انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

يسعى إلى تبصير النَّاس بإعجاز القرآن الكريم  الدكتور باسم محمد علي السامرائي : رحلتي معَ اللغة العربية اختيار بدأ بالوعي وتطوَّرَ مع تَقَدُّمِ العُمر وَتَحَوَّلَ إلى قَدَرٍ مَعْرِفِيٍ مُلاَزِمٍ لِلشَغَفِ والَبَحْثِ

حوار / أزهار الأنصاري

ازهار الانصاري
ازهار الانصاري

قاصة وشاعرة عراقية

15 دقائق للقراءة
9 مشاهدة
يسعى إلى تبصير النَّاس بإعجاز القرآن الكريم الدكتور باسم محمد علي السامرائي : رحلتي معَ اللغة العربية اختيار بدأ بالوعي وتطوَّرَ مع تَقَدُّمِ العُمر وَتَحَوَّلَ إلى قَدَرٍ مَعْرِفِيٍ مُلاَزِمٍ لِلشَغَفِ والَبَحْثِ
مشاركة:

في المشهد الأكاديمي العراقي، تبرز أسماءٌ كرّست جهودها لخدمة اللغة العربية وعلومها، وجعلت من البحث العلمي رسالةً تتجاوز حدود الوظيفة إلى آفاق التأثير المعرفي والتربوي. ومن بين هذه الأسماء يبرز الدكتور باسم محمد علي السامرائي، أستاذ البلاغة المساعد في كلية الإمام الأعظم الجامعة، والباحث المتخصص الذي جمع بين التدريس الجامعي، والبحث العلمي، والإشراف الأكاديمي، والعمل المعرفي التوعوي.

على امتداد سنوات من العطاء الأكاديمي، أسهم الدكتور السامرائي في إعداد أجيال من طلبة الدراسات العليا، وأشرف على العديد من الرسائل العلمية، وشارك في مناقشة البحوث والأطروحات الجامعية، فضلًا عن عضويته في اللجان العلمية والأكاديمية. كما رفد المكتبة العربية بعدد من المؤلفات والدراسات المحكمة التي تناولت موضوعات متنوعة في علوم اللغة العربية وآدابها، مقدمًا رؤى بحثية تجمع بين الأصالة المنهجية والانفتاح على المناهج النقدية الحديثة , ولم يقتصر حضوره على القاعات الدراسية والبحوث المنشورة،  امتد إلى الفضاء الرقمي من خلال قناته العلمية التي يقدّم عبرها المحاضرات العلمية والتوعوية، إيمانًا منه بأهمية نشر المعرفة وتيسير الوصول إليها. كما عزز مسيرته العلمية بالمشاركة في دورات ومؤتمرات متخصصة داخل العراق وخارجه، كان من أبرزها الدورة العلمية العالمية للإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية، والمؤتمر الدولي للحوكمة الإلكترونية بالتعاون مع البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة , وفي هذا الحوار نقترب من تجربة أكاديمية وبحثية ثرية، لنستكشف رؤيته للبلاغة العربية، والبحث العلمي، والدراسات القرآنية، ولنتعرف إلى الإنسان الذي يقف خلف هذا المنجز العلمي المتواصل.

*مَنْ هو الدكتور باسم السامرائي حين تغلق الكتب وتخفت ضوضاء القاعات؟

ــ حين تُغلق الكتب وتخفت ضوضاء القاعات، ويغادر الطلبة مقاعدهم، أعود الى جوهري الأول، إنسانًا بسيطًا يؤمن أنَّ المعرفة رحلة لا تنتهي عند حدود الجامعة أو بين دفّتي كتاب، باحثٌ مُجِدٌّ في اللغة والأدب، يحمل فضوله معه أينما ذهب، ويواصل التأمل والبحث والقراءة والكتابة، ساعيًا إلى اكتشاف آفاق جديدة للفهم والرؤية.

وعلى الجانب الإنساني، أقتطع من وقتي مساحةً واسعةً لبرّ والدتي، التي لا ينقطع دعاؤها لي ليلًا ونهارًا ، أجد في رضاها سكينةً وفي دعواتها سندًا وبركةً  . كما أجد متعةً خاصة في الجلوس مع حفيدتيَ ميلا وليّان، أستعيد معهما براءة الطفولة وجمال اللحظات البسيطة، وأمنح عائلتي نصيبًا وافرًا من وقتي واهتمامي؛ إيمانًا مني بأن النجاح الحقيقي لا يكتمل إلا بدفء الأسرة وقرب الأحبة.  , وأحرص على أن أختلي بنفسي في ساعات السكون، متوجهًا إلى الله تعالى بالتهجد والدعاء، متدبرًا آيات القرآن الكريم، قارئًا بنظر الباحث المؤمن وقلب العابد الخاشع.

