انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

ابن فطيم……!!

رواية على حلقات

شوقي كريم حسن
شوقي كريم حسن

قاص وكاتب عراقي.

34 دقائق للقراءة
25 مشاهدة
ابن فطيم……!!
مشاركة:

الحلقة الأولى

“لا يمكنني التذكر دون حنينٍ عميق  الى السنوات الأولى من طفولتي. رأيت الشمس أكثر دفئًا، والسماء أكثر زرقة، والعالم أكثر نقاءً مما هو عليه الآن. لم أك أعرف بعد الخوف أو الحقد أو الألم.  كل شيء جديدًا مليئًا بالدهشة.  لا نعيش طفولتنا مرتين، ولكننا نظل نحملها في أعماقنا، مثل نبع صغير لا يجف، نستقي منه الدفء حين يبرد العالم من حولنا.”

—-١—

(مشاهد الوقت)

لم يك النهر كما تركه، شابَهُ الصدأ وتكاثرت حول ضفتيه خيبات العمر. وقف الولد الذي كنته، متكئًا على أكتاف كهل خرج للتوّ من كهوف شيخوخته. عادت إليه ملامح المياه الرائقة كأنها مرآة مهشمة، تعكس وجوهًا تهرب كلما اقترب. أغمض عينيه، لا ليهرب، بل ليستدعي كل التفاصيل التي غطّاها النسيان أو ربما الموت.لم يك النهر الملوث يستقبل دموعه، بل يعيدها إليه مثل صفعة باردة. على ضفتيه ركضت  طفولته،   أجساد إخوته الصغار تئن تحت عبث الفيضان. بكى كأن بكاءه وحده يطهر المياه. لكن شيئًا ما في داخله تحرك، دفعه خطوة واحدة نحو التيار. غاص دون تردد، كمن يعبر ليلًا بوابة سرية نحو مجرة من أحلامه المنسية، وسط المياه العكرة، تكوّنت حياته مجسمة كما لم يرها من قبل. أيادٍ صغيرة تمسك به، وجوه ضاحكة وسط العتمة، صوتُ أغنيةٍ سمعها ذات مساء بعيد{نازل ياقطار الشوگ نازل هاي ديرتنه}. ثم ظهرت جنيات الشط، عارياتٍ من الزمن، يحملن أزهارًا طافحة بالسحر.  يحلم بهن منذ  معرفته بالنهر، لكنهن الآن يسكنّ واقعه، ينظرن إليه منتظرات كلمته الأولى.—ماذا لو كنتَ شبحًا مثلي؟!! نطق النهر، أو ربما صدى أحلامه. وقف بينهم ليواجه سرّه الأخير، جسده يطفو مثل عابر أضاع اتجاهه. الجنيات اقتربن، حركاتهن رقصة أبدية. كل واحدة تحمل في عينيها سؤالاً لم يعهده:—ماذا تريد حقًا؟!!

أراد أن يصرخ، أن يقول إنه عاد ليبحث عن حياته التي فقدها، عن ملامح إخوته الغارقة، عن وجه أمه الذي بقي عالقًا في أطراف ذاكرته الممزقة. لكنه صمت. الصمت  لغة، وربما حكم، أو اعتراف بالهزيمة.إحدى الجنيات اقتربت أكثر، لم تلمسه أشارت إلى أعماق النهر، حيث  الذكريات تتحرك مثل كائن حي.  رأى  الولد الذي كانه ، يركض على ضفة النهر، يقفز مثل فراشة متمردة، يضحك بغير ما قيود. لبرهة انقلب المشهد، رأى الفيضان، المياه الحمراء، الأجساد الصغيرة تطفو، صوت أبيه يصرخ دون جدوى.

—هذا أنت؟!! سألت الجنية بصوت كأنه نسمة مغمسة بالندم.

هز رأسه.—-وهذا أيضًا أنا…!!

أشار إلى كهلٍ آخر، يجلس عند حافة قبر، يحفر بيديه كلمات لم تكتمل على صخرة مهشمة.الجنيات تحلقن حوله بما يشبه دوامة. كل واحدة تحمل صورة من حياته. واحدة تعرض شتاءً غريبًا، حيث نجا من موت محتم لكنه فقد مَن يحب. أخرى تظهر  ليلة،  وُلدت خيبته الكبرى، حين كان يعتقد أن الشجاعة تعني الوقاحة.

—لماذا عدت؟!!

السؤال جاء هذه المرة من داخله، صوت  تردد في كهف مهجور. أجاب، لكن الإجابة همسًا لا يُسمع

 — لأنني لم أترك شيئًا ورائي، و أردت أن أكون  حيث يُعيد النهر حكايتي!!

 الجنيات لم يصدقنه، ابتساماتهن صنعت عتابًا. حين حاول لمس واحدة منهن، اختفت يده، كأنما تآكلت تحت قسوة المياه. فهم  أنه ليس زائرًا، بل جزء من هذه اللوحة،

—كلنا  ننتظر الحقيقة…!!

قالت إحداهن ممسكة بزهرة تذبل بين يديها.

—وأي حقيقة؟!!

صرخ.لكن النهر ابتلعه ، صوت غاب مثل حلم لم يُكمل نشيده. وسط الجنيات، ظهرت  كما لو أن الزمن  تراجع خطوة.  {فطيم وحيلي)، التي نسي ملامحها لكن لم تفارق رائحتها ذاكرته.  واقفة كطيفٍ من حنين، يحيطها ضوء خافت مثل فجرٍ خجول. عيناها، اللتان كانتا ذات دهر ملاذه، تنظران إليه بعطف لا يحتمل، يديها ترفعان حيلها كما اعتادت حين تريده أن يسمعها بوضوح.—ارجع..!!

 قالت، صوتها ريحٍ حنون يخترق ضجيج الذكريات المتداخلة. “أرجع إلى وراء، انظر حيث بدأت، حيث لم تك الحياة سوى وعدٍ غامض…!!

لم يفهم أول الأمر، لكنه رأى يديها تشيران إلى عمق النهر، حيث الصور تتلاطم شبيهة بأمواج لا تهدأ. أخذ خطوة، ثم أخرى، حتى تجرأ ناظراً إلى الوراء كما أرادته.، المشهد ، يتبدل مثل مرآة عكست  الاشياء دفعة واحدة. رأى الطريق الذي عبره دون أن يدرك كنهه، مليئًا بوجوهٍ وأصواتٍ  تلاحقه كأشباح، وأخرى  تحمل دفءً ضاع وسط ضباب الأيام. رأى نفس شابًا، يحمل أحلامًا ضخمة كأنها جبال،  يهوي بها إلى وادٍ من خيبةٍ تلو الأخرى.

“هذه طريقك،” قالت أمه، “كنتَ دائمًا ترى الأمام لاغير، تركض كمن يهرب من مطاردة، لكنك لم تسأل نفسك يومًا عمّا تخبئه الخطوات التي تركتها وراءك.”حاول أن يجيبها، لكن الكلمات اختنقت في حلقه. كانت (فطيم) أقرب الآن، عيناها تتسعان كأنهما تريدان أن تبتلعاه بالكامل. لمسه دفء لم يعرفه منذ دهور، حتى خيّل إليه أنه طفل من جديد، يعود إلى صدرها باكيًا.

“لكنكِ هناك… تحت الماء، أليس كذلك؟” سأل، وهو يشير إلى عمق النهر حيث رأى جسدها العائم  ذلك اليوم الذي سرق منه كل شيء.

ابتسمت بابتسامة غريبة، كأنها تخفي ما لا تريد قوله. “أنا هنا، كما كنت دائمًا. لكنني لست لك، يا بني. الطريق أمامك، ولن تعرفني إلا حين تصل إلى نهايته.”

ثم أضافت وهي تبتعد بخطواتها الوهمية: “لا تخف من النظر خلفك، هناك ستجد ما يدلك على الباقي.”

حاول اللحاق بها، لكن الجنيات أحطن به مرة أخرى. كل واحدة منهن تمسك جزءًا من حياته، تمزقه، تعيد تشكيله، ثم تتركه يتراقص أمامه مثل صورة ضبابية.  وسط ذلك العبث، بقي صوت امه يتردد:

“ارجع، وانظر. الطريق مليء بما لم تفهمه بعد.”

