان تلك الذكريات المبعثرة، قبل أن تفلت منها نهائيًا.

في تلك اللحظة، كان كل شيء بينهما قد انتهى. ولكن، ما تركته وراءه كان أكثر من مجرد قصيدة أو كلمات. كان قطعة من روحه، تسير في الفضاء، كما لو أنها تتحول إلى نسيم يعبُر بين ذرات الزمن.

مالذي يحدث هناك؟

ليلاً، وعندما يضع رأسه المليء بالضجيج على الوسادة، يحاول أن يتجاوز هاجس الأفكار التي تغزو عقله. يلتفت إلى الظلام المحيط به، لكن هناك شيء غريب يحدث. صوت خافت، خطوات قادمة من بعيد، والنشيج الموجع الذي يقطع الهدوء. يرفع رأسه ببطء، محاولًا أن يترقب ما يحدث في هذا الظلام الذي يكاد يبتلع كل شيء.

ثم، في تلك اللحظة، يرى وجه أمه فطيم، ملامحها المرهقة التي يراها دائمًا في أحلامه، وإن كانت اليوم تبدو مختلفة عن تلك التي عرفها. كانت عيونها محمّلة بالحزن العميق، كأنها تحمل عبئًا لم تستطع فكه. وبجانبها، حيلي، الذي كان دومًا صديقًا له في طفولته، لكنه الآن يراه مختلفًا أيضًا. لا شيء في هذه اللحظة يبدو كما كان.

“أمّي؟” همس بصوت متقطع، محاولًا أن يستوعب ما يحدث.

لكنها لم تجب، بل اكتفت بالصمت، وكأن الكلمات لم تعد تحمل المعنى نفسه. كان النشيج المتقطع يتزايد، وكل خطوة تقترب منها وكأنها تقطع المسافة بين الزمان والمكان، بين الماضي والحاضر. كانت الأقدام تتسارع، كأنها تسير نحو مصير لا فكاك منه.

“أمّي، ماذا يحدث؟” كرر السؤال، لكن في قلبه كان يعلم أن الجواب ليس في الكلمات. نظر إلى حيلي، لكن كان غريبًا عليه أن يرى تلك الحيرة في عينيه.

“إنهم هناك…” قال حيلي أخيرًا، بنبرة مختنقة. “إنهم في مكان ما، يحاولون أن يعيدوا الماضي.”

وعند هذه الكلمات، شعرت نفسه وكأن الأرض تهتز تحت قدميه. كان يعلم أن هذا ليس مجرد حلم. كان شيء أعمق، شيء بعيد عن تفسيره. في هذا الظلام، كانت كل فكرة تتناثر، كل لحظة كانت تغرق في فراغ عميق. وكان يسمع فقط النشيج الذي يقترب، حتى اختلطت الوجوه والصور في ذهنه، وأصبح كل شيء يشبه بعضها.

حاول أن يقف، لكن جسده كان مثقلًا بالألم، كما لو أنه لا يملك القوة للمقاومة. كان يتمنى لو يهرب من هذا، من هذا الصوت الذي يلاحقه في كل زاوية من عقله. ولكن قبل أن يستطيع التفكير، تراجعت أمه إلى الوراء، وابتعدت في ظل الليل، كأنها كانت جزءًا من هذه الظلمة التي أضحت تحتل كل شيء حوله.

“لا تتركيني، أمي!” كانت كلماته تتناثر في الفضاء، لكنها لم تجد طريقها إلى المكان الذي كانت تقف فيه.

: وهكذا، في تلك اللحظة، بدأ كل شيء يتحول إلى ضباب، وتبعثر الحلم ليتركه مع الحيرة والفراغ.

ظل يقف في مكانه، لا يعرف هل هو في الواقع أم في عالم آخر. كان الزمان والمكان قد اختلطا عليه، وبينما كانت خطوات أمه وفطيم تبتعد عن نظره، بدأ يشعر بأن قلبه يثقل أكثر مع كل ثانية تمر. كان الصمت يطبق على المكان، إلا من ذاك النشيج المبحوح الذي يترنح في أذنه.