*كيف تصف رحلتك مع اللغة العربية: أهي اختيار أم قدر؟

ــ رحلتي معَ اللغة العربية اختيار بدأ بالوعي، وتطوَّرَ مع تَقَدُّمِ العُمر، وَتَحَوَّلَ إلى قَدَرٍ مَعْرِفِيٍ مُلاَزِمٍ لِلشَغَفِ، والَبَحْثِ.

*ما الذي دفعك لاختيار “الزينة والجمال” موضوعًا لدراسة بلاغية قرآنية؟ وكيف يختلف مفهوم الجمال في القرآن عن التصورات الجمالية في الأدب الإنساني؟

ــ الدافع الرئيسيُ لاختياري عنوان (التصوير البلاغي لآيات الزينَةِ والجمال ودلالتهِ في القرآن الكريم)؛ لِكَشْفِ البُعْدِ الجمالي بوصفه بنية دلالية في الخطاب القرآني.

نَعم هناكَ اختلافٌ بين مفهومِ الجمال في القرآن الكريم، عن التصورات الجمالية في الأدب الإنساني؛ لأنَّ الجَمَالَ القُرآنِي جَمَالٌ هَادِفٌ مُرْتَبِطٌ بالهِدَايَةِ، والوظيفة الدلالية، بخلاف الجمال الأدبي الذي قد يكون قائمًا على التأثير الفني وحده.

* كيف تسهم دراسة التصوير البلاغي في تعميق فهم المتلقي للآيات؟ هل هناك آية معينة شكّلت نقطة تحول في بناء هذا الكتاب؟

ــ في كتابي (التصوير البلاغي لآيات الزينةِ والجمال ودلالته في القرآن الكريم) أَسْهَمَ في تَعميق الفهم لدى المُتلقي عبر تحويل المعنى إلى صورة حسية مؤثرة، ونقطة التحول التي بَرَّزَها الكتاب احتوتها آيات الزينةِ، والجمال التي جاءت باللفظ الصريح، أو بالمعنى في عموم النصوص التي ذكرناها، وأظهرت تكثيف الصورة، والدلالة.

*لماذا اخترت “الومضات” عنوانًا لهذا العمل؟ هل هو اختيار منهجي أم دلالي؟ وما الفروق البلاغية التي لمستمُوها بين السور المكية والمدنية؟

ــ عنوان كتابي الثالث (ومضات بلاغية في بعض سور القرآن المكيّة والمدنية) لم يكن اختيارًا عابرًا،  بل جاء اختيارًا دلاليًا ومنهجيًا في آنٍ واحد. فلفظة "الومضات" توحي بإشراقات سريعة مكثفة تضيء جانبًا من جوانب الإعجاز البلاغي في القرآن الكريم، دون ادعاء الإحاطة بكل أسراره ودقائقه. فالقرآن بحرٌ لا تُدرك أعماقه كاملة، وما يقدمه الباحث ليس إلا ومضاتٍ تكشف بعض ما فيه من جمالٍ بياني وروعةٍ تعبيرية.

ومن الناحية المنهجية، فإنَّ الكتاب لا يهدف إلى استقصاء جميع الظواهر البلاغية في السور المدروسة، وإنّما يركز على نماذج مختارة تستوقف القارئ وتلفت نظره إلى أسرار التعبير القرآني ودقة اختيار الألفاظ وتناسق البنى والأساليب، لذلك كان عنوان "الومضات" معبرًا عن طبيعة المادة العلمية التي يتناولها الكتاب.

يسعى إلى تبصير النَّاس بإعجاز القرآن الكريم 

الدكتور باسم محمد علي السامرائي :

رحلتي معَ اللغة العربية اختيار بدأ بالوعي وتطوَّرَ مع تَقَدُّمِ العُمر وَتَحَوَّلَ إلى قَدَرٍ مَعْرِفِيٍ مُلاَزِمٍ لِلشَغَفِ والَبَحْثِ

في المقابل، تميل السور المدنية إلى التفصيل والبيان والتشريع، لأنَّها خاطبت مجتمعًا مسلمًا بدأ يتشكل ويحتاج إلى تنظيم شؤونه الدينية والاجتماعية والسياسية. لذا برز فيها الأسلوب التقريري والتوضيحي، واتسعت الآيات لمعالجة الأحكام والقضايا المجتمعية، مع احتفاظها بطبيعة الحال بجمالها البلاغي وإعجازها البياني.