 لم يملك القوة ليرجع تمامًا، ظل واقفًا بين الجنيات، متأرجحًا بين ماضٍ يمسك به ومستقبلاً لم يعُد يراه. عاد إلى وراء كما طلبت منه أمه، وكأن الزمن يعيد تشكيل نفسه من حوله. وجد جسده واقفًا عند بوابة المدرسة الابتدائية، تلك التي طالما بدت كقلعة غامضة في صغره. كان المبنى صغيرًا، بجدرانه الطينية المتشققة ونوافذه الحديدية التي يكسوها الغبار، لكنه آنذاك  يراه أفقًا لا نهائيًا لعالمٍ لم يعرف حدوده بعد.دخل  يحمل حقيبته البالية، يتأبط دفترًا نُقشت عليه خطوط طفولية عبثية. كان المشهد واضحًا، صوت الطابور الصباحي يصدح في الساحة الصغيرة، ووجوه زملائه تتراقص أمامه، بعضهم يضحك، والبعض الآخر غارقٌ في خوفه من المعلم الذي يتفحصهم بعيونه الحادة. لم يك طفلًا خائفًا مثلهم.  فضوله أكبر من كل شيء، فضول جعله يبحث عن ما وراء الكلمات التي تُكتب على السبورة، عن الحكايات التي تُروى بخجل بين زملائه أثناء الاستراحة. أول قصة سمعها  من صديقه علي، الذي  يبالغ في وصف بطولات خيالية لجده الذي “قاتل الذئاب بيديه العاريتين”. تلك القصة لم تك مجرد كلمات بالنسبة له، بل بوابة إلى عوالم أخرى.في زاوية الصف،  رف متهالك يعلوه القليل من الكتب.  تلك اللحظة حين وقعت عيناه على أول كتابٍ يمسكه بين يديه. غلافه مهترئ، وصفحاته مملوءة برائحة الورق القديم، لكنه شعر كأنه يمسك كنزًا.  الكتاب مجموعة حكايات عن الجنّ والأبطال والغرباء الذين يخوضون مغامراتهم في الظلام.حين عاد إلى المنزل، أخفى الكتاب تحت وسادته كأنه سرٌ لا يجب لأحد أن يكتشفه. لياليه باتت تختلف منذ ذلك اليوم؛  يضيء فانوسًا صغيرًا يسرقه من المطبخ، يجلس تحت غطاءه، يقرأ بصوتٍ هامس، يعيش بين الكلمات وكأنه أحد أبطالها. جاء يوم آخر،  طلب المعلم من التلاميذ تمثيل مشهدٍ بسيط عن درسٍ في القراءة. لم يك أحد يعرف تمامًا ماذا يفعل، لكن شيئًا في داخله دفعه إلى الوقوف أمام الصف. بدأ يقلد شخصية من إحدى القصص التي قرأها، يغير صوته، يمد يديه بحركات واسعة، يتحدث كأنه في ساحة معركة.لم يضحك زملاؤه. كانوا يحدقون به بدهشة،  وقف المعلم مذهولًا لبضع لحظات قبل أن يصفق بيديه ويقول: “أنت تملك موهبة.”

تلك الكلمات غيرت مساره. أصبح التمثيل جزءًا من أحلامه، وشعر أن الكتب ليست مجرد صفحات، بل أجنحة يمكن أن تحمله بعيدًا عن واقعه المتهالك. بدأت رحلته مع القصص والتمثيل تتحول إلى شغف جارف، يرسم على دفاتره أبطالًا، يقف أمام المرآة يقلد أصواتهم، يبحث عن كل كتابٍ يمكن أن يعثر عليه في المدرسة أو يستعيره من زملائه.

لكن الشغف لم يك مجرد هروب من الواقع، بل  بوابة لعالمٍ أكبر. عالم يخبئ له ما لم يك يتوقعه، ويمنحه هوية جديدة تتجاوز الولد البسيط الذي عاش عند ضفاف نهر الغراف. لم تك الأحلام التي رسمها عند ضفاف الكتب والقصص عصيّة على الانكسار، لكنها  هشة أمام عالمه الذي بدا دائمًا أكبر منه. الوحدة  ترافقه كظلٍ ثقيل، تعتصر أيامه بلا رحمة. كان مختلفًا، ومثل كل مختلف، وجد نفسه منعزلًا عن الآخرين، محاصرًا بين أسئلته التي لا إجابة لها وسخريتهم التي لا تنتهي.أشد ما أثقل عليه كان عجزه عن لفظ حرفي الفاء والصاد. كل مرة يحاول فيها النطق به، يخرج صوته مشوهًا، كأنه عالق في حلقه، فتنهال عليه ضحكات زملائه كالسياط. “قل صبار!”، “جرب صقر!”، كانوا يكررون التحدي، لكنه كان يصمت أو يهرب، يحمل خيبته كحمل ثقيل يتضاعف مع كل نداء.تسلل العجز إلى روحه، شيئًا فشيئًا. بدأ يتراجع عن أحلامه، وكأن لسانه المربوط  يقيد معها كل ما تمنّاه. التمثيل، الذي كان يومًا ملاذه، صار عذابًا. كلما وقف أمام أقرانه، يشعر أن الكلمات تهرب منه، كأنها تخشى أن تُفضح هي الأخرى.حتى القصص التي أحبها باتت تبدو له كأصدقاء غادروا. يفتح كتابًا في محاولة يائسة لاستعادة السحر، لكنه لم يعد يجد نفسه بين الصفحات. كل كلمة تذكره بالعجز الذي يسكنه، وكل بطل يراه يواجه وحوشه يثير فيه إحساسًا بالدونية.

لياليه صارت صامتة. لم يعد يضيء فانوسه، ولا يسرق لحظات من الخيال تحت الغطاء. كان ينظر إلى نهر الغراف من نافذة غرفته الصغيرة، ويتساءل: لماذا خذلته الكلمات؟ ولماذا صار العالم ضيقًا عليه، رغم أنه كان يراه يومًا شاسعًا كحلم؟

في المدرسة، بدأ يتجنب المشاركة. يجلس في آخر الصف، يخفي وجهه خلف دفتره، يختصر وجوده في الصمت.

حتى معلمه، الذي أشاد يومًا بموهبته، صار يتجاهله، وكأن الضوء الذي رأه فيه قد انطفأ للأبد.لكن الوحدة لم تكن مجرد عزلة، بل  اختبارًا قاسيًا. ادرك في أعماقه أنه إذا استسلم لها، فلن يكون له مكان في العالم الذي أحب. لكنه لم يعرف كيف يقاوم، ولم يك يدري إن كانت المقاومة تستحق عناء المحاولة.

ظل عالقًا بين الصمت والصدى، حتى أصبحت أحلامه مثل ظلال البساتين البعيدة، تُرى ولا تُلمس، وكأنها تُعاقبه على جرأته الأولى.

ابن فطيم……!!

—٢—

مشاهد الرحيل )

كانت الحمامة صغيرة، بيضاء كأنها قطعة من غيمة لم تكتمل. حملها بين يديه، شاعراً بنبضها الخفيف، كأنما تشاركه ارتجافة اللحظة. “خذها معك”، قال صديقه بصوت مخنوق. كان الوداع يثقل الهواء بينهما، يملأه بما لا يقال.نظر إليه طويلًا، أراد أن يقول شيئًا لكنه عجز. الكلمات التي خذلته من قبل عادت تخونه الآن.  اكتفى بأن هز رأسه. أخذ الحمامة، وضغط عليها برفق، كأنما يخشى أن تفلت منه كما أفلت كل شيء آخر.

