عندما كانت الكلمةُ نبتةً صالحةً للرعي في هذه البرية، اصبحت ورماً لغوياً غريباً استوطن جمجمة "أَرْقَم"؛ الكائن الهجين الذي انسلخ جلده عن فروة السلالة ليصير حيواناً مشحوناً بكتب التفسير المادي لجذور السرخس وحركة الرياح. لم يكن أَرْقَم يملك مخلباً قاطعاً يشق به خاصرة الطرائد، ولا ناباً كاسراً يفرض به هيبته في عتمة الغاب، بل كان يملك خزانةً محفورةً أسفل شجرة البلوط العتيقة، حشاها بمجلدات صفراء متهرئة تفوح منها رائحة الجير والعفن الفكري القديم.
هناك، في تلك الحفرة الرطبة، أسس مع عصبةٍ من الكائنات الرخوة ذات العيون الغائرة في رماد الأوهام، ما أطلقوا عليه بتفخيمٍ أجوف:
"الكتلة التاريخية لفك ارتهان الغابة من شريعة الناب والمخلب".
كانوا يقفون كل غروب كأشباح مرسومة بفحم رخيص على قشور الشجر المتساقطة، يرفعون أطرافهم الهزيلة صوب سقف الأغصان المتشابكة، يتلون بياناتٍ لا تنتهي عن "فائض القيمة في جثث الأيائل"، و"ضرورة توزيع قطرات الندى وحبات التوت البري بالتساوي بين القنافذ الصامتة والجرذان العاملة"، و"تأميم زئير الفجر" الذي تحتكره عائلة السنوريات الحاكمة منذ بدء الخليقة. كانوا يخلطون جدلية الصراع بقوانين التناسل، ويجادلون في ماهية الظل:
هل هو امتدادٌ طبقي للشجرة أم انعكاسٌ لوعي الأرض المضطهدة؟
على بُعد فراسخ من تلك الحفرة، فوق صخرة النفوذ الأبدي المصقولة بعظام القرون الماضية، كان ملك الغابة يستند بفكّه الثقيل على جمجمة جاموس بائدة. لم تكن تزعجه شتائمهم، ولا دعواتهم لتفكيك بنية الهيمنة؛ فالعرش لا تهزه الكلمات الرطبة. ما كان يزعجه حقاً هو ذلك الطنين الميتافيزيقي الأجوف المتصاعد من حناجرهم كحفيف الجراد في صوف شاة نافقة، طنينٌ رتيب يصدع رأسه ويفسد عليه قيلولة ما بعد الظهيرة المشبعة بدماء الطرائد الطازجة.
رفع الملك كفّه المكسوة باللبدة الذهبية المتوهجة، وأشار بطرف مخلبه إشارةً مقتضبة إلى جلاوزته من الضباع الرمادية؛ تلك الكائنات المدربة على اقتناص النوايا وقراءة حركة الأهداب المرتجفة:
هاتوا لي هؤلاء الذين يلوكون لحاء الشجر بألسنة مستعارة ويملؤون الوادي بضجيج العدم.
انقضت الأجهزة الأمنية كالقدر الأعمى. تم سحق حفرة البلوط، وتطايرت أوراق التنظير في وحل الممرات كفراشات محترقة. سِيق أَرْقَم وعصبته في قيود من ليف الخيزران، يسحبون أقدامهم في طين الخوف حتى بلغوا باحة العرش العالي.
وقف أَرْقَم منتفخ الأوداج رغم هزال بدنه، واستجمع في حلقه ما تبقى من مقولات مسموعة عن كرامة ذوات الأربع ومحاكمة الطغيان. رفع رأسه استعداداً لافتتاح مرافعة أيديولوجية تهز أركان الغابة وتؤسس لعهد المساواة الكبرى. لكن التاريخ السريالي لم يكن يملك أذناً تصغي للجدل. لم يطلب الأسد لوائح اتهام، ولم يقرأ البيانات المصادرة، ولم يكلف نفسه عناء النظر إلى حدقات عيونهم المتوهجة بالثورة. في شريعة اللحم، كل فلسفة تسقط أمام قياسات الوزن.
هبط الملك عن صخرته ببطء جنائزي، وأخذ يطوف حول الأجساد المرتعدة في حلقة دائرية بطيئة. كان يشتمّ الروائح، يضغط بمخلبه على الأوراك، ويقيس سماكة الدهن المتراكم تحت الجلود. استمر الفحص الحسي دهراً من الصمت المطبق، ثم التفت الملك إلى قائد الضباع، ونطق بمرسومه التاريخي:
افرزوا الشحم عن القصب اليابس. أما السمان، فإلى مطابخ الحاشية يُقدَّمون قرابين فداء لسلامة الغابة ومناعة المعدة الملكية. وأما أولئك الذين أكلت الكتبُ لحومهم، فلا خير يرجى من عظامهم الناشفة، ولا نفع في مرقهم المرّ. اطردوهم إلى أقصى صحراء الملح، دعوا السراب يتكفل بمحو أشكالهم العاطلة عن القيمة الغذائية.
