انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

يرى أن الأديب هو معلِّم بشكل ما الشاعر والأديب  د. غزاي درع الطائي دَيالى ليست ذاكرة وحسب، بل هي الروح، وهي القلب، وهي الملاذ

في كل يوم تعطي أرض العراق الكريمة شاعرا كبيرا

ازهار الانصاري
ازهار الانصاري

قاصة وشاعرة عراقية

26 دقائق للقراءة
12 مشاهدة
يرى أن الأديب هو معلِّم بشكل ما

الشاعر والأديب  د. غزاي درع الطائي

دَيالى ليست ذاكرة وحسب، بل هي الروح، وهي القلب، وهي الملاذ
مشاركة:

ليس كل من يكتب الشعر شاعرًا، ولا كل من يقف على منصة التعليم معلّمًا بالمعنى العميق للكلمة. هناك من جمع بين رسالة التربية ونبل الأدب، فصار حضوره امتدادًا لثقافةٍ راسخة وتجربةٍ إنسانية ثرية.

ضيفنا اليوم هو  أستاذٌ في كلية التربية الأساسية، وشاعرٌ وأديبٌ عُرف بعطائه الفكري وإنتاجه الأدبي المتنوع، فكانت الكلمة عنده موقفًا، والقصيدة رسالة، والكتاب نافذةً على الجمال والوعي , حمل هموم الإنسان والوطن في نصوصه، ووثّق محطاتٍ مهمة من الذاكرة العراقية، وكتب عن رموزها، وفي مقدمتهم الشاعر الكبير مظفر النواب في كتابه «نجوم تلألأت حول قمر»، كما خلد في شعره تضحيات شهداء الوطن، مؤمنًا بأن الأدب لا ينفصل عن نبض الحياة.

يسعدنا أن نستضيف اليوم قامةً أدبيةً وتربويةً أغنت المشهد الثقافي بعشرات الإصدارات والمشاركات، لنقترب من تجربته، ونحاور شاعرًا ما زال يرى في الكلمة ضوءً، وفي الثقافة رسالةً لا تنتهي. أهلًا وسهلًا بكم دكتور غزاي درع الطائي.

*  شاعر وأديب، كيف ترى العلاقة بين التجربة الحياتية والنص الأدبي؟ وهل الكتابة عندك وسيلة للبوح أم للمقاومة؟.

ــ يمكن القول بلا تردد، إن العلاقة بين التجربة الحياتية والنص الأدبي، تشبه إلى حد كبير العلاقة بين النباتات والتربة التي تنشأ فيها، ومثلما أن التربة هي أم النباتات فإن التجربة الحياتية هي أم النص الأدبي، والنص الأدبي لا يظهر إلى العيان إلا لتحقيق غاية وقفت وراء انبثاقه، هذا من جانب، ومن جانب آخر، لابد من أن يقف وراء كل نص أدبي غاية يقدِّمها الأديب على بساط من الجَماليّات النصِّيَّة يتلقاها القارئ مستمتعا بلذة النص وسائحا مع النص في لغته ورموزه ودهشته، والأدب بعامة والشعر بشكل خاص هو قول في الحياة، عن الحياة، ومن الحياة، وعندما نؤكد على الخيال في كل قول سواء أكان شعريا أم نثريا، فلا بد أن يكون مفهوما أن الحياة هي أكبر مصدر للخيال، والكتابة بعد ذلك هي بوح ومقاومة في الوقت ذاته.

*هل لا يزال الشعر قادرًا على التأثير في الإنسان العربي وسط كل هذا الضجيج الرقمي؟ أم أن الشعر أصبح طقسًا للنخبة فقط؟.

ــ نعم مازال الشعر قادرا على التأثير في الإنسان العربي وسط كل الضجيج الرقمي، بل إن الضجيج الرقمي أصبح وسيلة لنشر الشعر على أوسع نطاق، أفليست وسائل النشر الرقمي أكثر سعة من صفحات الصحف والمجلات والكتب، وأكثر قدرة على النشر، لأن فضاءها الأزرق ممتد على طول الكرة الأرضية وعرضها، وهو متاح للجميع، من غير شروط وبلا تحديدات ومن دون موانع؟.