كان ذلك اليوم الأخير عند نهر الغراف. الضفاف التي عرفها، والطرق التي كانت مسرح طفولته، بدت فجأة غريبة، كأنها تنظر إليه بأسى. حتى النهر، الذي كان جريانه يوماً يوحي بالحياة، بدا هادئًا بشكل مريب، كأنما يودعه هو الآخر.في الطريق إلى بغداد، جلس صامتًا في العربة، والحمامة بين قدميه، تنظر إليه بعيون صغيرة مستفسرة.  يتأمل المشاهد التي تتبدل خلف النافذة، الحقول تتلاشى، والنهر يبتعد شيئًا فشيئًا، حتى لم يبقَ سوى امتداد رملي وصحراء تزداد شراسة.تسللت إلى رأسه أحلامٌ غريبة، صورٌ لبغداد كما تخيلها من الحكايات التي سمعها: مدينة لا تنام، مآذنها ترتفع كأصابع تشير إلى السماء، شوارعها تضج بالناس، وأصواتٌ تملأ الهواء كأنها موسيقى. تساءل، هل لبغداد غرافها الخاص؟ وهل سيجد هناك نهرًا يحمل في جريانه تلك الذكريات التي تركها هنا؟

لكن الحلم كان ممزوجًا بالقلق. ماذا لو لم تكن بغداد كما تصورها؟ ماذا لو كانت قاسية كالصمت الذي يلازمه؟ وهل يمكن لطفل يعجز عن لفظ “صاد” أن يجد مكانًا في مدينة مزدحمة بالصخب والحكايات؟

حين وصلوا، كانت الشمس تتلاشى خلف الأفق، تاركة بغداد في عتمة مشبعة بالضوء الخافت. الشوارع بدت له متاهة، البيوت متلاصقة كأنها تخشى أن تنفصل، والوجوه غريبة، تحمل ملامح لم يألفها. كان المكان أشبه بلوحةٍ ضخمة، ألوانها متداخلة بلا ترتيب.وقف على عتبة البيت الجديد، والحمامة بين يديه، يتأمل السماء التي بدت مختلفة عن تلك التي اعتادها. حاول أن يسمع صوتًا مألوفًا، همسة نهر، أو نسمة تأتي محملة برائحة الغراف، لكنه لم يجد شيئًا.

تسلل الحزن إلى روحه، لكنه سرعان ما تذكر ما قاله له صديقه وهو يناوله الحمامة: “إن شعرت بالوحدة، أطلقها. ستطير إلى حيث تريد.”

في تلك اللحظة، شعر أنه ليس وحده فقط، بل أنه بات عالقًا بين عالمين. عالم خلفه عند ضفاف الغراف، وعالم جديد ينتظره وسط زحام بغداد، حيث عليه أن يجد طريقه، أو أن يبتكر غرافه الخاص. كانت الشمس تختبئ وراء غبار الغروب، تلقي بآخر أشعتها على سطح السيارة المكتظة بأغراض العائلة، التي بدت كأنها تحمل بداخلها حياة كاملة، معبأة في صناديق وأكياس مهترئة. جلس فوقها، قابضًا على الحمامة التي بدأت تضطرب بين يديه، وكأنها شعرت بأن لحظة الفراق قد حانت.

تردد للحظة. كان يعلم أنه حين يطلقها، لن تعود. لكنه أيضًا كان يدرك أن الاحتفاظ بها لن يغير شيئًا. رفع يده ببطء، وترك أصابعه تتراخى. ارتفعت الحمامة سريعًا، رفرفت بجناحيها بقوة كأنها تهرب من عبء الأرض، واتجهت نحو الأفق الذي التهمته ألوان الغروب.راقبها بعينيه حتى أصبحت نقطة صغيرة، ثم اختفت تمامًا. في تلك اللحظة، شعر أن جزءًا من قلبه طار معها، يحمل شيئًا من خوفه وحزنه إلى مكان لا يعلمه.

عاد بصره إلى السماء، التي بدأت تتحول إلى لون بنفسجي قاتم. هناك، بين الغيوم، خُيل إليه أنه رأى ظلًا لجنية، بجناحين شفافين يكادان يتلاشيان في الضوء الخافت. ابتسم لنفسه، متسائلًا إن كانت بغداد تخبئ له جنيات مثل تلك التي كان يحلم بها على ضفاف الغراف.أغمض عينيه، وحلم.رأى نفسه يمشي في شوارع بغداد الواسعة، يرافقه صوت خطواتها الخفيف. كانت الجنية بغدادية الملامح، ترتدي ثوبًا مشرقًا بألوان لم يرها من قبل، عيناها تلمعان كأنهما تعرفان كل أسرار المدينة. قادته بين الأزقة، حيث الأزقة تتشابك كخيوط متاهة، دلته على الأماكن التي حلم بها: مكتبة قديمة تمتد رفوفها حتى السقف، مسرح صغير يصدح فيه صوت ممثل يروي حكاية أبطال لا يهزمون، سوق مليء بالكتب، صفحتها الأولى تحمل حبرًا جديدًا ورائحة مغامرات تنتظر أن تُقرأ.كانت الجنية تضحك بصوت خافت، وكأنها تدعوه ليتبعها دون تردد. لم يكن يعرف إلى أين تقوده، لكنه لم يكن يهتم. كانت بغداد كما تصورها تمامًا، مدينة للأحلام والهروب من الواقع، حيث كل زاوية تروي قصة، وكل وجه يحمل سرًا ينتظر من يكتشفه.

حين فتح عينيه، وجد نفسه لا يزال جالسًا على سطح السيارة. الهواء البارد يداعب وجهه، والليل قد حلّ تمامًا. الحمامة اختفت، والجنية لم تكن سوى حلم، لكنه شعر بشيء مختلف داخله.كانت بغداد أمامه الآن، مدينة واسعة وغامضة، تنتظر أن يكشف أسرارها. ربما لن يجد غرافًا آخر هنا، وربما لن يلتقي جنية تأخذ بيده، لكنه كان يعلم أن عليه أن يحاول، أن يبحث عن مكانه في هذه المدينة المزدحمة بالحكايات. مع مرور الأيام في بغداد، بدأ العالم الذي وجد نفسه فيه يتكشف له شيئًا فشيئًا.

لكن ما شد انتباهه حقًا كان عالمين غريبين لا يرتبطان ببعضهما، ولكنهما كانا يمثلان له نافذتين يطل منهما على بغداد التي لا يعرفها.أولها كان دجلة، النهر الذي مرّ به دون أن يشعر به قبل ذلك. كان ابن خاله، رحيم، هو من اكتشف له سرّ هذا النهر. في يوم من الأيام، أخذ رحيم بيده، وقال له: “دعنا نذهب إلى الكرادة، حيث يلتقي دجلة بنا.”عندما وصلا إلى ضفاف النهر، شعر بشيء مختلف. كان دجلة في تلك اللحظة يبدو وكأنه ينبض بالحياة، يجري بهدوء لكنه يحمل في مياهه تلك الحكمة القديمة التي تكشف أسرار بغداد. جالسًا على حافة النهر، شعر بصفاء غريب يملأ قلبه، وكأن الماء يغسل عن روحه كل الأعباء التي أثقلت كاهله. كان يراقب النهر الذي يعكس الأضواء المتلألئة للمدينة، تخيل نفسه جزءًا من هذا الجريان الأبدي، الذي لا يوقفه الزمن ولا يغرقه الحزن.أما العالم الآخر الذي اكتشفه، فكان بعيدًا كل البعد عن ضفاف النهر، كان عالم السينما. رحيم كان دائمًا ما يثير فضوله بحكاياته عن الأفلام الغريبة والعوالم التي تتخلق داخل شاشات كبيرة. وعندما اصطحبه إلى السينما لأول مرة، كان المكان عبارة عن مساحة مظلمة، فيها الضوء المتراقص على الشاشة وأصوات تنبض بالحياة. كانت الأفلام التي تعرض على الشاشة بعيدة عن الواقع، مليئة بالأبطال والبطلات الذين يتحدون الزمن والظروف، أبطال مغامرات وسحر، وشخصيات تُحلّق في فضاء خيالي لا حدود له.أصبحا يترددون على السينما بشكل مستمر، وكل مرة يدخل فيها إلى تلك الغرفة المظلمة يشعر وكأنما يدخل إلى عالم آخر. بدأ يرى نفسه في كل شخصية على الشاشة، في تلك اللحظات التي تنقلب فيها الأمور، وتتحقق الأحلام، ويكتشف البطل قوته الخفية. كانت السينما بالنسبة له نافذة مفتوحة على عوالم غير قابلة للتفسير، لكنها  تمنحه شيئًا آخر: الحرية. حرية أن يحلم، وأن يكون جزءًا من قصة لم يكتبها بعد كانت بغداد تعطيه شيئًا، وتطلب منه شيئًا آخر. ولكن مع كل لحظة تمر، ومع كل اكتشاف جديد، أصبح يراها مكانًا واسعًا، غنيًا بالأسرار والمغامرات التي لا تنتهي. مع رحيم، اكتشف أن الحياة ليست فقط في الكتب أو في القصص التي سمعها، بل هي في دجلة الذي يجري بهدوء وبدون ضجيج، وفي شاشة السينما التي تفتح أبوابًا لعوالم لا يمكن أن يراها إلا من يسكنها بقلوبهم. في أحد الأيام الممطرة، قرر رحيم أن يأخذ ابن عمته إلى السينما لمشاهدة فيلم طالما تحدثا عنه. كان الفيلم يحمل عنوانًا غريبًا، “البعض يحبها ساخنة”، وكان يروي قصة مليئة بالكوميديا والمفاجآت، لكن ما كان يشده أكثر من أي شيء آخر  اسم مارلين مونرو.