أغمض عينيه قليلاً ليعود إلى الماضي، إلى زمن كانت فيه الأمور أكثر وضوحًا. لكن حتى تلك الذكريات كانت ملوثة بالألم، كما لو أن الزمن نفسه قد ألحق به جرحًا لا يمكن تضميده. شعر بحرقة في حلقه، وفتحت عينيه سريعًا ليواجه الفراغ الذي يسكن أمامه.

لكن شيئًا ما في داخله كان يصرخ. شعور غير قابل للتحمل، كأن هناك شيئًا مفقودًا، شيء سقط في تلك الفراغات المظلمة التي تلتهم كل ما كان قريبًا منه. همس باسم أمه مرة أخرى، ولكن كلماته كانت تُحمل في الرياح، ولا تجد سبيلًا إلى آذانها.

“أمي! لا تذهبِ!” صرخ أخيرًا، فزعًا، لكن صوته ضاع بين الجدران المظلمة، كأن المكان نفسه قد امتص كل الأمل منه.

وبينما كان يراقب في يأس، لاحظ شيئًا غريبًا. من بين الضباب بدأ يظهر خيال صغير، كان يتسلل في الزوايا، يتنقل بين الظلال بهدوء، مثل طيف لا يمكن الإمساك به.

كانت تلك هي فطيم، ولكن هذه المرة كانت تتجه نحوه بصمت، وعينيها، على غير المعتاد، كانت خالية من التعب، متوهجة كما لو أن هناك شيئًا جديدًا في داخلها، شيء لا يفهمه. اقتربت منه ببطء، لكن دون أن تنطق بكلمة واحدة. ومع كل خطوة كانت تأخذها نحوه، كان قلبه يزداد شدة، لا يعرف هل هو خوف أم شوق.

وصلت إليه أخيرًا، ولكنها لم تلمسه. اكتفت بالوقوف أمامه، وعيناهما تلتقيان في صمت عميق. كان هذا الصمت يعبر عن شيء أكبر من كل الكلمات التي كانت قد قيلت بينهما في السابق. كان تعبيرًا عن فقدان، عن شيء لا يمكن تعويضه.

ثم، مع هدوء غير متوقع، قالت فطيم بصوت ضعيف: “كنت أبحث عنك طوال هذا الوقت، ولكنك كنت بعيدًا جدًا.”

لم يستطع الرد. كل ما شعر به هو تلك الفراغات بينهما، تلك المسافات التي لا تملأها حتى الكلمات. كانت كل لحظة تمضي وكأنها تخذله أكثر، وكأن الأشياء التي كانت تربطهما قد تلاشت تمامًا.

وفي تلك اللحظة، شعر بشيء آخر يبتعد. شيء كان يظنه جزءًا منه، ولكن الآن أصبح كالغبار الذي تفرقه الرياح.

اقتربت فطيم منه أكثر، وعيناهما لا تفارقان بعضهما. كانت خطواتها بطيئة، ولكن حركاتها مشبعة بشيء من التصميم. عرفت، وهو يعرف، أن هذا اللقاء ليس كغيره. كان كل منهما يحمل في قلبه سؤالًا، وكان كل جواب ينتظره يظل محاطًا بالغموض.

قالت فطيم، وقد بدت عيناها شديدة التركيز: “أنت لا تزال تسعى وراء شيء ضائع. رغم كل هذه السنوات، ما زلت تلاحق سرابًا. لماذا؟”

صمت للحظة، محاولًا أن يستجمع أفكاره، لكنه شعر أن كلماته تختفي كما لو أنها تذوب في الهواء. أخيرًا، تنفس بعمق وأجاب: “الحقيقة ليست دائمًا واضحة كما نريدها أن تكون، فطيم. لكن، هل تعتقدين أنني يمكنني التوقف عن البحث؟ إذا توقفت، فإنني سأخسر كل شيء… حتى نفسي.”

ابتسمت ابتسامة خفيفة، لكن الألم في عينيها كان يفضحها: “وأنا أقول لك، إنك تخسر نفسك بالفعل. الحقيقة ليست شيئًا يمكننا امتلاكه بالكامل. نحن مجرد بشر، نعيش في عالم يعجز عن تقديم الإجابات. ولا شيء هنا سيعطيك الراحة، مهما سعيت.”