* هل يمكن للقارئ غير المتخصص أن يلتقط هذه “الومضات” أم أنَّها تحتاج إلى أدوات علمية دقيقة؟

ــ بالتأكيد يستطيع القارئ غير المتخصص أن يلتقط جانبًا من هذه "الومضات" من خلال التذوق اللغوي العام، وحسن الإصغاء إلى إيقاع النص القرآني، والتأمل في دقة ألفاظه وتناسق معانيه. فالقرآن الكريم يخاطب الإنسان على اختلاف مستويات ثقافته ومعرفته، ولذلك يجد فيه كل قارئ نصيبًا من الفهم والتأثر والهداية.

غير أنَّ الانتقال من مرحلة التذوق إلى مرحلة الكشف عن الأسرار البلاغية الدقيقة يحتاج إلى أدوات علمية ومنهجية متخصصة، كمعرفة علوم البلاغة والنحو والصرف والتفسير وأسباب النزول وسياقات الخطاب القرآني. فالقارئ قد يشعر بجمال التعبير وتأثيره، لكنه قد لا يدرك دائمًا الأسباب الفنية والبلاغية التي صنعت هذا الجمال وأكسبته تلك القوة التأثيرية.

*شخصية الأنبياء أولي العزم في القصص القرآني  دراسة أسلوبية.. كيف يمكن للمنهج الأسلوبي أن يكشف ملامح الشخصية في النص القرآني؟

ــ المنهج الأسلوبي يُعدّ من المناهج النقدية الفاعلة في الكشف عن ملامح الشخصية داخل النص؛ لأنه لا يقتصر على دراسة الأحداث أو المضامين وإنما يتجه إلى تحليل الكيفية التي تُبنى بها الشخصية من خلال اللغة وأدوات التعبير المختلفة. وفي النص القرآني تتجلى أهمية هذا المنهج بصورة أوضح؛ إذ إنَّ شخصية النبي لا تُقدَّم عبر الوصف المباشر فقط، وإنما من خلال خطابه، وطريقة حواره، والألفاظ التي تتكرر في سياق قصته، والبنية الأسلوبية التي ترافق مواقفه المختلفة.

ومن خلال تحليل المستويات الأسلوبية المتعددة، كالمستوى المعجمي والتركيبي والدلالي والإيقاعي، يمكن الوقوف على الخصائص المميزة لكل نبي من أنبياء أولي العزم. فأسلوب الحوار، ونبرة الخطاب، وصيغ النداء، وطرائق الإقناع، ومستويات الصبر والثبات أو الرحمة والحكمة، كلها عناصر تسهم في رسم صورة متكاملة للشخصية القرآنية.

* ما الذي يميز طرحك لشخصيات أولي العزم عن الدراسات التقليدية في هذا المجال؟

ــ ما يميز هذا العمل عن كثير من الدراسات التقليدية في مجال القصص القرآني أنه لم يقف عند حدود السرد التاريخي للأحداث، أو تتبع المواقف والوقائع المرتبطة بأنبياء أولي العزم عليهم السلام، بل اتجه إلى مقاربةٍ أسلوبية تنظر إلى الشخصية بوصفها بنيةً لغويةً ودلاليةً تتشكل داخل النص القرآني عبر شبكة من العلاقات التعبيرية والأساليب البيانية. فالدراسات التقليدية غالبًا ما ركزت على الجوانب التفسيرية أو التاريخية أو العقدية للشخصيات، في حين سعتُ في هذه الدراسة إلى استنطاق النص نفسه، والكشف عن الكيفية التي صاغ بها القرآن الكريم ملامح هذه الشخصيات من خلال اختيار الألفاظ، وبناء الجمل، وأنماط الحوار، والتكرار، والإيقاع، وسياقات الخطاب المختلفة. وقد أتاح هذا المنهج الكشف عن الخصوصية الأسلوبية لكل شخصية من شخصيات أولي العزم، وإبراز السمات التي تميزها في بنائها القرآني؛ فلكل نبي لغته الخطابية التي تنسجم مع طبيعة رسالته، ولكل موقف أدواته التعبيرية التي تعكس أبعاد الشخصية النفسية والرسالية والإنسانية. ومن هنا جاءت فرادة الدراسة؛ إذ انتقلت من النظر إلى الأنبياء بوصفهم شخصيات تُروى أخبارها، إلى النظر إليهم بوصفهم شخصياتٍ يُنتج النص القرآني ملامحها ودلالاتها عبر منظومة أسلوبية دقيقة، الأمر الذي يفتح آفاقًا جديدة لفهم القصص القرآني واستكشاف جوانب من إعجازه البياني والفني.