عندما دخلوا إلى السينما، جلسوا في المقعد الأمامي، تلاشت الأصوات تدريجيًا بينما أنارت الشاشة البيض. كان الهواء باردًا، لكن الأجواء داخل القاعة كانت دافئة، تنبض بالحياة بألوان الفيلم المتراقصة على الجدران. بدأ الفيلم، وتوالت الأحداث، وظهرت مارلين مونرو على الشاشة، فاتنة وجذابة كما كانت دائمًا في كل الصور التي رآها عنها.لكن ما حدث بعد ذلك كان مفاجئًا. عندما رآها تتمايل أمام الكاميرا بابتسامتها المبهرة، شعر بشيء غريب في داخله، وكأنها ليست مجرد امرأة على الشاشة، بل  الجنية التي طالما حلم بها. في تلك اللحظة، تداخلت الصورة التي كان يحملها في رأسه عن جنيات شط الغراف مع ما يراه أمامه. مارلين مونرو، في سحرها المثير، جعلته يعتقد أنها هي نفسها واحدة من تلك الكائنات التي تتلاعب بالزمن وتعيش في مياه النهر.كان يتأمل كل حركة تقوم بها مونرو، يحاول أن يربطها بجنيات شط الغراف اللواتي كان يعتقد أنهن يسكنّ بين جداول الماء والضوء الخافت. فكّر لوهلة أن مارلين ليست مجرد ممثلة في فيلم كوميدي، بل هي نوع آخر من الجنيات، تمثل سحرًا خاصًا يتخطى حدود الزمان والمكان. تلك النظرة الخاطفة، تلك الابتسامة المليئة بالأسرار، كانت كافية لإشعاره وكأنها تلك الجنية التي طالما حلم بها، التي تتجسد أمامه في كل صورة أو مشهد.بينما استمر الفيلم في العرض، بدأ ينسى كل شيء حوله. فقط مارلين كانت تسكن في ذهنه، كل حركة منها، كل ضحكة، كل نظرة. في خياله، كانت تتحول إلى كائن من عالم مختلف، عالم من الأساطير والخيال، كانت تلك اللحظة التي تداخل فيها الزمان والمكان، وكأن السينما كانت طريقًا مختصرًا له للوصول إلى أحلامه.بينما انتهى الفيلم، بقيت الصورة العالقة في ذهنه، مارلين مونرو تبتسم له من الشاشة، وكأنها تقول له، كما كانت تقول له جنيات شط الغراف، “لا تخف، فالحياة مليئة بالعجائب، وكل شيء ممكن.”حين غادروا السينما، كان يشعر بشيء جديد يغمره، نوع من السحر الذي لا يمكن تفسيره، وكأن تلك الجنية التي كان يحلم بلقائها قد أصبحت جزءًا من حياته. في أحد الأيام، بينما كان يتجول في أحد شوارع القاهرة، مرّ أمامه منزل قديم يتمتع بجو من الهدوء والمراقبة الخفية. لم يكن يعرف السبب، لكن قلبه بدأ ينبض بشكل مختلف، وكأن هنالك شيء مخفي في هذا المكان.

كانت الأبواب نصف مفتوحة والنوافذ تشع بضوء الشمس الذهبي، حينما لفت انتباهه شيء آخر: فتاة تقف عند النافذة، تراقب المارة بعيونها اللامعة، عيون تشبه عيون الجنيات التي كانت تساوره في أحلامه. كانت ابتسامتها خفيفة، لكنها لم تكن لتخفي الفضول الذي ينبعث منها.تقدّم خطوة نحو الباب، وفي لحظة خاطفة، تبادل معها نظرة طويلة، ولاحظ كيف أضاء وجهها مع كل حركة خفيفة لها. كانت تلك الفتاة، ابنة الجيران كما أخبره أحدهم فيما بعد، تظهر معه لأول مرة وكأنها جزء من أحد الأفلام التي طالما كان يراها، شخصية جذابة مليئة بالأسرار التي لن يستطيع اكتشافها بسهولة.

وما لبثت أن ابتسمت له ابتسامة صغيرة، خاطفة، وكان ذلك كافياً لإشعال شعلة من الفضول في قلبه. في ذلك اللحظة، شعر وكأن الحياة تفتح أمامه بابًا جديدًا، في عالم لم يكن يتوقعه. شعرت الفتاة بنظراته، فأحنت رأسها برقة، ثم ابتسمت بتهذيب، وأشارت له بيدها كي يقترب.اقترب منها بحذر، مع قلب ينبض بشدة كما لو كان في مشهد درامي من أحد الأفلام. قالت بصوت هادئ، مع نبرة غامضة: “أنت هنا لأول مرة، أليس كذلك؟”

أجابها بصوت متردد: “نعم، جئت فقط منذ أيام.”

ابتسمت مجددًا، تلك الابتسامة التي تحمل شيء من التحدي والأسرار. تابعت حديثها قائلة: “وأنا أعتقد أنك قادم من مكان بعيد، أليس كذلك؟ من بغداد أو ربما من عالم آخر؟”

كانت كلماتها تلامس شيئًا في داخله، وكأنها تفتح له نافذة جديدة. شعر أنه لا يستطيع الرد بكلمات عادلة، لكن عينيه كانتا تتحدثان بطريقته الخاصة، كان هناك شيء في نظراته يقول لها إنه يعرف أكثر مما يظهر.واستمرت كلماتها تتوالى، كانت غزلًا خفيفًا، مليئًا بالإغراء دون أن تظهر بشكل مباشر. كل كلمة كانت تحمل في طياتها سرًا محيرًا، لكن في تلك اللحظات، لم يكن يريد شيئًا سوى أن يتبعها في هذا الحوار الصامت. “ما الذي تبحث عنه؟” سألته الفتاة، وكأنها تدعوه للغوص أكثر في هذا العميق الذي يتسع أمامه.حاول أن يبتسم، لكنه لم يستطع. كان فمه يعجز عن الخروج بأي كلمات واضحة، فقط كان يحس بأن هناك شيء غريب في هذه اللحظة. شيئًا من دون تفسير. وكأن تلك الفتاة هي الحلم الذي كان يبحث عنه في مدن بعيدة، في بحر من الغموض، وهي جزء من الفيلم الذي طالما كان يتمنى أن يكون جزءًا منه.لكن قبل أن يتمكن من الرد، اختفت الفتاة وراء الباب، تاركة إياه يقف في منتصف الطريق، مشدودًا إلى هذا الشعور الذي لا يستطيع تفسيره. بينما كان يقضي أيامه في القاهرة، تتالت الأحداث وتغيرت زوايا حياته بشكل مفاجئ. لم يكن يعرف حينها أن الخطوة التالية التي سيخطوها ستفتح أمامه عالماً جديداً، عالماً مليئاً بالألوان والأصوات والشخصيات التي تحاكي حقيقة الحياة بأبعادها المختلفة. كان يجلس في أحد المقاهي القديمة التي كانت تحيط بها رائحة القهوة والتبغ، عندما التقى لأول مرة بشخصية غيرت مجرى أيامه.كان لويجي براندلوا، أستاذ المسرح الإيطالي الذي كان في زيارة للقاهرة لإقامة ورش عمل، قد مر من أمامه وهو يحمل مجموعة من الكتب والمخطوطات. كان يلفت النظر بشخصيته الفاتنة والمثيرة، وعيناه اللتان تشعان بالحكمة والتجارب. لحظة التقاء عيونهم كانت كفيلة بتغيير الكثير، وكأن هناك تلاقٍ غير مرئي بينهما، حيث شعر أن شيئًا ما سينكشف.جلس لويجي براندلوا إلى طاولته، وبدأ الحديث عن المسرح الذي كان يشبه له كل شيء غامض ومثير. بدأ يشرح كيف أن المسرح ليس مجرد أداء على خشبة، بل هو عالم كامل يحتوي على كل شيء: الحب، الموت، الحرية، والأمل، وكل ما يصعب على الإنسان التعبير عنه بالكلمات فقط.المسرح هو الذي يعيد رسم الحياة بطرق لم تكن لتراها من قبل”، قال لويجي، وهو يبتسم ابتسامة عميقة. كانت كلماته تتخلل عقله كشرارة كهربائية، وكلما تتابع حديثه، كان يشعر بأنه يعبر عن شيء كان مفقودًا في حياته.كان لويجي يتحدث عن المسرح ليس فقط كفن، بل كأداة لفهم الحياة، وكيف أن كل شخصية على خشبة المسرح تحمل في داخلها جزءاً من الإنسان نفسه، من مشاعره وأحلامه، من صراعاته الداخلية واحتياجاته.