إن الشعر منذ أول بيت قيل حتى يومنا هذا، هو للناس، لعامتهم وليس لخاصتهم، للجميع وليس للنخبة، إنه لكل الأعمار، ولكل الأقطار، ولكل الأجواء أكانت هادئة أم كانت في حالة إعصار، للماء وللنار، للغيوم وللأمطار، ولكل مدينة ولكل بادية ولكل دار، الشعر أوكسجين الحياة، ولا يمكننا الاستغناء عن الأوكسجين إن كنا على اليابسة أو كنا في الماء.

*حين تكتب، هل تكتب بشغف الشاب الحالم أم بحكمة الشيخ العارف؟ وأيهما أكثر صدقًا في التعبير؟.

ــ أعرف أنني لم أعد شابا، ولكنني متطلِّع مثل الشباب، ولا أعرف هل امتلكت حكمة الشيخ العارف، ولكنني أعرف أنني من الباحثين عن الحكمة والمعرفة وسأبقى ما حييت، وأعيش الحياة بكل حيوية وبكل نشاط وأعمل كأنني سأعيش أبدا، ولا أنظر إلى الخلف بغضب، بل أنظر إلى الخلف طلبا للمراجعة الذاتية المتأنية وللتأكد من المسار الذي أسير فيه، ولمعرفة صحة الموقف الذي تقف فيه أقدامي، وأنا أنظر إلى الأمام دائما بتفاؤل وأضع نصب عينيَّ تحقيق الهدف الذي أنشده، أو الاقتراب منه على الأقل، أنا أعمل بل أعمل بجد، وأحب العمل وأواصله بوصفه لذة الحياة، وأقول بوضوح: إن العمل عندي مصابيح لا يمكن الاستغناء عنها لإضاءة أيام عمري، وأتمنى من أعماق قلبي أن أمتلك روح الشباب وحكمة الشيوخ ومعرفتهم، وامتلاك روح الشباب وحكمة الشيوخ ومعرفتهم هو مشروع حياتي المكتوب والمقروء والمسموع.

*في زمن تتراجع فيه القراءة، كيف يمكن للأديب أن يبقي كلمته حيّة؟ وهل تؤمن بجدوى الكلمة في زمن الصورة؟.

ــ في ظل تعدد وسائل التواصل الاجتماعي وسعة انتشارها أصبح الجميع كُتّابا، وهذا حق عام لا يمكن الوقوف ضد تياره، وفرصة متاحة لا يمكن حجبها بالقسر، ولكن الكتابة الحية التي تتميز بالحيوية والجدة والفاعلية هي التي تجلب الانتباه وتسرق نظر الآخرين، وتستولي على الألباب، وهي التي تجذب القراء.

إن القارئ يجذبه ما يجده معبِّرا عنه وعن مكنوناته وأحلامه وما يضيف إليه علما إلى علمه ومعرفة إلى معرفته ومتعة إلى متعته ولذة إلى لذته، ولأن المنشورات أصبحت بعدد حبات الرمال، أصبح القارئ مخيَّرا في اختيار ما يتناغم معه ويتلاءم مع ذوقه ويتآلف مع ما يحب، ويترك ما عداه، وهذه فرصة نادرة انفتحت أمام القراء، وهكذا ظل الكُتّاب الذي تتميز كتاباتهم بالعمق والخبرة والجدة والفاعلية محل تقدير واسع لدى القراء الباحثين عن العميق والجديد والفاعل. 

وأتوقف أمام جدوى الكتابة في زمن الصورة، فأقول: إن الكتابة والصورة نهران يجريان معا ويصبان في مصب واحد، فكل منهما له شأن ولكنه مكمل للآخر، وهما يسيران معا ولا تضايق إحداهما الأخرى، وإذا كانت إحداهما تمثل حرف (الحاء) فإن الأخرى تمثل حرف (الباء)، وهما معا يشكلان كلمة (حب)، ولا تستغني إحداهما عن الأخرى، وبمعنى آخر فإن الكتابة صورة بالحروف، والصورة كتابة بالألوان.