*هل تختلف لغة السرد القرآني باختلاف شخصية النبي وسياق قصته؟

ــ نعم، تتبدل لغة السرد بحسب مقام النبي، ورسالته،  وطبيعة تجربته مع قومهِ، فلكلّ نبيٍّ منهم (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) لغةُ سردٍ خاصة كشف عن مضمونها كتابنا ( شخصيّة الأنبياء أولي العزم في القصص القرآني)، ولله الحمد.

*ما التحديات التي واجهتك في تحليل شخصيات ذات بُعد قدسي بهذا العمق؟ وهل خرجت برؤية جديدة حول مفهوم “أولي العزم” بعد هذا العمل؟

ــ التحدي الأكبر الذي واجهتهُ في الجمع بين التحليل العلمي، واحترام القدسية لهذه الشخصيات العظيمة، والرؤية الجديدة التي كشفَ عنها كتابي(شخصيّة الأنبياء أولي العزم في القصص القرآني) هي ترسيخ رؤية أن أولي العزم بُنيَة خِطابِيَة دلالية مُتَعدِدَةِ الأبعادِ، لا مُجَرَدَ تَوْصِيف تَارِيخِي.

* ماذا أضافت لك تجربة التدريس والإشراف على مدى سنوات من العمل الأكاديمي؟

ــ تجربة التدريس والإشراف الأكاديمي على مدى سنوات طويلة كانت من أكثر التجارب ثراءً وتأثيرًا في مسيرتي العلمية والإنسانية. فقد منحتني خبرةً تطبيقيةً واسعةً، وجعلتني أكثر إدراكًا للفجوة أحيانًا بين المعرفة النظرية ومتطلبات التطبيق العملي، كما رسخت لديَّ أهمية الدقة المنهجية والالتزام العلمي في البحث والكتابة.

ومن خلال التعامل مع أجيال متعددة من الطلبة والباحثين، تعزز وعيي بالفروق الفردية في طرائق التفكير والتعلّم والبحث، وأدركت أن لكل باحث شخصيته العلمية الخاصة، وقدراته وأسئلته وأسلوبه في مقاربة المعرفة. لذلك لم يكن الإشراف الأكاديمي بالنسبة لي مجرد متابعة لإجراءات البحث، بل كان حوارًا علميًا مستمرًا يهدف إلى بناء شخصية الباحث وتنمية استقلاليته الفكرية وقدرته على النقد والتحليل. كما علمتني هذه التجربة قيمة الصبر والإصغاء والتوجيه، وأكدت لي أنَّ الأستاذ الجامعي لا يقتصر دوره على نقل المعرفة، بل يمتد إلى الإسهام في صناعة الوعي، وبناء الثقة، وتحفيز روح التساؤل والاكتشاف لدى طلبته. والحقيقة أنني بقدر ما كنت أعلّم، كنت أتعلم أيضًا؛ فكل طالبٍ أو باحثٍ أشرفت عليه أضاف إلى تجربتي زاوية نظر جديدة، وجعلني أكثر انفتاحًا على الأفكار والأسئلة المتجددة. ولهذا أرى أنَّ العمل الأكاديمي رحلة تعلم متبادلة، ينمو فيها الأستاذ والطالب معًا في فضاء المعرفة والبحث.

* ما أخطر ما يواجه التعليم الجامعي في أقسام اللغة العربية تحديدًا؟

ــ  أزعُمُ أنَّ أخطر التحديات التي تواجه التعليم الجامعي عمومًا، وفي أقسام اللغة العربية تحديدًا: جمود المناهج، وضعف التأصيل، وانفصال الدرس اللغوي عن الواقع والتطبيق.

* هل اللغة كائن حي يتطور أم منظومة ثابتة يجب الحفاظ على نقائها؟ إلى أي مدى يمكن للبلاغة أن تُسهم في تهذيب الفكر الإنساني؟

ــ اللغة كائن حي في الاستعمال، ثابت في الأصول، والبلاغة: تُهذّب الفكر عبر تنظيم المعنى، وترشيد التعبير، وتعملُ على مطابقة الكلام لمُقتضى الحالِ مع فصاحته، وهي بذلك عنصرٌ فاعل في تهذيب الفكر الإنساني.

* ما الفرق بين من يكتب بلغة صحيحة ومن يكتب بلغة حيّة؟

ــ اللغة الصحيحة، سليمة قواعديًا، ولكن اللغة الحيّة مؤثرة، نابضة بالسياق، والدلالة، وهنا تكمن المفارقة بينهما.