كانت كلمات لويجي كفيلة بأن تفتح أمامه نافذة جديدة، نافذة من خلال ضوء المسرح، التي تسمح له بالتساؤل عن حياته، وعن نفسه.

“ليس المسرح مجرد تمثيل أدوار، بل هو استكشاف لجوانب لا يمكن أن تلتقطها العين العادية. عليك أن تكون جزءًا من هذا العالم، أن تتنفسه، أن تعيشه حتى لو للحظات”، أضاف لويجي وهو يشير إلى مجموعة من النصوص التي كان يحملها.

مع مرور الأيام، بدأ يتعمق أكثر في عوالم المسرح التي اكتشفها من خلال لويجي. لم يكن مجرد فنان أو متفرج، بل أصبح يعتقد أن المسرح هو الحقيقة المخفية التي يمكن للإنسان أن يراها إذا نظر إلى عمق الأشياء. بدأ يقرأ نصوص المسرحيات الكبرى، مثل تلك التي كتبها شكسبير، وسارتر، وبرشت، ويكتشف كيف أن كل كلمة على الخشبة تحمل وزناً ثقيلًا من المعاني.وبينما كان يتنقل بين المسرحيات المختلفة، شعر وكأن العالم الذي كان يراه من قبل كان مجرد خيال مقارنة بالعالم الذي اكتشفه من خلال المسرح. كانت حياته تتحول تدريجياً إلى مسرحية من نوع خاص، مليئة بالمفاجآت، والكلمات التي لم تُقال بعد، واللحظات التي تنتظر من يكشف عنها.وكان لويجي براندلوا، بصوته العميق وحركاته المفعمة بالحياة، قد زرع في داخله حبًا عميقًا لهذا الفن الذي لا يتوقف عن التحول. ،حين وصل إلى مدينة الطين، كانت الأرض التي تطأها قدماه تتناثر منها رائحة الطين والمطر. كانت المدينة كما لو أنها خرجت من إحدى الحكايات القديمة، مدينة مبنية على الوهم والحقيقة، مليئة بالحكايات التي لا تنتهي. لم يكن يعلم تمامًا ما الذي يبحث عنه هناك، لكن شيئًا في داخله كان يدفعه للبحث في هذه المدينة عن شيء ما، عن بداية جديدة.

كان كل شيء في مدينة الطين يبدو غريبًا. البيوت، الشوارع، الناس الذين يبدون كما لو أنهم غارقون في عوالمهم الخاصة، لا يكترثون بما يدور حولهم. لكنها كانت المدينة التي استقبلته، مدينة لا تعترف بالزمن، ولا تعرف حدودًا للواقع. وقد شعر وكأن القدر أراده أن يكون جزءًا من هذه المدينة المبعثرة بين الحقيقة والخيال.في البداية، كان يواجه الوحدة والعزلة التي كانت تطارده طوال حياته. لكنه في تلك المدينة، بدأ يشعر أن شيئًا جديدًا يمكن أن يولد. بين أزقة المدينة الضيقة، في أحد المقاهي المهجورة، التقى بأشخاص كسروا رتابة حياته، وفتحوا أمامه أبواباً جديدة. كان من بينهم فنانين وحرفيين، أغلبهم يعيشون على هامش الحياة، لكن لديهم شيئًا مميزًا، شيئًا كان يفتقده طوال سنوات عمره: الشجاعة.وفي تلك اللحظات، قرر أن يُؤسس أول فرقة مسرحية له في المدينة. كانت الفكرة غريبة، لكن الحماسة التي  تملأ قلبه جعلته يتجاوز كل مخاوفه.  المدينة تعج بالحكايات الشعبية، والأساطير التي مر عليها الزمن، لكنه شعر أنه إذا استطاع أن يخلق شيئًا جديدًا من هذا الخليط العجيب من الماضي والحاضر، سيكون قد أسس لشيء لا مثيل له.  المسرح بالنسبة له الهروب من هذا العبث الذي يعيشه،  يريد أن يخلق عالمًا جديدًا يلتقي فيه الناس، ينقل لهم من خلاله كل ما مر به.

بدأت الفرقة تتشكل ببطء، بعض الأصدقاء الذين التقى بهم في المقاهي القديمة، وبعض الوجوه المألوفة من المدينة التي نمت فيها الأساطير. كان يكتب النصوص بنفسه، ويرسم على الورق شخصيات غريبة، متداخلة، تُحاكي صورًا من حياتهم في المدينة التي لا تملك ملامح ثابتة. لكن كان هنالك شيء غريب في هذا العمل، شيء غير تقليدي، فقد كانت النصوص مليئة بالجنون، كانت تتحدث عن أشخاص قد خسروا عقلياتهم بسبب ضغوط الحياة، أو بسبب غموض هذا العالم.أطلق على الفرقة اسم “فرقة الطين”، وهي التسمية التي حملت دلالات عميقة في ذهنه، فهي تعبر عن مادة الأرض التي يمكن أن تُصنع منها الأشياء، كما تعكس الحالة المتشابكة التي يعيشها الناس في هذه المدينة. كانت العروض التي يقدمونها في البداية صغيرة، لكنها بدأت تجذب الناس، أولئك الذين كانوا يختبئون في زوايا المدينة، من خلال مشهد واحد أو كلمة غير متوقعة كانت تنقض على أفكارهم التقليدية.ومع كل عرض، كان يزداد تعلقه بهذا العالم الجديد، عالم المسرح الذي جمع فيه الجنون والواقع معًا. كان المسرح هو ملجأه الوحيد، حيث يروي للعالم حكاية “الولد المجنون” الذي هرب من الحياة ليجد نفسه في قلب مدينة الطين، حيث لا يهم من أين أتى ولا إلى أين سيذهب، بقدر ما يهم أن يعيش اللحظة بكل جنونها وأحلامها.وكان هذا الفصل في حياته، بمثابة خطوة أخرى في مسار طويل، لكن هذه المرة كان في يداه خشبة مسرح، وكان أمامه جمهور يترقب ما سيحدث، وهو يعلم أن المسرح قد أصبح أكثر من مجرد وسيلة للتعبير، بل أصبح هو نفسه الحياة التي اختار أن يعيشها بكل جنونها. ومع مرور الوقت، بدأت “فرقة الطين” تأخذ شكلًا مختلفًا، أكثر تعقيدًا وثراءً. بدأ الأعضاء في الفرقة يتقنون فنون المسرح بأبعاده المتعددة؛ من التمثيل إلى الإضاءة، إلى استخدام الصوت والديكور. كانت العروض تتسم بكثير من التجريب والتمرد على القواعد التقليدية، في محاولة لتقديم مسرح لا يتبع الأطر المعتادة.