أخذ هو خطوة للأمام، كأنما يقترب من شاطئ مجهول: “لكنني إذا توقفت الآن، ألن أكون قد أضعت حياتي؟” كانت نبرته مشحونة بالإصرار، كما لو كان يسعى لتحقيق هدف بعيد، حتى لو كان هذا الهدف يبدو مستحيلاً. “أنا لا أبحث عن الراحة، فطيم. لا أريدها… أنا أبحث عن الحقيقة. وعن معنى لما عشناه.”

نظرت إليه بعمق، كما لو كانت تتأمل الكلمات التي نطق بها. كان هناك شيء في ملامحها يشير إلى أنها تفهم تمامًا ما يعنيه، لكن شيئًا ما في قلبها كان يرفض قبول هذا المسار. “أنت لا تدرك،” قالت ببطء، “أن الحقيقة التي تبحث عنها ربما لا تكون هي نفسها التي تعتقد أنها موجودة. كل شيء هنا زائل. الناس، الأوقات، حتى الذكريات. وإذا كنت ستستمر في السعي خلف تلك الحقيقة، ستجد نفسك في نهاية المطاف ضائعًا في متاهة لا نهاية لها.”

كان هو يحدق في الأرض، يفكر في كلماتها، لكن قلبه كان مملوءًا بشيء آخر. كان يعلم أنه في هذه اللحظة، الحقيقة التي يطاردها ليست شيئًا يمكن أن يلمسه بيده. ربما كان الأمر يتعلق بالسعي نفسه، بهذا الإصرار الذي يرفض التوقف.

“هل تعتقدين أنني أخشى الضياع؟” سألها بنبرة مليئة بالمرارة. “هل تعتقدين أنني أبحث عن شيء ملموس لأملأ فراغي؟ أنا لا أبحث عن شيء سوى… أن أكون صادقًا مع نفسي. الحقيقة ليست ما نراه، إنها ما نعيشه.”

فطيم كانت صامتة، وعيناها مليئتان بالتساؤل، ثم قالت بهدوء: “لكن لا يوجد صراع أكبر من الصراع مع الحقيقة التي نعتقد أنها ستنقذنا. حين نعيشها، تكتشف أنها ليست كما توقعنا. تبقى هي محض وهم نعيشه، وفي النهاية نجد أن ما كنا نعتقده هو الذي ضاع.”

أجابها بنبرة حاسمة، وكأن القرار قد تم أخيرًا في أعماقه: “إذا كانت الحقيقة وهمًا، فأنا مستعد أن أعيش في هذا الوهم. لأن ما تبقى هو الجهد. ما تبقى هو الإصرار. يمكننا أن نتخلى عن كل شيء، ولكننا لا يمكننا التخلي عن إرادتنا.”

صمتت فطيم طويلًا، ثم أضافت بصوت مختنق: “وأنت، هل يمكنك أن تقاوم ذلك الشعور بعد أن تدرك أن هذا الصراع لن ينتهي؟ هل ستظل تجد القوة للاستمرار؟”

تأمل عينيها للحظة، ثم قال: “نعم، لأن الاستمرار هو ما يجعلنا أحياء. عندما نتوقف عن السعي، نغلق أعيننا على الحياة نفسها.”

في تلك اللحظة، اختفت الكلمات بينهما، وظل كل منهما غارقًا في صمته، كما لو أن الإجابات الحقيقية كانت بعيدًا عن متناول أي منهما، ولكن الاستمرار في السعي خلفها قد يكون وحده هو المعنى الحقيقي.

ظل الصمت يتسيد اللحظة بينهما، كأنما كل كلمة قد قيلت قد وضعت حجرًا في الجدار الذي يفصل بين عالمين مختلفين. كان هناك شيء ثقيل في الهواء، كأنهما يحاولان فك عقدة لا تنحل، لكنهما لا يستطيعان التراجع. كان الألم يتسرب من حديثهما، وأمل ضئيل يلمع في عيون كل منهما، حتى وإن كانا يعرفان أنه في النهاية، لن يكون هناك شيء ملموس ليمسكوا به.