يسعى إلى تبصير النَّاس بإعجاز القرآن الكريم 

الدكتور باسم محمد علي السامرائي :

رحلتي معَ اللغة العربية اختيار بدأ بالوعي وتطوَّرَ مع تَقَدُّمِ العُمر وَتَحَوَّلَ إلى قَدَرٍ مَعْرِفِيٍ مُلاَزِمٍ لِلشَغَفِ والَبَحْثِ

* هل فقدت اللغة العربية شيئًا من روحها، أم أننا نحن من فقد القدرة على تذوقها؟ كيف تفسر الفجوة بين اللغة الأكاديمية الجادة، ولغة الشارع المتسارعة؟

ــ اللغة العربية لم تفقد روحها؛ لكنَّ الخلل في تراجع التذوّق، والتدريب، والفجوة بين اللغة الأكاديمية الجادة، ولغة الشارع سببها: لغة أكاديمية مثقلة بالمصطلح، مقابل لغة يومية سريعة، ومختزِلة، مع ضعف الوسيط التعليمي الذي يربط بينهما.

* هل كثرة الرسائل الجامعية تعني تقدمًا علميًا، أم تضخمًا شكليًا؟ كيف يمكن إنقاذ البحث العلمي من التكرار والاجترار؟

ــ إنَّ كثرة الرسائل لا تعني تقدّمًا علميًا؛ لِأَنَّ كثيرًا منها تضخّم كميّ بلا جودة، والعلاج في تحديد إشكاليات حقيقية، ومنهج صارم، وتحكيم فعّال، والحدّ من التكرار عبر قواعد بيانات ومشاريع بحثية موجَّهة.

*كيف يمكن للباحث أن يكتشف صوته الخاص وسط زحام الاقتباسات؟ وهل تؤمن بأنَّ كل باحث يحمل مشروعًا فكريًا، أم أن بعضهم مجرد ناقل؟

ــ في ظل الواقع المتسارع، وتذبذُب التحولات، فإنَّ اكتشاف الصوت يستلزمُ استيعاب المصادر، ثم إعادة إنتاجها نقديًا لا تكديسها؛ وبناء موقف واضح مدعوم بالحجّة. وقطعًا ليس كل باحث صاحب مشروع؛ المميّز هو من يحوّل المعرفة إلى رؤية متماسكة قابلة للتطوير.

* كيف ترى واقع الدراسات البلاغية اليوم في ظل التحولات المعرفية والتقنية الحديثة؟ وما الذي يميز البلاغة العربية عن غيرها من المدارس البلاغية في اللغات الأخرى؟

ــ الواقع إنَّ انفتاح البلاغة على اللسانيات، التداولية، وتحليل الخطاب مع دخول الأدوات الرقمية (تحليل النصوص)، ما وسّع الأفق؛ لكنَّه أفرز خطر الاستيراد غير المنضبط، وذوبان الخصوصية. والذي يُمَيِّزُ البلاغة العربية عن غيرها في اللغات الأخرى: أنَّها تقوم على مقتضى الحال (ملاءمة السياق)، ونظرية النَّظم (ترابط البنية بالمعنى)، وتكامل المعاني(البيان، والبديع)، مع صلة عميقة بتأويل النصوص؛ لذا فهي بلاغة سياقية، وظيفية لا شكلية محضة.

* هل تعتقد أنَّ مناهج تدريس اللغة العربية في جامعاتنا بحاجة إلى إعادة نظر؟ وأين يكمن الخلل؟

ــ الحاجة ملحّة لإعادة النظر في مناهج تدريس اللغة العربية في جامعاتنا، وإنَّ مواطن الخلل تعودُ إلى جمود المقررات، وهيمنة الحفظ والتلقين، وضعف التدريب التطبيقي، وانفصال عن السياقات المعاصرة، والرقمية، وتكرار موضوعات بلا إضافة. والاتجاه المطلوب: يتحقق بتحديث المناهج، ودمج التطبيق بالتحليل، والتدريب على الكتابة، والبحث، وربط البلاغة بالخطاب المعاصر، وتفعيل التقويم النقدي بدل الاختبار التذكّري.

* من خلال إشرافك على رسائل الدراسات العليا، ما أبرز الإشكالات التي يواجهها طلبة البحث العلمي؟

ــ أبرز الإشكالات: اختيار منهج غير ملائم في كتابة الرسائل، والأطروحات ، وعدم مواءمة تطبيقه شكليًا، وضعف التأصيل النظري، وقصور توثيق المصادر المراجع، وعم تماسُك البناء، وتكرار الحشو، وشيوع التحليل السطحي لدى أغلب الباحثين، والوصول إلى نتائج غير ذات جدوى علمية، ولغة علمية ضعيفة، وتأخر الإنجاز عند الكثير منهم. وبرأيي، واستنادًا لخبرتي فإنَّ الخلل غالبًا يَكْمُنُ في تحديد المشكلة، والمنهج قبل الشروع في التفاصيل.