: في كل عرض، كان الجمهور يتفاعل بشكل غير متوقع، يتوقف في منتصف القاعة، يتنهد، أو حتى يضحك بشكل هستيري. كان المسرح يشبه الحياة بكل تناقضاتها، حيث الفوضى تلتقي بالتناغم، والضوضاء تتحول إلى موسيقى.لكن وسط كل هذا، بدأ “الولد المجنون”، الذي كان هو ذاته في أحيان كثيرة، يشك في مستقبله. كانت التحديات تتوالى عليه من كل جانب. كان أحيانًا يشعر أنه يعيد تكرار نفس الحكايات، ويغرق في دوامة من الأسئلة حول ما إذا كان هذا هو ما يريده حقًا. لكنه في كل مرة كانت العروض تنجح، كان قلبه ينبض بحياة جديدة، وكأن المسرح هو الطريقة الوحيدة التي يمكنه من خلالها تفسير هذا الجنون الداخلي الذي يعيشه.

وفي إحدى الأمسيات، بينما كان يتمرن على دور جديد في عرض بعنوان “الصمت الذي يعبر عن كل شيء”، وقف أمام مرآة خشبية قديمة، محاطًا بأجواء المدينة التي كانت تتنفس جنونه، وفكر في حكاية الطفل الذي جاء إلى هذه المدينة باحثًا عن ذاته، وقرر أن يكون جزءًا من هذه الحكاية الكبرى. شعر أنه لم يكن مجرد “ولد مجنون”، بل كان جزءًا من المسرح ذاته، جزءًا من هذا الفضاء الذي يمزج الخيال بالواقع، حيث لا مكان للمستحيل.بينما كانت الفرقة تستعد لعرض جديد، بدأ يلتقي مع أشخاص آخرين من خارج المدينة، فنانين، كتّاب، وأدباء جاؤوا لمشاهدة العروض، مما أتاح له فرصة التواصل مع عوالم أخرى، وتبادل الأفكار. كان المسرح بمثابة جسر يربط بينه وبين هؤلاء الذين رأوا فيه شيئًا ما لا يمكن التعبير عنه إلا من خلال هذا الفن المثير.وبينما استمر في بناء عوالمه الخاصة على خشبة المسرح، بدأ يشعر بأن هذه المدينة، على الرغم من فوضويتها، كانت قد وفرت له البيئة المثالية لتكون مصدر إلهام لا ينتهي. كانت شوارعها الطينية، وأزقتها الضيقة، ومقاهيها المظلمة، كلها جزءًا من العرض الذي كان يقدمه لنفسه أولًا قبل أن يقدمه للجمهور. المسرح بالنسبة له لم يكن فقط عن التمثيل، بل عن فهم الحياة نفسها، بكل ما تحمله من تناقضات وأحلام متشابكة.في تلك اللحظة، قرر أن يكتب عرضًا جديدًا، مختلفًا عن كل ما قدمه سابقًا. كان العرض عن مدينة الطين نفسها، عن سكانها، عن حكاياتهم الغريبة والمجنونة. كان يحاول أن يجد لقصصهم نهاية، لكن في النهاية، اكتشف أن المدينة نفسها كانت هي الحكاية، وأنها لم تكن بحاجة إلى نهاية؛ فهي تعيش في استمرار، كما هو الحال في المسرح الذي لا يتوقف عن الحركة.وتمامًا كما بدأ، من على خشبة المسرح، من خلال “فرقة الطين”، كانت تلك الحكاية قد بدأت تصبح جزءًا من حياته إلى الأبد. في تلك المرحلة، التي بدأ فيها كل شيء يتحول إلى مسرح مستمر، كانت الحياة تعرض له أكثر من مجرد مشاهد وحوارات متشابكة. دخلت في حياته شخصيات جديدة، بعضهم جاء ليبقى، وآخرون مروا كظلال، لكن إحدى الشخصيات كانت استثنائية، وكانت هي التي جعلت كل شيء يتغير.

كانت فتاة غريبة الأطوار، تتنقل في الشوارع وكأنها لم تخرج أبدًا من عالم آخر. كانت تحمل في عينيها شحنة من الألغاز، وكأنها تعرف شيء ما لا يعرفه الآخرون. لم يكن أحد يستطيع أن يتنبأ بمشاعرها، أو حتى أن يفهم حديثها أحيانًا، لكنها كانت قادرة على جعل كل من حولها ينجذب إليها بشكل غريب. لم تكن جميلة بالمعايير التقليدية، لكنها كانت تحمل جمالًا غامضًا، يكتشفه كل شخص بطريقة مختلفة.المرة الأولى التي التقيا فيها كانت في أحد الأيام الممطرة، حين كانت تمشي وحدها في الشارع الضيق الذي يلتف حول المدينة. كانت تحمل مظلة قديمة، وعندما اقترب منها، سقطت المظلة على الأرض، وكأن القدر هو الذي ساقهما ليقعا في تلك اللحظة معًا.،“ألا تستطيع أن تحترم الطقس؟” قالت بابتسامة خفيفة على شفتيها، بينما كانت تنظر إليه بطريقة غريبة، كما لو أنها تراه لأول مرة، بينما هو في الحقيقة كان قد رآها عدة مرات من بعيد.تلعثم في البداية، لم يكن يعرف كيف يرد. لكن ابتسامتها كانت تشبه شيئًا كان قد رآه في إحدى مسرحياته، أظهر له شيئًا كان يختبئ في أعماقه، شعورًا لم يكن قد اختبره من قبل.مرت الأيام، ومع كل لقاء بينهما، بدأ يشعر بشيء غريب يتسلل إلى قلبه. كانت تروي له قصصًا عن نفسها، عن حياتها في مدن بعيدة، عن مغامراتها وأفكارها التي كانت تثيره وتجعله يفكر في الكثير من الأشياء التي لم يكن يراها من قبل. كانت أكثر من مجرد فتاة غريبة الأطوار، كانت مفتاحًا لعالم لم يكن يعرفه، وكان كل ما تقدمه له يحمل في طياته تساؤلات، ورغبة في الاستكشاف.علاقتهما كانت مليئة بالمفارقات، حيث كان كل منهما يرى في الآخر جزءًا ناقصًا من نفسه، ولكن لم يكن هناك وعد بالاستمرار، ولا حتى تفسير لهذه العلاقة. كانت مجرد لحظات مشتركة، تمسها الفوضى والغرابة.في الليل، عندما يلتقيان في أحد الأماكن المعتمة خلف المقاهي القديمة، كان يشعر وكأنهما داخل مسرحية تكتب لهما في لحظتها. كانت تتحرك أمامه كظل، كحلم لا يمكن الإمساك به، لكنها كانت تثير فيه رغبة لا يمكنه تفسيرها.

 “أنت لم تفهمني بعد”، قالت له ذات مرة، وهي تبتسم بتلك الابتسامة الغامضة التي  تشبه حيرة في عينيها. “لكن لا بأس، لأننا جميعًا لا نفهم أنفسنا بالكامل”.