*باعتبارك أستاذًا في كلية اليرموك الجامعة في بعقوبة، كيف ترى علاقة الأدب بالتعليم؟ وهل فقد المعلم مكانته الرمزية في المجتمع؟.

ــ تعدُّ الحياة أكبر معلِّم، إنها معلِّم للجميع، وكل أديب هو معلِّم بشكل ما، وعلى الرغم من أنه لا يقف أمام سبورة، إلا أن لديه رسالة يرسلها إلى القارئ عبر الحروف والكلمات والتراكيب والجُمل، وهذه الرسالة يتلقاها القارئ فيقرأونها ، والقراءة أكبر وسيلة من وسائل التعليم، القارئ يقرأ فيتعلَّم، والقارئ هنا سيكون مشدودا إلى ما يقرأه عبر أربطة صنعها الكاتب طلبا لرضا القارئ ومتعته ولذته، وكان المجتمع ومازال ينظر إلى من يعلِّمه نظرة احترام وتقدير عاليين، فما جزاء الإحسان إلا الإحسان، والمعلِّم الحريص المثابر الذي يتعب كثيرا ويقدِّم لطالب العلم عصارة علمه وذروة نشاطه وكل ما هو ثري ومؤثر، لا بد أن يكون محل فخر كبير للطالب، ويعدُّ المعلِّم مشاركا للطالب في مسيرته العلمية وموجها له وراعيا له في كل الأحوال، وإذا ظهرت إلى العيان هنا أو هناك علامات تدل على سوء العلاقة بين المعلِّم والطالب، فيتحتم هنا على الجانبين أن يتحملا المسؤولية المشتركة ويقوما معا برأب الصّدع المفترض، وسد الثغرات التي يمكن أن تمر من خلالها الريح الصرصر العاتية، هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإن الرمزية في المجتمع لا تكون بالاسم والعنوان وما يرتبط بهما، بل بالسعي الحثيث والجهد المبارك المثمر وبالاحترام والتقدير وبالعمل بمسؤولية.

*ما هو الخطر الأكبر الذي يهدد الجيل الجديد, الجهل، أم الضياع القيمي أم تبلّد الإحساس؟.

ــ تتعاقب الأجيال، فيأتي جيل ثم يتبعه جيل آخر، وهذا من طبيعة الحياة، وتتلاقح الأجيال، ويأتي كل جيل بما عنده وبما يميزه عن الجيل السابق له أو اللاحق له، والطريق واحد لكل الأجيال، وكل جيل يكمل طريق الجيل السابق له، وكل هذا مما هو طبيعي، ولكن ما هو غير طبيعي أن يأتي جيل جديد ولا يجد من يأخذ بيده، وربما وجد من يقف بالضد من طموحاته، عندئذ تفقد البوصلة اتجاهها، ويبدأ الجيل المقصود بالكلام هنا بالشعور بالإهمال وبسوء العناية، وعندها قد يبدأ بالسير في الاتجاه الخاطئ، وهو يرفض الانصياع إلى ما يواجهه من سوء، فتظهر في الجيل مؤشرات خطيرة تشي بما لا تحمد عقباه، وهنا لابد من اتخاذ القرار العاجل بالوقوف مع الجيل الجديد وتوجيهه نحو الوجهة الصحيحة، خدمة للجيل وخدمة للوطن الذي ينتظر الخير من هذا الجيل ومن كل جيل.

إن فهم الجيل الجديد ومعرفة طموحاته والوقوف إلى جانبه ورعايته وحمايته، كفيل بدرء كل الأخطار التي يمكن أن يتعرض لها أو يواجهها هذا الجيل، وكفيل بجعله مصدر فخر لنفسه ولطموحاته وللوطن، بعيدا عن كل جهل أو ضياع قيمي أو تبلد بالإحساس، إن الطريق أمام طموحات الجيل الجديد يجب أن يظل مفتوحا، وأبواب الحياة الرغيدة يجب أن تظل مشرعة أمامهم، وهذا من صلب مسؤولية الدولة الرشيدة، كما أرى.

