انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

أنه القدر..

د. لبنى عبد العزيز الغصين
د. لبنى عبد العزيز الغصين

أكاديمية وكاتبة فلسطينية

5 دقائق للقراءة
32 مشاهدة
أنه القدر..
مشاركة:

عزيزي القاريء ..أود أن ألفت نظرك إلى انه لا علاقة لي بما تقرأه هنا من أحداث أو من تقابلهم من أشخاص ..

أنا لست سوى كاتب قصص أكتب ما يطلب مني أصدقائي الطيبون المخدوعون بي، الذين يظنون أني أمتلك قلما قادرا على صياغة الجمل الأدبية ..وإلباس الأحداث نسيجا إبداعيا أدبيا ..فيحكون لي قصصهم كي أقدمها لكم في قالبها القصصي ...

أرجوكم لا تشفقوا أو  تنقموا علي أنا .. ولا تحاسبوني أو تتعاطفوا معي ..كونوا مع القصة وأصحابها ..أما أنا فلست سوى راوٍ تعبر من خلاله الكلمات .

حكايتي اليوم عن تلك الطفلة الصغيرة ذات الأعوام الثمانية ..والروح الحزينة ..والدموع المترقرقة في عينيها الواسعتين العسليتين.(داليا)...

داليا طفلة تجاوزت ربيعها الثامن ببضعة أشهر

،كانت تعاني وبصمت شوقا جارفا لأمها التي ذهبت في زيارة إجبارية لأهلها في موطنها.

ما زالت تستذكر داليا ذلك الصباح الحزين الذي استيقظت فيه فوجدت أمها تقف أمام خزانة ملابسها وتخرج ملابسا سوداء ،سألتها بفضول طفولي بريء

- لما تخرجين هذه الملابس ماما؟

أجابت بصوت لا يكاد يسمع.

- لأرتديها

- ولماذا؟

ومن خلال دموع أمها جاءها الجواب الحزين

- جدتك توفيت.!!

لم يشكل لها الأمر فارقا كبيرا ..فهي لم تر جدتها إلا في الصيف قبل الماضي عندما ذهبوا في زيارة إلى بلد أمها .ولم تكن لتحزن عليها لولا دموع أمها.

في اليوم الثاني كانت الأسرة في طريقها إلى المطار ؛فالأم ستسافر لتحضر عزاء أمها .وتكون إلى جوار أبيها وإخوتها في هذا المصاب.

كانت الأم  تحاول أن تظهر صبرا وتماسكا ،فطلبت منهم أن يذكروا لها ماذا يحبون أن تحضر لهم عند رجوعها.

قالت داليا:

-أريد فانوس رمضان كذلك الفانوس الذي اشترته لي جدتي

أما اخوها فكان مطلبه علبة كبيرة من (حلوى المولد)..تلك الحلوى التي كان يعشقها كثيرا .

التفتت الأم إلى  زوجها الذي كان يستمع بصمت وهو يقود السيارة وسألته:

- وأنت ماالذي ترغب فيه ..ماذا أحضر لك عند عودتي ؟

أجابها دون أن يحول عينيه عن الطريق

- لست أريد شيئا..أريدك أن تعودي بالسلامة فقط.

-سلمك الله .

وصلوا إلى المطار ..كانت لحظات فراق موجعة ..كان قلب الام مثقلا حزنا وقهرا لوفاة والدتها

 

وهي في الغربة ..ورحيلها دون أن تراها،أو أن تودعها الوداع الاخير ..كما أنه كان يئن ثقلا وألما لفراق صغيريها اللذين  كانت ترى من خلالهما دنياها كاملة.

احتضنتهما في لحظة وقف الزمن عندها ..وسجلتها الأقدار بدموع عينيها.ثم أرسلتهما وقد قسمت قلبها شطرين، وزرعته بين ضلوعهما.

ودعت زوجها بعينين جميلتين تغرق فيهما بحور الكون ،وتميس في زرقتهما أمواج حزن عميق الجذور .وأوصته بالطفلين،ثم غابت في طابور المسافرين.