* بصفتك من خريجي دورات الإعجاز العلمي، كيف تقيّم الطرح المعاصر لهذا المجال؟ وهل ترى أن الإعجاز البلاغي ما زال بحاجة إلى مزيد من البحث مقارنة بالإعجاز العلمي؟

ــ أرى أنَّ الإعجاز العلمي المعاصر متذبذب؛ فيه اجتهادات نافعة، ولكنْ يَشُوبُهُ نوعٌ من الانتقائية،  والربط القسريّ للنصوص بفرضيات متغيّرة. أما الإعجاز البلاغي فيقينًا أرسخ منهجيًا، وأوثقُ اتصالًا بطبيعة النصوص، ومقاصدها، ودلالاتها، ولم يُسْتَنْفَدْ بَحْثًا بَعْدُ. وأعتقدُ جازمًا أنَّ الأولوية تكونُ للإعجاز البلاغي ليسَ لأنَّنِي مُتَخَصصٌ بهِ، بل بتجردٍ علميٍ، وواقعي؛  لِثَبَاتِ مَعَايِيرِهِ، وَعُمْقِ دِلَالَتِهِ. فالإعجازُ البَلاَغِيُ مَجالٌ أَصِيلٌ لكنَّهُ يحتاج تعميقًا أكثَر، والإعجازُ العلمي في المقابل فإنَّهُ يحتاج أيضًا تقنينًا صارمًا قبل التوسّع فيه.

* ما أبرز اللمسات البلاغية التي تراها مفتاحًا لفهم النص القرآني بعمق؟ وكيف يمكن للباحث أن يتجنب التكلّف أو التأويل المفرط عند تناول النصوص الدينية؟

ــ التصوير البياني يُجسد المعاني، ولاسيما في الاستعارة، والكناية. والأجدر بالباحثِ أن يَتجنّب التَكَلّفَ، والتأويل، وأن يُقدم ما يَظهَرُ لديهِ من خلالِ السياق، وأن يلتزم باللغة العَرَبِيَةِ، واسْتِعْمَالَها المَوْثُوقْ، وبِمَا جَاءَ بالتَفَاسِيرِ المُعتَبَرَة، وعدم القطيعة معها, وأن يربط التأويل بقرائن نصية، لا بذوق شخصي، وعند تعدد الأوجه، يُقدَّم الأرجح بدليل، فالفهم السليم، يقوم على السياق، وعلى النُظم، وعلى القرائن التي تَقوم على دليل لا تكلّف فبه .

يسعى إلى تبصير النَّاس بإعجاز القرآن الكريم 

الدكتور باسم محمد علي السامرائي :

رحلتي معَ اللغة العربية اختيار بدأ بالوعي وتطوَّرَ مع تَقَدُّمِ العُمر وَتَحَوَّلَ إلى قَدَرٍ مَعْرِفِيٍ مُلاَزِمٍ لِلشَغَفِ والَبَحْثِ

* ما الدافع وراء إنشاء قناتك العلمية على اليوتيوب؟ وهل ترى أنَّ المنصات الرقمية أصبحت بديلًا حقيقيًا للتعليم التقليدي؟

ــ قناتي العلمية التي تحملُ أسمي (قناة الدكتور باسم السامرائي العلمية) الدافع الأكبر يَكمُنُ في نشر المعرفة خارج قاعة الدّرس في الجامعة، بُغيَةَ بناء جسرٍ تَواصُليٍ مع جمهور أوسع، وقد تحقق ولله الحمد ما أردناهُ، والمُشتركينَ، والمتابعينَ لها كُثْرٌ، ويتزايدون، ولله المِنَّةُ والحمد. وباعتقادي أنَّ المنصات الرقمية اليوم أصبحت ضرورةٌ واحتياج، ومكمِّلة، لكنَّها ليست بديلة؛ توسّع الوصول، ولا تعوّض الإطار الأكاديمي المنهجي.

* كيف يمكن تبسيط العلوم اللغوية للمتلقي غير المتخصص دون الإخلال بعمقها؟ هل تعتقد أن المحتوى العربي العلمي على الإنترنت يواكب الطموح المعرفي للأمة؟

ــ مُمكِنُ ذلكَ، بتبسيط العلوم، وتفكيك المفاهيم، وَسَوْقُ الأمثلةِ التطبيقيةِ، وباستعمالِ لغةٍ واضحة دون تفريغ علمي. أمّا المحتوى العربي العلمي، يُمكنُني القول أنَّهُ يتَعافى، ويتحسّن، لكنَّهُ لا زالَ دون الطموح من حيث العمق، والمنهجية.