*هل ترى أن المؤسسات التربوية اليوم تخلق الإنسان المثقف، أم الإنسان المُنمط؟ وكيف يمكن إعادة الروح إلى التعليم؟.

ــ هذا الموضوع فيه من التعقيد ما فيه، ولكي تكون المؤسسات التربوية قادرة على أن تخلق الإنسان المثقف لا الإنسان المنمط، فإنها بحاجة إلى الكثير، وهذا الكثير يتضمن من بين ما يتضمنه: ضرورة وجود الاستراتيجيات التربوية الرصينة، والخطط التنفيذية المبدعة، واعتماد الإعداد العالي للقائمين على العملية التربوية من مدراء ومعلمين ومدربين ومساعدين، والعمل الجاد على تهيئة مستلزمات المؤسسات التربوية بما فيها من مناهج تربوية وتعليمية مواكبة للتطورات الجارية في العالم المتقدم، ومن سبورات وأقلام ووسائل تعليمية محدَّثة وأجهزة عرض وحاسبات إلكترونية، ومن أنظمة امتحانيه قادرة على كشف المواهب والقدرات الحقيقية للطلبة، وإعطاء كل طالب حقه من التقييم والدرجات، والعناية بأصحاب المواهب والكفاءات على نحو واضح، مع الاهتمام بأبنية المؤسسات التعليمية والتربوية ومقاعدها الدراسية ومرافقها العامة وحدائقها وإدامة نظافتها، بما يجعلها علامات مضيئة في المدن والقرى والأحياء السكنية، وكل ما تقدم، مع غيره، يمكن أن يكون طريقا لإعادة الروح إلى التعليم والمؤسسة التربوية والتعليمية، مع ملاحظة أن يكون الاهتمام بالتعليم جنبا إلى جنب وكتفا إلى كتف مع الاهتمام بالتربية.

*تنتمي إلى محافظة ديالى، وهي محافظة تحمل مدنها وجعًا وذاكرة, كيف تسكن المدن داخل الشاعر؟ وهل للمدن ذاكرة شعرية؟.

ــ دَيالى (وهي بفتح الدال وإمالة اللام، كما كان يقول لنا شيخ بغداد الدكتور حسين علي محفوظ رحمه الله)، هي دَيالى الخير والسلام والمحبة والوئام، ديالى الخضرة والجَمال، والبرتقال شموس في بساتينها، فسلام الله عليها ماءً وأنهارا، أحجارا وأزهارا، أعشاشا وأطيارا، سلام الله عليها دارا دارا، والسلام على بعقوبة وفلاحتها ونهريها وجسورها الثلاثة وجامعتيها وكلياتها الحكومية والأهلية، السلام على أهلها الكرام حيثما كانوا في كل المدن والقرى والقصبات:

قالـــــــوا دَيالى فقلتُ اللهُ مولاها     يسقي بساتينها زهوا ويرعاها

قــــالوا دَيالى فقلت العزُّ معناها     لا والياً عبدتْ يومــــاً ولا شاها

ما عندها أبداً غيرُ العراقِ هوًى     والتْهُ في حبِّها الغالــي ووالاها

دَيالى ليست ذاكرة وحسب، بل هي الروح، وهي القلب، وهي الملاذ، وهي السند، وماذا بعد؟، إنها جَناني وجنَّتي بالرغم من كل شيء، وأتمنى من أعماق قلبي أن أراها أعلى شأنا وأكثر جمالا وأروع حالا، وأهلها أهل عزٍّ معروف وخير دائم، وأرضها أرض خيرات وفيرة وبركات غير منقطعة، اللهم احفظها وبارك فيها وفي أهلها الذين هم أهلي مثلما أن العراقيين أينما كانوا جميعا هم أهلي. 

*هل ترى أن الأديب العراقي اليوم هو وريث حضارة أم ضحية خراب؟.