كانت تلك هي اللحظة التي عرف فيها أن هذه العلاقة ليست مثل أي علاقة أخرى.  مليئة بالتساؤلات، والشعور بالضياع، لكنها كانت بالنسبة له مثل اكتشاف جديد للأنثى، ليست كما تظهر في الكتب أو المسرحيات، بل كما هي في الحقيقة، غامضة، عميقة، ومليئة بكل ما هو غير مألوف.لكن مع مرور الوقت، بدأ يدرك شيئًا ما. أن تلك العلاقة الغريبة كانت تُبنى على الوهم أكثر مما هي على الواقع. كانت كل لحظة فيها مليئة بالشغف، ولكنها أيضًا مليئة بالخوف من التعلق، والهرب في كل مرة تزداد فيها عمقًا. في النهاية، كما هي الحال في كثير من الأحيان، انتهت العلاقة كما تبدأ الحكايات في المسرح، بتلك اللحظة التي لا يمكن تحديد ما إذا كانت بداية أو نهاية.لكن، رغم كل ذلك، كانت تلك التجربة قد غيّرته. علمته شيئًا عن نفسه وعن علاقاته بالآخرين، وكشفت له جانبًا من الأنثى لم يكن يعرفه من قبل. ومع مرور الأيام، بدأ “الولد المجنون” يكتشف شيئًا أعمق في نفسه، شيئًا كان خافيًا تحت طبقات من الحيرة والضياع. تلك الفتاة، الغريبة الأطوار، قد زرعت في قلبه شغفًا وحيرة كانا يظلان في حالة صراع مستمر. على الرغم من النهاية غير الواضحة التي كانت تهيمن على علاقتهما، إلا أنها تركت له درسًا لا يمكن تجاهله. فالحب، كما اكتشف، ليس دائمًا عن الارتباط الملموس أو التوقعات الثابتة. أحيانًا، يكون عن تلك اللحظات العابرة التي تنكشف فيها أعماق الروح، ويكتشف الإنسان جزءًا جديدًا من ذاته.في تلك العلاقة، لم يكن يملك سوى أسئلة مفتوحة وأحلام غير مكتملة. كان يرى في عينيها كل عالم غامض، كل تاريخ مفقود، لكنه في النهاية كان يشعر أنه يسبح في بحر من الشكوك والخيبات. كانت الكلمات بينهما دائمًا قليلة، لكن لحظات الصمت كانت مليئة بما لا يمكن قوله. وكانت تلك اللحظات أكثر صدقًا من أي حديث آخر.ورغم تراجع علاقتهما، ظل صوتها يتردد في ذهنه، كلما عاد إلى أفكاره المعقدة. كانت قد تركت له أسئلة مفتوحة لم يجد لها إجابة، مثلما يترك المسرح للجمهور أن يفسر النص بطريقته الخاصة. هذه الفتاة، الغريبة في تصرفاتها وحركاتها، كانت تُمثل في نظره كل شيء غير تقليدي، وكل شيء مستحيل. وعندما أصبح وحيدًا في تلك اللحظات التي كان يطوف فيها أزقة المدينة أو يقف أمام شاشة المسرح، كان يتساءل إن كان قد فهمها كما ينبغي، أو إن كان قد ضاع بين عالمين، عالمه وعالمها.وكانت تلك الفتاة قد تعلمه، من حيث لا يدري، أن الحب ليس مجرد شعور عابر، بل هو رحلة تبحث عن معنى وسط بحر من العواطف المتضاربة. علّمه أن الفهم الكامل للمشاعر ليس سهلًا، وأنه في كثير من الأحيان، ربما نحتاج إلى قبول اللغز كما هو، دون محاولة جادة لحله. هذا هو ما جعله يستمر في العيش، يتنقل بين عالمه وعالمها، بين مسرحه وحياته، كأنه في رحلة دائمة لا تبدأ ولا تنتهي.حين تعثرت قدمه في أول خطواته نحو الحب، لم يعرف أن الكلمات التي يتبعها ستكون أوسع من السطر، وأعظم من الحروف. شعر بشيء غير مألوف ينبض في صدره، كما لو أن الكون بأسره يلتف حوله ليكتب قصيدة لم يكن يعلم أنها ستولد في قلبه، ثمّ تخرج بين يديه على شكل كلمات من طين الشوق.في تلك اللحظة، كتب:—أنتِ أولى الكلمات،حين نزلتِ من السماء،

أنتِ الحروف التي لم تُلفظ بعد،

وأنا الفم الذي يهيم بالحروف،

أنتِ سطر غير مكتمل،أنا الكاتب الذي يرتجف لملء الفراغات.

أنتِ النبض الذي ضاعف صمتي،والعين التي أضاءت أفقاً كان مظلماً،أنتِ الوصل الذي لا ينتهي،والرحلة التي تبدأ من عينيكِ ولا تنتهي.أنتِ أول الحب الذي لا يمكن شرحه،وأنتِ آخره الذي لن نحتاج إلى تفسيره.

في حضنكِ، أتأكد أن الحب ليس شعوراً، هو وجود لحياة كاملة!!

كتب  القصيدة في خلسة، كمن يسرق لحظة غير مدروسة، لكنه شعر في أعماقه بأنها ستكون بداية حكاية جديدة. حكاية عن حب لم يتحدث عنه أحد من قبل. ماتت (فطيم وحيلي)، كما يختفي الضوء حين يسقط النهار في حضن الليل. رحيلها كان صمتًا أعمق من البحر، ووجعًا لا يمكن تفسيره إلا بمرآة الزمن التي لا تعكس إلا الخيبة. في لحظة واحدة، فقد كل شيء كان يحمله عن ظهر قلب، كل ملامح الطفولة التي علقت في ذهنه كما لو كانت صورًا تذوب تحت حرارة الشمس.حين رحلت، شعر وكأن كل شيء قد انهار. لم يكن فقدانها مجرد فقدان شخص، بل كان فقدان للحياة نفسها، للأمان الذي كان يجد فيه نفسه. كان يشعر كما لو أن أحدًا قد انتزع منه الجزء الوحيد الذي كان يمنحه الراحة في عالم مليء بالفوضى.

ظل وحيدًا، محاصرًا بين أطياف الماضي وضباب الحاضر. نهر الغراف الذي كان يراه مكانًا يعيد فيه نفسه الآن، بات فارغًا، لا يحمل سوى ذكرى الأم التي لم يعد يسمع صوتها حين يمر به، أو حكاياتها التي كانت تُشعل أفقه. كان يتساءل بينه وبين نفسه: كيف يمكن أن تموت (فطيم وحيلي)، كيف يمكن أن تتركه وحيدًا مع ذكرياته؟

لم تكن الدموع هي الجواب، ولا كانت الأحلام التي تخطّها يديه. كان الحل الوحيد هو أن يذهب في مغامرة جديدة، في رحلة لا نهاية لها.

في أعماقه، كانت ثمة رغبة في الهروب إلى مكان آخر، إلى زمان آخر، حيث يمكن أن يعيد ترتيب العالم من جديد، يجد حلاً للمفارقات التي  تلاحقه.لكن قلبه  ينزف بصمت. مع رحيل. (فطيم وحيلي)، دخل في دائرة من الضياع العميق،  يطفو على سطح الحياة  لا شيء يربطه بالأرض التي يقف عليها. كل شيء حوله أصبح خاليًا من المعنى.  يمر أمام الأماكن التي  يحبها، لكن لم يعد يشعر بأي دلالة فيها،  يمر في الطرقات كما لو أنه شبح، يلوح له الماضي ويهرب منه في الوقت ذاته.في تلك الأيام التي سادت فيها العتمة، بدأ يستعيد في ذهنه حكاياتها، كلماتها التي  تملأ مساحات قلبه. كانت فطيم،  السيدة التي جسدت في قلبه الأمان، وأمّه التي  زرعت في نفسه بذور الفرح رغم ضيق الحياة. قد رحلت، تاركة اياه في مواجهة أسئلة لا جواب لها، أمام عالم مليء بالفراغ. عزلة غير قابلة للمسح. كلما فكر في العودة إلى ذاته، وجدها يبتعد أكثر. ومع ذلك، بدأ يكتشف شيئًا غريبًا. بدأ يشعر أن ثمة قوة ما في الألم، شيء يربطه بالحياة رغم فراقها.  يشعر وكأن اللحظات التي عاشها مع (فطيم وحيلي) تترك أثراً خفيًا في قلبه، يجعله يلتقط ألوان الحياة التي  تختبئ في الزوايا المظلمة