وفي طريق العودة ...كان الحزن مرتسما علىالوجوه ..والالم يعتصر الأرواح ؛فهذه المرة الأولى التي يفترفون فيها عن والدتهما

 ؛وفي محاولة من ابيهما للتخفيف عنهما أخذهما لشاطىء البحر ..حيث حلى لهما اللعب والجري على الشاطىء ومداعبة أمواج البحر بأقدامهما الصغيرة ...وطفقا ينثران المياه على

 

بعضهما ،حيث أغرقت دمعهافي البحر وخبأت حزنها وشوقها .لتحيا في انتظار اليوم الموعود لعودة أمها بعد أسبوع..

قاسية وثقيلة هي أيام الانتظار، تتحول فيها الساعات إلى سكاكين تمزق سكينة الروح..فكيف إذا كانت هذه الروح روح طفلة وحيدة ..

يمضي النهار بطيئا متثاقلا وهي وحدها في البيت برفقة أخيها وقد غادرهما أبوهما إلى عمله منذ الصباح .ثم لا يلبث أخوها أن يخرج للعب مع أصحابه تاركا إياها مع جدران البيت ..وطيف أمها.

كانت تسترجع الذكريات وتستعيد كلمات امها

- لن أطيل الغياب ..بضعة أيام وأعود اليكم.

وهي توميء برأسها في صمت واستسلام.

مرت الأيام ..وانتهى الأسبوع ،ولحقه يوم ..وليلة ويوم آخر وليلة أخرى ..ثم صار الأسبوع أسبوعين ..

 

ولم تعد أمها!!!

كانت تلجأ للبكاء وحيدة ..لم تكن تجيد الاختباء إلا في الحمام حيث تبكي بصمت ،كانت تخشى التعبير عن حزنها ..عن شوقها ..عن وجعها ..لسبب هي تعرفه جيدا.

وذات يوم تملكها الشوق وعصف بها الحنين ،كانت في البيت الكبير وحدها ،تطيف بها ذكريات أمها ويحوم حولها طيف أمها،فهي في المطبخ تعد لهم الخبز في الفرن الكهربائي ..وهنا كانت تحتفل معهاومع صويحباتها الصغيرات بعيد ميلادها ..وماتزال تلك اللعبة الأثيرة تختبيء بين طيات ملابس أمها ..أخفتها عنها لتفاجئها بها يوم العيد ..

أمها هناك في الفناء تجلس بجانب أخيها تحادثه فتركض هي إليهما معلنة تحقيق إنجاز كبير..

- ماما ...لقد نظفت (المجلى)جعلته كهذه .

وتشير إلى غطاء زجاجة عطر معدني ..

ليعترض أخوها في خبث طفولي _

- ولكن هذه ليست نظيفة ..ويمسحها بإصبعه

 

بعد أن بللها بريقه قائلا:

- انظرى ..الآن أصبحت نظيفة.

وتنتصر لها أمها ...

وهنا في ليلة السفر في هذه الغرفة التي طالما شهدت لعبهما ودراستهما وأشياء أٌخر.....كانت تجلس أمها وعمتها ..التي قرأت لأمها الفنجان .

وما زالت تذكر بصورة مشوشة ..تحذير عمتها لأمها من هذا السفر....لكنها لا تعرف لماذا وماذا قالت عمتها !!..وهل استوعبت أمها ما كانت تتحدث به عمتها أم أنها كانت في عالم آخر ..حيث الجثة المسجاة والأخوات النادبات والإخوة الواجمون  والأب المحزون ..هي حقا لا تعرف!!

لم تشعر إلا واخوها أمامها يسألها :

- لماذا تبكين ؟

- لاشيء...بطني تؤلمني

- لست صادقة أنت تكذبين

- كلا ...أنا لا أكذب! بطني تؤلمني.

 - بل تكذبين ..أنت تبكين على ماما !

 كان قادرا على معرفة سبب بكائها ..فهما يحملان الوجع ذاته، ويتعذبان بالشوق والحنين عينه

لم تجد بدا من الاعتراف .

- نعم اشتقت لماما ..!!

ومن خلال دموعها رجته ..

- لكن لا تخبر بابا ..لا تقل له إني أبكي لأجل ماما.

- حسنا لن أخبره .