قالت فطيم أخيرًا، بنبرة حزينة ولكن ثابتة: “أنت تقول أنك تبحث عن الحقيقة، لكن ماذا لو كانت الحقيقة هي أن الحياة نفسها لا تقدم لنا إجابات؟ ماذا لو كان البحث هو ما يعطينا المعنى؟”

تنهد بعمق، وكأن الكلمات التي نطقت بها قد رافقت قلبه إلى أعماق ألمه. “ربما…” قال، وأشار بيده إلى الفراغ المحيط به. “ربما يكون البحث هو الحقيقة نفسها. ربما نحن نركض وراء سراب لا لشيء سوى لأننا لا نعرف كيف نكون بلا هدف. لكنني لن أستطيع أن أتوقف، فطيم. لا أستطيع أن أعيش بلا إصرار. ربما هو هذا الشيء الوحيد الذي يعطيني القوة كل يوم.”

نظر إليها بتساؤل، محاولة أن تقرأ ما في عينيه، وبدأت تعيد التفكير فيما قاله. كان هناك شيء مأساوي في كلماته، شيء كان يذكرها بحرب لا تنتهي، حرب مع الذات، مع العالم، مع الحقيقة. لكن، وفي مكان ما في قلبها، شعرت بأنها تدرك ما يعنيه. كان يتحدث عن شيء لا يستطيع أن يهرب منه. ربما كان هذا الإصرار هو كل ما تبقى له، وكل ما يربطه بالعالم.

“أنت لست وحيدًا في هذا،” قالت أخيرًا، وعيونها تملؤها شفقة خفية. “ولكنك تظن أنك تحمل ثقل العالم وحدك. الحقيقة… ليست شيء نملكه، بل شيء نعيشه. الإصرار على البقاء، على المواجهة، هو ما يعطينا الحياة… حتى وإن كانت مؤلمة.”

كانت كلماتها كما لو أنها تزرع بذرة من الأمل في قلبه، ولكن بذرة مشروخة، مليئة بالندوب، لا يمكنها أن تنمو بلا ألم. لكن رغم ذلك، بدأ يشعر بتساؤل في أعماقه: هل يستحق الأمر هذا العناء؟ هل ستظل الحقيقة شيئًا مستحيلًا يبلغ إليه؟

وقف في مكانه، متأملًا كلماتها، ثم قال بصوت منخفض، وكأن هذه الكلمات تخرج من أعماقه بعد صمت طويل: “ربما، لكنني لا أستطيع أن أعيش بدون هذا البحث. حتى وإن كانت الحقيقة دائمًا بعيدة، حتى وإن كان الهدف يبتعد، سأظل أبحث. لأنه في النهاية، هذا ما يجعلني إنسانًا.”

فطيم، التي كانت تراقب كل حركة من حركاته، شعرت بشيء غير مألوف في كلماتها. ربما كان هناك شيء ما في هذا الإصرار يلامس أعماقها، ربما كان هناك شيء في هذه الرحلة التي لا تنتهي الذي يمنحهم شيئًا لا يستطيع العالم أن يسلبهم إياه.

قالت أخيرًا، بابتسامة هادئة مليئة بالحزن: “إذا كان هذا ما يحيي قلبك، إذا كان هذا ما يجعلك تشعر بأنك حي، فلتستمر في البحث. ولكن تذكر، أن الطريق الذي نسلكه قد لا يكون هو ذاته الطريق الذي ننتظره.”

وفي تلك اللحظة، شعر كما لو أنه نزع عن نفسه عبئًا ثقيلًا، رغم أن الطريق أمامه لا يزال مظلمًا. ربما لم يكن هناك جواب واضح، لكن كان هناك قرار، وكان هذا القرار هو ما يحدد مصيره.

أخذ نفسًا عميقًا، وحاول أن يجمع شتات نفسه في تلك اللحظة التي كانت مليئة بالحيرة والوعود المعلقة. كان الإصرار في عينيه يتوهج، لكن شيئًا من الضعف بدأ يظهر في صوته. “أعرف أن الطريق ليس واضحًا، وأنني قد أضل في ظلامه… لكن، كيف أستطيع التراجع الآن؟ كيف يمكنني أن أعيش في هذا السكون؟”

فطيم، التي كانت تراقب تفاصيل وجهه، لم تجد إجابة سهلة. كانت تعرف أن التراجع في مثل هذه اللحظات يعني التخلي عن جزء من الإنسان، جزء من روحه المشتعلة بالبحث عن المعنى. ربما كان هذا هو ما يجعلهم جميعًا في هذه السجون النفسية، سجون لا تنتهي إلا عندما يسلموا بأقدارهم.