وهكذا، بفرمان بيولوجي بارد، وجد أَرْقَم أن كل ما كتبه عن صراع الطبقات قد اختُصر في كونه "غير صالح للاستهلاك الآدمي أو الحيواني". تحول رفاقه ذوو الأجساد الممتلئة إلى وجبات مسائية فاخرة، بينما دُفع هو عبر الممرات الصخرية القاحلة نحو التيه.
استقرت كينونة أَرْقَم في عراء ممتد لا شجر فيه يستظل به، ولا رطوبة تذكره بالحياة. أرضٌ من الملح الأبيض تعكس الشمس كمرآة حارقة، وسقيفة متداعية من ألواح خشب متشظية لا تمنع قيظ النهار ولا تدرأ صقيع الليل. في زاوية السقيفة، رقد كوز فخاري يطفو على سطحه ماء آسن أخضر اللون تفوح منه رائحة الكبريت.
في اليوم الثالث من المنفى، بلغ به العطش مبلغاً تشققت معه حباله الصوتية، وصار حلقه جافاً كقاع بئر مهجورة. حينها، لاحت في الأفق ظلال السجان؛ ذئبٌ أعرج يضع في عنقه تمائم من عظام الأرانب، ويحمل في يده دلواً يفيض بالماء العذب البارد الذي يتلألأ تحت الشمس كالألماس.
وضع الذئب القدح على بُعد أنملة من شفتي أَرْقَم المشققتين، وقال بنبرة متهكمة:
استمع إليّ يا صاحب المنطق الدائري. الماء هنا لا يسيل لمجرد أنك حي. كل جرعة عذبة تبل بها حلقك ثمنها صلاة مكتوبة. أريد منك في كل يوم تميمة تمجد حكمة الأسد الذي أبقاك حياً لأنك لست سميناً، وأريد ترانيم تشرح للريح كيف أن خضوع الضعيف للجزار هو قمة الانسجام الكوني. اكتب، وتجرّع ما يمسك رمقك.
نظر أَرْقَم إلى الكتب التي ماتت في ذاكرته، ونظر إلى بريق الماء المثلج. تلاشت الفلسفة، وانهارت المفاهيم، وسال لعاب روحه قبل لعاب جسده المهترئ. تناول قطعة فحم متكلسة، وبحركة مرتعشة خط على لحاء شجرة يابس ألقاه له السجان:
مولاي الجالس فوق الجماجم. مخلبك ميزان العدالة، وسوطك عصا الرعاية، وفضلك عمّ البرية حين جعلت من جوعنا ترنيمة تسبيح لعرشك العالي.!..
شرب أَرْقَم القدح دفعة واحدة حتى الثمالة، ومع كل جرعة باردة كانت تسقط من وعيه خرافة قديمة عن الحرية.
دار الفلك دورته الكبرى، ومرت سبع سنوات عجاف كأنها حلم ثقيل في سبات العدم. تحول أَرْقَم خلالها إلى آلة تدوين خاضعة؛ دبّج سبعمائة مجلد من الأدعية الإلزامية، ومائة ألف بيت في مدح الهزال الفكري، وتفسير النحافة بوصفها زهداً فرضته الحكمة التاجية على النخب كي يتفرغوا لتمجيد السلالة. كانت تلك النصوص تُجمع بانتظام وتُرسل في قوافل الإمداد نحو عاصمة الغابة لتُتلى في الميادين كأناشيد للبقاء.
وفجأة، مات الملك القديم جراء تخمة قاتلة بعد أن ابتلع حماراً وحشياً كاملاً في حفل انتصار على قطيع من الثيران. ارتقى الشبل الشاب سدة الحكم مرتدياً قفازات حريرية وواضعاً ابتسامة حداثية على شدقيه. ولكي يدشن عهده الميمون، أصدر مرسوماً بالعفو الملكي الشامل عن "منفيي الفيافي الهامشية".
حُمل أَرْقَم ككيس من القش على ظهر عربة قديمة وعاد إلى الغابة.