* متى يتحول البحث العلمي من واجب أكاديمي إلى شغف حقيقي؟ ما الذي يجعل بحثًا ما يستحق أن يُقرأ بعد سنوات من كتابته؟

ــ أعتقد أنَّ البحث العلمي يتحول من واجبٍ أكاديمي إلى شغفٍ حقيقي عندما يتجاوز حدود التكليف والمتطلبات الجامعية، ليصبح سؤالًا معرفيًا يؤرق الباحث ويستفز فضوله الفكري. ففي هذه المرحلة لا يعود الباحث منشغلًا بإنجاز بحثٍ من أجل الحصول على درجةٍ علمية أو ترقيةٍ أكاديمية فحسب، بل يصبح مدفوعًا برغبةٍ صادقة في الفهم والاكتشاف والإضافة. وعندما يشعر الباحث أن موضوعه يمسّ قضيةً فكرية أو إنسانية تشغله شخصيًا، يتحول البحث من مهمةٍ مفروضة إلى رحلةٍ معرفية ممتعة، يلاحق فيها الأسئلة قبل الأجوبة.

أما بقاء البحث العلمي وقدرته على أن يُقرأ بعد سنواتٍ طويلة من كتابته، فيعتمد على مجموعة من العناصر الأساسية؛ أولها أن يقدم إضافةً أصيلةً وحقيقية إلى المعرفة، لا مجرد تكرار لما كُتب من قبل. فالأبحاث التي تعيش هي تلك التي تفتح أفقًا جديدًا للفهم، أو تطرح رؤيةً مبتكرة، أو تعالج إشكاليةً بطريقة مختلفة. كما أن المنهج العلمي الرصين والدقة في التحليل والاستنتاج يمنحان البحث قيمةً تتجاوز ظرفه الزمني. فكلما كان البناء المنهجي محكمًا، ازدادت قدرة البحث على الصمود أمام النقد والتطورات اللاحقة.

ويضاف إلى ذلك أن يكون البحث قادرًا على إنتاج دلالاتٍ جديدة وقابلًا لإعادة القراءة والتأويل في ضوء معطيات ومعارف متجددة، وأن يمتلك جانبًا تطبيقيًا أو أثرًا معرفيًا يمكن الإفادة منه في حقول أخرى. فالبحث الذي يبقى حيًا هو ذلك الذي لا يكتفي بالإجابة عن أسئلة عصره، بل يظل قادرًا على إثارة أسئلة جديدة لدى الأجيال اللاحقة.

لذلك يمكن القول إنَّ البحث الذي يستحق أن يُقرأ بعد سنوات هو البحث الذي يجمع بين أصالة الفكرة، ورصانة المنهج، وعمق الرؤية، وقدرته على الاستمرار في إنتاج المعنى وإثراء المعرفة الإنسانية.

* كيف نوازن بين التفسير العلمي للنص القرآني والحفاظ على قدسيته؟ وهل ترى أن بعض الاطروحات في الإعجاز العلمي قد تسيء للنص من حيث لا تقصد؟

ــ الموازنَةُ تَعني الالتزام بـالسياق اللغوي للنص، والحفاظ على قُدسيَّتِهِ، وجعل العِلْم قرينةٌ مُسانِدة لا حاكمة، وتجنّب ربطه بفرضيات متغيّرة يُحَقق التوازن المنشود.

ولا يَخفى أنَّ بعض الطروحات تُسيء بينَ الفينةِ والفينة للنصوص الموصوفة بالتقديس، حين تُسقِط نظريات غير مستقرة عليها، فتُعرِّض النص للتأويل القسري الذي يُخرِجَهُ عن قُدسيَّتِهِ.

* هل يمكن للبلاغة أن تكون طريقًا للإيمان؟ وهل يمكن للبلاغة أن تستخدم في التضليل كما تستخدم في الإقناع؟

ــ نعم يُمكنُ أن تكون البلاغة طريقًا مُمَهِدًا لِنَشْرِ الإيمان، وتُقوّيةِ الإدراك بالجمال، والنظم، فتكون مدخلًا للتأمل، والتفكر، والتدبُر، والإيمان، ويمكن أن توظف البلاغة توظيفًا صادقًا للإقناع ، وتوظيفًا سيئًا للتزييف تَبَعًا بحسب مقصد المتكلم.

* كيف يمكن للمفكر أن يكون حرًا من دون أن يصطدم بثوابت المجتمع؟

ــ يُمكنني أن أقول بجملةٍ بسيطة التكوين، وعميقة المعنى، تُبعدُني عن أي صِدامٍ بثوابت المجتمع، فأقول: كُنْ حُرًّا فِي تِفْكِيرِكَ، حَكِيمًا فِي تَعْبيرِكَ.