ــ الأدباء هم نجوم الوطن المتلألئة دائما، هم الأعمدة والأوتاد، وهم القلوب النابضة بالحب والإبداع والألق، هم النهر الصافي والينبوع المتفجر الذي ينهل منه الناس القيم العالية والمعاني العالية، والحب والغيرة والرفعة والعزة، وأقلامهم أضواء ساطعة وأنوار مشعَّة وطرق تأخذ بأيدي الناس إلى ما يشرِّف ويسرُّ، تشع الحضارات العراقية في ما يكتبون وعلى ما يكتبون بفخر وسمو عاليين، ومن تلك الحضارات يأخذون الالهام ويستمدون القدرة على النهوض والسير إلى الأمام، أما الواقع فهم منغمسون فيه بحب وبفاعلية، يعانون فيكتبون، ويرون فيبدعون، هم في الوطن ومع الوطن وفي قلب الوطن وروحه، حتى إن كانوا في أوطان أخرى أجبرتهم الظروف على أن يكونوا فيها، إنهم يقرؤون وجه الوطن وهمومه وآلامه وآماله وأحلامه ويكتبون عن كل ذلك بضمير حي فاعل متفاعل غير متكاسل، فتحية لأدباء العراق وكتابه حيثما كانوا في العراق أو خارج العراق، وتحية لإبداعاتهم المبهرة التي تشهد لها محافل الأدب ومعارض الكتب ومنصات الاتحادات والنقابات ومراكز الجوائز وأوراق الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية على شبكة المعلومات العالمية (الإنترنت)، وتحية مباركة طيبة للاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق ولفروعه في محافظات الوطن العزيزة كافة.  

*ما الذي علّمك إياه الشعر ولم يعلّمه لك التعليم؟.

ــ في التعليم أنا أقف أمام الطالب، وفي الشعر أقف أمام القارئ، وفي الموقعين أتحمل مسؤوليتي الكاملة عن هذا الوقوف، وهو وقوف مشرف بكل تأكيد، وهذا الوقوف يحتِّم عليَّ أن أكون كما أريد، وأن أرسم صورتي في الموقعين على النحو الذي يجعلني فخورا بما أقدِّمه، أنا في الموقعين أبذل أقصى ما أستطيع، وأعدُّ كل جهد لي في أي موقع من الموقعين واجبا يجب تأديته على أحسن وجه، أنا في التعليم (أعمل)، وفي الشعر (أعمل)، ألم يقل الشاعر الداغستاني الكبير رسول حمزاتوف: الشاعر يعمل؟، ومن يعمل يتعلَّم، وكل صاحب عمل يتعلَّم من عمله ومن غيره، وكذلك المعلِّم، أما الشعر فمعلِّموه منتشرون في مشارق الأرض ومغاربها، فالشعر جنس عابر للثقافات، ولكنه يلتقي عبر الثقافات في الوقت ذاته، والشاعر الموهوب ذو الثقافة العالية هو الذي يؤثِّر ويتأثَّر حتى لو وقع الحافر على الحافر، ولكن في إطار من التميز والراجحية، بعيدا عن الانغلاق والادعاءات الفارغة.

*هل ثمة لحظة شعرت فيها أن الكلمات خانتك؟ متى؟ ولماذا؟.

ــ أنا لا اتَّهم الكلمات بخيانتي، ومن جانبي فلن أكون خائنا لها مهما كان أو يكون، أنا لا أستطيع أن أقدِّم قصيدة من دون كلمات، فالكلمات هي العماد والمرتكز والسند، بها وبما يتآلف معها (من تراكيب وجمل شعرية براقة جاذبة فيها الجدة والحيوية والماء والتراب والضوء والنار والريح) تكون القصيدة، وبالكلمات والتراكيب والجمل وما تنتجه من صور وما تقدمه من معان ومن جماليات إيقاعية، تصبح القصيدة تامة وبكامل زينتها وصالحة للنشر، وهي في تلك الحالة تشبه كما أرى  عروسا في ليلة زفافها.

*أي خسارة في حياتك أثّرت فيك كشاعر؟ وكيف ترجمتها أدبًا؟.