قالت بنبرة هادئة، ولكن مليئة بالثقل: “التراجع ليس هزيمة، بل هو ببساطة فهم للحدود. قد يكون السكون في بعض الأحيان هو أنبل قراراتنا، إذا منحنا أنفسنا الفرصة للسلام. لكن إذا كنت تجد قوتك في الإصرار، فاستمر، ولكن تذكر ألا تُهدر نفسك في شيء قد لا تجد نهايته أبدًا.”

استمرت عيونها في تقاطيع وجهه، ترقبًا لما سيقوله. كان هناك شيء في كلماته الأخيرة يجعله يبدو أكثر فهمًا، لكنه كان في الوقت ذاته يغرق في حيرة جديدة. ربما كانت تتحدث عن شيء لم يعشه بعد، شيء بدا له بعيدًا جدًا عن طموحاته.

أجاب وهو يحاول إخفاء قلقه وراء صلابته المعتادة: “السلام… ربما هو ما أبحث عنه. ولكن إذا توقفنا عن السعي، كيف سنعرف إذا كنا قد وجدناه؟”

لحظة من الصمت، ثم أضافت فطيم بصوت منخفض: “ربما لا نعرف. ولكن ربما، في بعض الأحيان، يجب أن نثق في أننا فعلنا ما بوسعنا، وأن السلام لا يأتي فقط في النهاية، بل في كل لحظة نختار فيها ألا نقتله.”

قال بصوت مليء بالأسى: “وإذا لم يكن هناك سلام؟ إذا كانت هذه اللحظات كلها مليئة بالحرب؟”

“حينها، ستكتشف أنك أصبحت جزءًا من المعركة، أنك لم تعد تناضل فقط من أجل الحقيقة، بل من أجل السلام الذي قد لا تجده أبدًا. السلام ليس دائمًا في الوصول، لكنه في كل خطوة تخطوها باتجاهه، حتى وإن كان ذلك يعني أن تكون في صراع دائم.”

ظل السكوت يلف المكان، مع كلمات فطيم التي تدور في عقله مثل رياح هادئة. لم يعد يشعر بالحيرة كما كان من قبل، لكن كان لديه شعور مختلف. ربما كانت كلماتها هي الحقيقة التي كان يبحث عنها، رغم أنها لم تكن الحقيقة نفسها التي كان يظن أنها هدفه. لكن، في النهاية، بدأ يشعر أن السعي بحد ذاته قد يكون هو الحياة، حتى لو كان الهدف بعيدًا جدًا.

قال أخيرًا، بعد صمت طويل: “ربما تكونين على حق. ربما لا يجب أن أتوقف عن البحث، ولكن يجب أن أجد السلام في صراعي. ربما هذا هو الطريق الوحيد. تلاشت فطيم وحيلي رويدًا رويدًا في الظلام، كما لو أن وجودها كان مجرد سراب بدأ يذوب أمام عينيه، مشهدها يتناثر كأحلام تفر من بين أصابعه. تراجع في مكانه، يشعر بفراغ هائل يملأ صدره، فظل صامتًا لفترة طويلة، عينيه على النقطة التي اختفت فيها. ثم انفجر فجأة في بكاء مرير، يملأ صوته المكان بصدى وجعٍ لم يكن يعلمه من قبل.

“لا تتركيني!” قالها وهو يمد يديه، وكأنما كان يحاول أن يمسك بشيء مفقود، شيء لا يستطيع أن يراه، لكن قلبه يصرخ في داخله بأنه لن يستطيع العيش بدونها. “أحتاجك هنا… لا تذهبين، أنا ضعيف جدًا دونك. أحتاجك أكثر من أي وقت مضى.”

كانت الكلمات تتناثر منه كرصاصات غير موجهة، غارقة في مرارة التجربة التي يعيشها. لم يكن يعرف كيف يصف ذلك الضعف الذي يتسرب إلى روحه، وكيف أن غيابها قد أخذ كل شيء معه. لم تعد هناك قوة في جسده، ولا شعور بالأمان، كان كل شيء قد انهار في لحظة، كما لو أن حقيقة الحياة قد انفجرت أمامه بشكل مفاجئ.