*ما الفارق بين أن تكون مشرفًا على الرسالة وأن تكون مناقشًا لها؟ ما أول ما تبحث عنه عند قراءة رسالة علمية قبل مناقشتها؟

ــ لا يخفى عليكم أنَّ المشرف هو مَنْ يصنعُ البَحثَ، والمناقش هو منْ يحكم عليه. وأول معيار حاسم أبحثُ عنهُ هو: وجود إشكالية بحثية واضحة، ومن ثَمّ أبحثُ عن منهج صحيح في كتابة الرسالةِ، أو الاطروحة، وهل توجد إضافة حقيقية.

* هل صادفت رسالة فاقت توقعاتك وأدهشتك علميًا؟ وما الذي ميّزها؟

ــ للأسف لا ؛ لذلكَ نَشعُرُ بالحُزن حينَ نرى واقع حال الباحثين وتَعثُرُ مسيرتهم البحثية، والأسباب كبيرةٌ، وكثيرة.

* هل تكتب للقارئ المتخصص فقط أم تحاول الوصول إلى القارئ العام أيضًا؟

ــ بالتأكيد الفئة المستهدفة الرئيسية فيما أكتُبُهُ أستهدفُ بها طلبة العلم، وأسعى إلى القارئ العام حتمًا؛ لأنَّ غايتي لا تنفصل عن تبصير النَّاس بإعجاز دستورهم الأعظم القرآن الكريم.

*هل تعتقد أن كل باحث قادر على أن يكون مؤلفًا؟ ما النصيحة التي تقدمها لمن يريد تحويل رسالته إلى كتاب؟

ــ ليس بالضرورة أن يكون كل باحث مؤلِّفًا، لكن يمكنه أن يصبح كذلك إذا حوّل المعرفة من صيغة أكاديمية مغلقة إلى خطاب واضح موجَّه للقارئ.

النصائح أراها من وجهة نظري: إعادة هيكلة الرسالة من جديد، وتدعيم الأمثلة الأساسية فيها بأمثلةٍ إضافية، وإعادة صياغة مقدمتها وخاتمتها، وإجراء مراجعة أسلوبية نهائية لمحتوى الرسالة قبل تحويلها إلى كتاب.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٤ أيلول ٢٠٢٦ في ٠١:٢٥ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

السَّيَّابُ: مِئَةُ عَامٍ مِنَ الحُبِّ
حوار

السَّيَّابُ: مِئَةُ عَامٍ مِنَ الحُبِّ

حوار : ياسين غالب تُعدّ مئوية الشاعر العراقي بدر شاكر السيّاب مناسبة ثقافية وأدبية مهمة، إذ تحلّ في عام 2026 ذكرى مرور مئة عام على ميلاده. ولهذا نعيد نشر حوارنا مع بنت السياب الصغرى السيدة آلاء بدر شاكر السياب. ١* يبدو لي أن تجربتكم مع والدكم بدر شاكر السياب كانت مجتزئة بسبب رحيله المبكر جدا عن…

· 9 د
حوار الأجيال وظلال السوسيولوجيا..

الدكتور عدي عدنان البلداوي في مكاشفة عن إرث الأب الحي وصناعة الوعي المعاصر
حوار

حوار الأجيال وظلال السوسيولوجيا.. الدكتور عدي عدنان البلداوي في مكاشفة عن إرث الأب الحي وصناعة الوعي المعاصر

بين حبر الأب الممتد في الوجدان ومبضع الابن الباحث في عمق المجتمع، تتشكل تجربة معرفية استثنائية. الدكتور عدي عدنان البلداوي لا يعيش في جلباب والده الشاعر الكبير عدنان البلداوي، بل يقف معه جنباً إلى جنب في المشهد الثقافي، مصدراً لضوء خاص يقرأ المجتمع بعيون الأنثروبولوجي ويكتبه بأصابع المفكر. في هذا…

· 9 د
الفنان التشكيلي المغربي محمد الزبيري

الفنانون العرب فوتوا فرصة تأسيس مدرسة تشكيلية عربية
حوار

الفنان التشكيلي المغربي محمد الزبيري: الفنانون العرب فوتوا فرصة تأسيس مدرسة تشكيلية عربية

محمد الزبيري فنان تشكيلي وكاتب وباحث مغربي، من مواليد سنة 1966، حاصل على دبلوم المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان. راكم، على امتداد تجربته الفنية والإبداعية، مسارا متنوعا يجمع بين الممارسة التشكيلية والكتابة والخط العربي ، والبحث، وأسهم من خلاله في مقاربة عدد من القضايا المرتبطة بالفن التشكيلي…

· 46 د