لم تعد الغابة هي التي ألفها، ولا هو ظلّ ذلك الحيوان الذي كان. كانت أقدامه ترتطم بالأرض بآلية ميتة، وعقله فارغاً تماماً إلا من بقايا ترانيم المديح. زحف نحو مسكنه القديم؛ وجد السقف متهدماً، وجذع البلوط مقطوعاً ليصير وقوداً لمطابخ القصر. خرج له أولاده، لكنهم لم يكونوا فلاسفة ولا حتى قرّاء؛ بل غدوا ذكوراً غلاظ الرقاب، عراة الصدور، يجرون جذوع الأشجار في وحل السخرة دون أن يفقهوا من اللغة سوى أصوات الزجر. وفي زاوية مظلمة، رقدت زوجته على حصير بالٍ تسعل دماً، عاجزة عن النهوض، تنتظر جرعة دواء لا تملك الأسرة ثمنها.
عضه الجوع في أحشائه عضاً مريراً، ولم يعد يملك في جيوبه الممزقة سوى الفراغ. تذكر رفيق صباه القديم "عبعوب"؛ ذلك الذي كان يوماً ما عضواً متحمساً في حلقتهم الفكرية يطبع المناشير بالسر، قبل أن يقرر في لحظة صفاء انتهازي هجر الكتب وافتتاح دكان صغير لبيع شطائر الأحشاء والكرشة المقلية عند مفترق طرق السوق الشعبي.
أشار أَرْقَم بيده المرتجفة إلى ابنه الأكبر، وهمس بصوت مبحوح:
امضِ إلى دكان عبعوب.. قل له إن رفيقك القديم قد عاد من غياهب الموت، وأنه يتضور جوعاً ولا يطلب سوى كسرة خبز يسد بها رمقه!.
ركض الفتى حافياً تشقّ الحجارةُ قدميه حتى هوى أمام طاولة التقطيع. كانت الدماء تتخثر فوق الخشب، والزيت يغلي بفحيحٍ كأنه يلتهم الهواء. وقف يلهث وضلوعه تكاد تخترق جلده، ويداه المرتجفتان تتشبثان بحافة الطاولة:
عمّي عبعوب... أدركنا! أبي عاد... أَرْقَم، رفيق سجنك وفكرك القديم... إنه يلفظ أنفاسه الأخيرة في خرابة بيتنا، لا يريد إلا كسرة خبز تستر رمقه!
سكن الساطور فجأة في قلب لوح الخشب!
توقفت حركة أصابع عبعوب الغليظة الغارقة في الدهن، ومسح يديه الدسمتين ببطء في مئزره القاني حتى بدتا كأنهما خارجتان للتو من مذبحة. لم تطرف له عين، بل أمال رأسه نحو الصبي، وانفرجت شفتاه عن ابتسامة لزجة تجمع بين الشماتة الباردة ورثاء الساقطين، ثم قهقه بصوت غليظ اهتزت له الذبائح المعلقة:
أَرْقَم؟! فيلسوف العدم وواعظ الجياع عاد من الموت ليتسوّل الخبز؟! ويحك يا ولد... قل لأبيك إن أوراقه لم تفارقنا يوماً! كانت تمائم مديحه لمعدة الأسد وقوافل نصوصه في تمجيد القحط تصلنا طازجة مع كل قافلة ملح! لقد علّقناها على جدران المجازر، وتلوناها على زبائننا لنعلّمهم كيف يلعقون فتات العرش ويحمدون الجزار! بفضل خنوعه ذاك، علمنا أن عظامَه ما زالت تتحرك في المنفى!
انحنى عبعوب ببرود نحو قاع الصندوق، ونبش بين النفايات، ثم انتشل قطعة جلدٍ محترقة تكسوها شحوم باردة لا تقربها حتى هوام الأرض. سحب من رفّه إحدى أوراق المديح الصفراء التي خطها أَرْقَم قديماً بدموعه وفحمه، ولفّ بها الفضلات باعتناء ساخر، ثم دحرجها في كف الصبي المرتعشة وهو يضغط على كتفه النحيل بقسوة:
خذ... هذه وليمة عودته المظفرة من زنزانة المبادئ! واهمس في أذنه العجوز قبل أن يموت:
"عاش تاجر الشحم الأول... ودُفن المنظّر الأول".
عاد الفتى باللفافة الباردة، ووضعها بين يدي الفيلسوف المنهك. فتح أَرْقَم الورقة، فرأى خط يده القاحل يمدح عدالة الناب والمخلب، وتحته يرقد عشاؤه الأخير:
قطعة من لحم رخيص متبل بالعار والدهن المجمد. رفع اللفافة نحو فمه ببطء، ومضغ كلماته مع الدهن، فيما كان صوت قهقهات عبعوب البعيدة تمتزج بزئير الشبل الجديد الذي بدأ يملأ أرجاء الغابة بالنشيد ذاته.







التعليقات