اطمئنت لوعده ..فأطلقت لحزنها العنان يتساقط دمعا من عينيها ،..وحمما في جوفها

لم تمض فترة طويلة ..وعاد الأب من عمله ..كانت تجلس كقطة صغيرة على سريرها ..

عندما دخل أبوها عليها يحمل طبقا من العنب الأسود ..وقد غسله وما زالت حبات المياه

 

تتراقص فوق حبات العنب ..

رأى وجهها الباكي، سألها عن سبب بكائها،

لجأت للكذبة التي أدمنتها

- بطني تؤلمني .

كان أخوها ينتظر هذا الجواب ليبادر قائلا.

- كلا..إنها تكذب ...هي تبكي تريد ماما!!

تهاوى السند ..وتلاشت الثقة ..وذاقت معنى الخذلان لأول مرة في عمرها الغض.

أما أخوها فلم يقصد الإساءة ..لكنه أراد أن ينفث النار التى تأكل قلبه على مهل وبصمت، دون أن يصدر آهة واحدة ،لم يجرؤ على السؤال عن عودة أمه، أو أن يعلن اشتياقه لها؛فقد كان الشوق والحنين والحب، من مثالب الرجولة في عرف أبيه حتى وإن كان الشوق للأم ..حتى وإن كانت الرجولة تحبو على مشارف الثانية عشر ربيعا.

بهدوء صلب...وحزم بارد..جاءها الجواب

-أمكم لن ترجع فقد طلقتها !!!

تناولوا هذا العنب إنه لذيذ.

***

عذرا ..لا تصب جام غضبك علي عزيزي القارىء

أنا لست قاسيا .ولم أنسج خيوط القدر..

نعم ..مصيب أنت في كل ما شعرت به وتألمت لأجله

نعم كان هذا أول صفعة خذلان

وأول كسرة غدر

وأول نار فراق

كان محرقة لروحها البريئة الطاهرة

لكن لم أكن أنا من أشعلها..

(إنه القدر).

مشاركة:

آخر تحديث: ٨ أيلول ٢٠٢٦ في ١٠:٤٣ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

إِيلُوهِيمُ القَفَص: هَذَيَانُ الرِّيشِ أَمَامَ آلِهَةِ الفُولَاذ
سرد

إِيلُوهِيمُ القَفَص: هَذَيَانُ الرِّيشِ أَمَامَ آلِهَةِ الفُولَاذ

اللوح الأول: رقيمُ السِّلكِ وتَقْدِيسُ الرَّحِمِ العَاقِر تبدأ الحكايةُ دائمًا من اعترافٍ صلبٍ: إنّ ما يجري في جوف هذا القفص السلكي ليس مجرد هزلٍ مسرحيّ عابر، ولا رتابة بيولوجية بريئة، بل هو طقسٌ كهنوتيّ مُحنّط، يعيد إنتاجَ حماقته بانتظامٍ ميكانيكيّ مريب؛ كأنّ الزمن موظفٌ أزليّ كسيح في ديوان بابل…

· 7 د
لحظة حب
سرد

لحظة حب

صحيح أنك تأخرت عن اللقاء... ورغم انتظاري قرب تلك الشجرة التي طالما عشقناها... تلك التي تسمع حديثنا ولا تشي به لأحد... على أية حال، تركت لك رسالة على جذعها، اقرأها إن حضرت... اقرأها بقلبك قبل عينيك، فالحروف لم تُكتب بحبرٍ مجرد، بل بنبضٍ أرهقه طول الانتظار. كتبتُ لك عن البرد الذي تسلل إلى أطرافي،…

· 2 د
إلى أين نمضي؟
سرد

إلى أين نمضي؟

في تلك الليلة، لم تكن الحرب مجرد صوت بعيد. كانت حاضرة في كل شيء: في وقع القذائف التي تهز الصفائح المعدنية التي تغطي المواضع الدفاعية، وفي ارتجاج الأرض تحت القدمين، وفي ذلك الغبار الذي يجتاح المكان بعد سقوط تلك القذائف، وفي ذلك الصمت المريب الذي يسبق وصول الأوامر. كان الضابط، آمر السرية، يعرف أن…

· 6 د