لكن فطيم لم تعد هناك، فقد أصبح الصوت الذي يملأ الفراغ هو صدى نفسه المكسورة. كانت المسافة بينه وبينها قد توسعت بشكل غير قابل للرجوع، والمكان الذي كانت تجلس فيه بات فارغًا.

فجأة، شعر بيد ثقيلة تلامس قلبه، كأنما يقبض عليه شيء غير مرئي، يستنزفه ببطء. كان يدرك تمامًا أن ما يبحث عنه قد لا يعود أبدًا. ربما كانت فطيم هي الضوء الذي كان يراهن عليه ليحارب الظلام، ولكن الآن، أصبح كل شيء معتمًا.

صرخ مجددًا، بصوت مرتعش: “لا تذهبين، أرجوكِ… لست قويًا كما ظننت. لست على قدر ما قلت. أنا لا أستطيع أن أواجه وحدي.”

كانت الكلمات تتساقط من فمه كدموع لم يكن يستطيع أن يخفيها، ولا أن يتوقف عن البكاء. شعر أن هذا الضعف الذي كان يخفيه طوال الوقت قد تلاشى، وتركه مكشوفًا أمام نفسه، أمام حقيقة أن الإنسان مهما كان قويًا في ظاهره، لا يمكنه أن يقاوم غياب من يعشقه.

الفراغ الذي تركته فطيم كان يتسع حوله، وكل شيء أصبح عبئًا ثقيلًا على قلبه، كأن العالم كله قد اختفى، وتحول إلى ضباب كثيف لا يراه، ولا يستطيع أن يلمسه.

”ظل صوته يرتد في أرجاء المكان، يتردد صداه في الفراغ، وكأن المكان نفسه أصبح شاهداً على انهياره. لم تعد فطيم هناك لتواسيه، ولا حتى لتهدئ من قلقه. كل شيء أصبح أبعد من أن يلامسه، كما لو أن مسافة غير مرئية قد فصلت بينه وبين كل ما كان يعرفه. شعر وكأن جدران الغرفة قد ضاقت عليه، وأنه فقد السيطرة على نفسه وعلى الزمن

ماذا لو كنت بحاجة إليكِ للأبد؟” تمتم في نفسه، وهو يغرق في بحور من الأسئلة التي لا إجابة لها. “كيف سأعيش الآن؟”

ثم خارت قواه، فسقط على الأرض، مستلقيًا في الظلام الذي بدأ يحيط به بشكل خانق. كانت عيونه تغلق تدريجيًا، وكأنما هو في غيبوبة عاطفية يهرب فيها من الحقيقة المؤلمة التي أدركها الآن.

لكن في تلك اللحظة التي كانت تقترب فيها العتمة أكثر، شعر بشيء غريب. لم يكن الصوت، ولا الضوء، ولا حتى فراغ الغرفة. كان شيء آخر… شيء دافئ وصل إليه عبر نافذة صغيرة في قلبه. كانت فطيم، حتى وإن اختفت جسديًا، ما زالت تشعر به، وما زالت حية في كلماته، في رؤيته لها، في الذاكرة التي تركتها في نفسه.

أغمض عينيه، ثم همس في نفسه، وكأنه يحاول أن يعيدها إلى واقعٍ قد تلاشى: “لن أترككِ تذهبين. في كل مرة أغمض فيها عيني، سأحمل صورتكِ… سأحملكِ في داخلي.”

كأنما الكلمة الأخيرة، تلك التي نطق بها بصوت شبه غير مسموع، قد أعطته شيئًا من القوة. ربما لم يكن ذلك السلام الذي كان يبحث عنه، ولكنه كان شيئًا آخر… شيئًا يشبه الفهم العميق لما يمكن أن يكون عليه الحب حين يصبح عبئًا، وحين يكون أملًا خفيًا يلمع في الظلام.

لم يكن قد وجد الإجابة بعد، ولم يكن يعرف متى سيتوقف عن الألم. لكن كان لديه يقينٌ واحد: حتى في غيابها، ستظل فطيم جزءًا منه، جزءًا من حياته لا يمكن لأحد أن يمسحه. بينما الغرفة تكاد تخلو من أي صدى، استمر البكاء في داخله، يتساقط كأمطار الشتاء، لكنه كان يبكي من دون صوت، كما لو أن قلبه قد فقد القدرة على النحيب. كان الحزن يشد قلبه كأنما هو سجن لا يرحم، والذكريات التي تبقت من فطيم كانت تتلاشى بين يديه مثلما تتلاشى صورة في ضبابٍ كثيف.