عندما كانت الوحدة تُشعره بالضيق،  يذهب إلى مكان بعيد حيث النهر الملوث الذي  يعرفه منذ أيام طفولته. هناك، وفي صمت الماء، يرى صورًا باهتة (فطيم وحيلي)، تتراقص على سطح الماء، كما لو أنها لم ترحل أبدًا.  الأصوات التي يظن أنه سمعها بين جنيّات الشط تعود إليه، ولكنه الآن يراهن في صور جديدة، أكثر وضوحًا. ربما  الوهم هو الذي يعيد إليه الأمل،  أصبح يقبله بكل طواعية، لأنه لا يجد من يصغي.لم يك الوقت كافيًا ليُداوي جراحه.  يخرج كل يوم في رحلة صغيرة إلى حافة الحياة، محاولًا ايجاد مكانًا يمسح فيه غبار الحزن، لكن الحقيقة  واضحة؛ لا شيء يملأ الفراغ. في كل مرة  يتساءل: هل يمكن للروح أن تجد سلامًا في غياب من كانت تسكنه؟  هوسه بالإناث يتسرب إلى أعماقه كما لو أنه جزء من كينونته، شيء يملأ فراغًا داخليًا لم يك يعرف كيف يملؤه. كل نظرة، كل لمسة، كل كلمة كانت تأتيه محملة بأحلام وتصورات لا تشبع.  الأنثى في عينيه تمثل المجهول، القوة الغامضة التي يمكن أن تملأ حياته بما يعجز عن فهمه. تزدحم صورهن في ذهنه كأشباح، كل واحدة منهن تحمل شيئًا مختلفًا عن الأخرى، كل واحدة منهُنَّ تشبه لحظة من الزمن أو مشهدًا تمنى لو استمر  الى الأبد. لكن، مع هذا الهوس،  يشعر بتعاسة غريبة، وكأن الاندفاع وراءهن هو الذي يُبعده عن ذاته. كان يقف في مكان آخر، مكان يعج بالكراهية.  كراهية الأب شيئًا يلاحقه مثل كابوس. الأب، الذي  يراه مجرد صورة صامتة من العجز، كان في نظره تجسيدًا للضياع، لم يك يراه إلا رمزًا للخذلان. الرجل الذي  من المفترض أن يكون قدوة، لم يك سوى كتلة من اللامبالاة والفتور، لم يمنحه أبدًا شيئًا سوى الحزن. يشعر وكأن  الرجل الذي يقال إنه “أب”  يمثل معادلة مفقودة،  الفشل الذي يتخبط فيه دون أن يعترف به. كرهه  يتسرب إلى أعماقه، لكن تلك الكراهية  تتأجج أكثر عندما يراه يمر في حياته مثل ظل باهت، لا يهتم إلا بنفسه، ولا يقدّر قيمة ما  يحاول ابنه أن يراه.  يشم رائحة الخيبة في عينيه، ومع كل كلمة له،  تزيد المسافة بينه وبين أي صورة “أب” يمكن أن يتخيلها.وفي كل لحظة  يشعر أن  الهوس بالإناث، البحث الدائم عن شيء غير معروف،  يهدف إلى الهروب من تلك الكراهية، هروبًا لا يوقفه سوى الاندفاع أكثر في ما هو خطأ،  لم يك يملك القدرة على التراجع. ربما  يريد في قرارة نفسه أن يجد الحب الحقيقي، الحب الذي يحل محل الكراهية، لكنه  يضل الطريق، يلاحق الخيال ولا يلتفت إلى الحقيقة التي  تهمس له في كل لحظة.  الحياة أمامه تمضي مثل مرآة مشوهة، مليئة بالصور الملتوية والمشاعر المتناقضة. لم يك يعرف كيف يضع قدميه في الطريق الصحيح،  يركض وراء علاقات سرابية، يبحث عن شيء مفقود داخل نفسه، وبينما  يظن أن الأنثى قد تكون الجواب، كانت تظل غير قادرة على ملء الفراغ الذي تركه الأب.  يرى فيهن شيئًا بعيدًا عن ذاته، لا يستطيع الإمساك به، لكنه لا يتوقف عن البحث، يلاحق الأمل المتوهّم على أمل أن يجد فيه شيئًا يعوضه عن فقدانه للأب، وتضاؤل مشاعره تجاهه. علاقاته بالإناث تتراوح بين الهوس والهروب، يقترب منهن بحذر، ثم يبتعد في لحظة واحدة، محملاً بمزيج من التوق والشك. في كل امرأة  يرى شيئًا من تلك الصورة الضبابية التي رسمها في ذهنه عن الحب، ولكنه لم يك قادرًا على الوقوع فيه تمامًا.  يبحث عن شيء فيهن، ربما لم تمنحه فطيم شيئا من حنان في طفولته، ربما أمل في أن يجد فيهن الأمان الذي لم يجده في يد الأب الباردة.ومع كل علاقة جديدة، كانت الكراهية تجاه الأب تتجذر أكثر.  يشعر أن الأب كان دائمًا هناك، يظل جزءًا من معادلة غامضة لا يريد حلها. هذا الرجل الذي لم يقدم له شيئًا سوى التخاذل،  يعكس في نظره فشل الحياة نفسها.  الكراهية تزداد أكثر حين  يتخيل الأب في لحظاته الضعيفة، في صمته الطويل، في غيابه التام عن مشاركته في لحظات مفصلية من حياته.  هذه الصورة تزداد وضوحًا في ذهنه، ولا يمكنه أن يراها إلا من خلال عدسة مشوهة من الغضب والخذلان.في كل مرة  يفكر في هذا اللغز الذي لم يك له حل،  يرى نفسه ضائعًا أكثر. يجد في النساء راحة مؤقتة، في كلماتهن، في ضحكاتهن، في أنفاسهن التي تُلهب روحه المشتاقة، لكنه  يعلم في أعماقه أن هذا الهوس لن يقوده إلى شيء سوى المزيد من الضياع.  الهروب من الأب أصبح مثل دائرة لا نهاية لها، يحاول الخروج منها ولكنه يعود إليها في كل مرة، تزداد حدة سعيه وراء الحب ليملأ فراغًا داخليًا لا يمكنه تسميته.

في تلك اللحظات، عندما  تصبح الحياة أكثر ظلمًا،  يحاول أستجماع شجاعته ليواجه نفسه. ولكن كلما اقترب من هذه الحقيقة، كلما زادت رغبته في الهروب أكثر.

مشاركة:
شوقي كريم حسن
شوقي كريم حسن

قاص وكاتب عراقي.

آخر تحديث: ٣ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٨:٥١ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

إِيلُوهِيمُ القَفَص: هَذَيَانُ الرِّيشِ أَمَامَ آلِهَةِ الفُولَاذ
سرد

إِيلُوهِيمُ القَفَص: هَذَيَانُ الرِّيشِ أَمَامَ آلِهَةِ الفُولَاذ

اللوح الأول: رقيمُ السِّلكِ وتَقْدِيسُ الرَّحِمِ العَاقِر تبدأ الحكايةُ دائمًا من اعترافٍ صلبٍ: إنّ ما يجري في جوف هذا القفص السلكي ليس مجرد هزلٍ مسرحيّ عابر، ولا رتابة بيولوجية بريئة، بل هو طقسٌ كهنوتيّ مُحنّط، يعيد إنتاجَ حماقته بانتظامٍ ميكانيكيّ مريب؛ كأنّ الزمن موظفٌ أزليّ كسيح في ديوان بابل…

· 7 د
لحظة حب
سرد

لحظة حب

صحيح أنك تأخرت عن اللقاء... ورغم انتظاري قرب تلك الشجرة التي طالما عشقناها... تلك التي تسمع حديثنا ولا تشي به لأحد... على أية حال، تركت لك رسالة على جذعها، اقرأها إن حضرت... اقرأها بقلبك قبل عينيك، فالحروف لم تُكتب بحبرٍ مجرد، بل بنبضٍ أرهقه طول الانتظار. كتبتُ لك عن البرد الذي تسلل إلى أطرافي،…

· 2 د
إلى أين نمضي؟
سرد

إلى أين نمضي؟

في تلك الليلة، لم تكن الحرب مجرد صوت بعيد. كانت حاضرة في كل شيء: في وقع القذائف التي تهز الصفائح المعدنية التي تغطي المواضع الدفاعية، وفي ارتجاج الأرض تحت القدمين، وفي ذلك الغبار الذي يجتاح المكان بعد سقوط تلك القذائف، وفي ذلك الصمت المريب الذي يسبق وصول الأوامر. كان الضابط، آمر السرية، يعرف أن…

· 6 د