جلس في مكانه، وعيناه مليئتان بالدموع، ثم نطق بكلماتٍ كانت تتبعها همسات من قلبه المكسور:

وداعًا يا حبًا عذبًا، كان يحيا في ضوء عينيّ

وداعًا، يا حلمًا كان يطير على جناحيّ الوهم

فقد أصبح كل شيء مظلماً، لا مكان فيه لنورٍ

سأودعكِ رغمًا عني، كما يودع البحر شطًّا بعيدًا.

وداعًا، يا ظلالًا كانت تسير بجانب قلبي

أنتِ، الفكرة التي كانت ترويني، الآن لا أراها

أنتِ، العطر الذي حملته الرياح، فصار طيفًا

وداعًا، يا حلمًا لم أكن أريد له النهاية.

أنتِ، الصوت الذي كان يملأ الصمت بلحنٍ جميل

أنتِ، الرفيقة التي تركت في داخلي فراغًا كبيرًا

حتى قلبي، الذي كان يردد اسمكِ بين نبضاته

أصبح صمتًا، وأصبح صدىً، لا أستطيع سماعه بعد.

ورغم أنني أكتب لكِ الآن هذا الوداع

أعلم أن قلبكِ في كل زاوية من حياتي سيظل

كما لو أني أحبكِ في كل لحظة تمضي،

حتى لو كانت البعد هو ملامح هذا الزمن.

أغمض عينيه، وها هو يترك كلمات الوداع تُطلق جناحيها في الهواء، وكأن تلك القصيدة هي كل ما تبقى من لحظات حبهما. لكن، حتى في وداعها، كان يشعر أن شيئًا فيها سيظل حيًا، محاطًا بعذوبة الذكرى.

مشاركة:
شوقي كريم حسن
شوقي كريم حسن

قاص وكاتب عراقي.

آخر تحديث: ٢٣ آب ٢٠٢٦ في ٠٦:٠٩ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

إِيلُوهِيمُ القَفَص: هَذَيَانُ الرِّيشِ أَمَامَ آلِهَةِ الفُولَاذ
سرد

إِيلُوهِيمُ القَفَص: هَذَيَانُ الرِّيشِ أَمَامَ آلِهَةِ الفُولَاذ

اللوح الأول: رقيمُ السِّلكِ وتَقْدِيسُ الرَّحِمِ العَاقِر تبدأ الحكايةُ دائمًا من اعترافٍ صلبٍ: إنّ ما يجري في جوف هذا القفص السلكي ليس مجرد هزلٍ مسرحيّ عابر، ولا رتابة بيولوجية بريئة، بل هو طقسٌ كهنوتيّ مُحنّط، يعيد إنتاجَ حماقته بانتظامٍ ميكانيكيّ مريب؛ كأنّ الزمن موظفٌ أزليّ كسيح في ديوان بابل…

· 7 د
لحظة حب
سرد

لحظة حب

صحيح أنك تأخرت عن اللقاء... ورغم انتظاري قرب تلك الشجرة التي طالما عشقناها... تلك التي تسمع حديثنا ولا تشي به لأحد... على أية حال، تركت لك رسالة على جذعها، اقرأها إن حضرت... اقرأها بقلبك قبل عينيك، فالحروف لم تُكتب بحبرٍ مجرد، بل بنبضٍ أرهقه طول الانتظار. كتبتُ لك عن البرد الذي تسلل إلى أطرافي،…

· 2 د
إلى أين نمضي؟
سرد

إلى أين نمضي؟

في تلك الليلة، لم تكن الحرب مجرد صوت بعيد. كانت حاضرة في كل شيء: في وقع القذائف التي تهز الصفائح المعدنية التي تغطي المواضع الدفاعية، وفي ارتجاج الأرض تحت القدمين، وفي ذلك الغبار الذي يجتاح المكان بعد سقوط تلك القذائف، وفي ذلك الصمت المريب الذي يسبق وصول الأوامر. كان الضابط، آمر السرية، يعرف أن…

· 6 د