ــ كان استشهاد ولدي الأكبر معد برصاص المحتلين الأمريكان في 7/4/2004 في بعقوبة أكبر مصيبة أصابتني في حياتي وأكبر خسارة تعرضت لها، كان ولدي الشهيد طالبا في المرحلة الرابعة في كلية طب الكندي بجامعة بغداد، واستشهاده جعلني وأنا في سَورة الأسى أتساءل:

  أشمسي تهاوى قرصُها أمْ هوى بَدري    أمِ الارضُ مادَتُ تحتَ جسمي ولا أدري

أمِ النّارُ صارتْ بابَ بيتي وســــــــــورَهُ     أمِ العاصفاتُ السُّودُ قـــــدْ حفرَتْ قبري

وكم تمنيت لو أني استُشهدت بدلا عنه، ومنذ استشهاده حتى اليوم ونفسي لم تتخلص من الأسى الذي اعتصرها، معد معي حيثما كنت، وهو حي أراه ويراني لأنه شهيد، والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون: 

هدموا جدارَ الحزنِ فوق ضلوعي     فبكتْ عليَّ قصائــدي وشموعي

قمرٌ ولكــــــــــــنْ دونَ أيِّ تطلُّع ٍ     شمسٌ ولكـــــــنْ دونَ أيِّ طلوع ِ

كلُّ الدُّروبِ لهـــــا رجوعٌ أخضرٌ     إلا دروبَ الموتِ .. دونَ رجــوع ِ

البحرُ يملأ جوفَــــــــــهُ بدموعِه ِ     أنـا مثلُهُ .. جوفي امتلا بدموعي

يا ما اشتريتُ مِنَ الرَّبيعِ قصائداً     واليــــوم بعتُ قصائــدي لربيعي

*ما المكان الذي كلما زرته عاد بك الزمن إلى شيء من روحك القديمة؟.

ــ قريتي (العكر) هي ذلك المكان الذي كلما زرته عاد بي الزمن إلى شيء من روحي القديمة المتجددة، فيها وُلدت، وفيها نشأت وترعرعت بين الأعشاب والماء  وورد الجوري والخزامى، وهي تبعد بمسافة عشرين كيلومترا عن بعقوبة، حيث الأشجار والأنهار والأزهار والعصافير والحمام والدُّرّاج، وحيث المضائف والأعمام والأخوال والضيوف المتعاقبون، والقادم إلى (العكر) لا بد أن يمر بتلول الكريستال، وهي تلول يعود تاريخها إلى عصر دويلات المدن، فيها آثار الغابرين وعلاماتهم الفارقة، وفيها قطع من الذهب تلمع تحت الشمس بعد نزول المطر وانقشاع الغيوم، وفيها قبور أهلي الذي اختارهم الله تعالى إلى جواره، ومن بين تلك القبور العزيزة قبر ولدي الشهيد معد، الذي اخترت أن يكون قبري قرب قبره، ومكان قبري المحدد منذ استشهاد ولدي معد يعرفه أهلي وأخوتي.

إن أردت أن ترى الهلال في أول طلوعه فاذهب إلى هناك، وإن أرد أن ترى البدر المكتمل بأبهى صورة له فاذهب إلى هناك، هناك حيث مضائف أهلي التي تمد سجادها لاستقبال الضيوف بترحيب يليق بمكانتهم، يا هلا ويا مرحبا بكم، وحياكم، شرفتمونا، (وصب القهوة)، وقهوتنا هي القهوة العربية الأصيلة المُرَّة، التي قال عنها محمد الماغوط إنها مُرَّة لتكون متناسبة مع مرارة الواقع العربي، و(العكر) رجال أشداء وكرم حاتمي لا ينقطع، فهو ممتد ويضرب جذوره في التاريخ حتى يصل إلى جدنا الكبير فارس الكرم والشهامة والنخوة حاتم الطائي. 

 

*كيف ترى تطور الشعر العراقي بعد جيل الرواد؟ هل فقد شيئًا أم اكتسب نَفَسًا جديدًا؟.

ــ الشعر العراقي أصيل وعريق ومتجدد، وفي كل يوم هناك روافد جديدة تمتد لتصب فيه، فيزداد الشعر بهاءً وألقا ورفعة وجَمالا وقيمة، في كل يوم تعطي أرض العراق الكريمة شاعرا كبيرا، والشعر يفيض من كل الأجيال كما يفيض الماء من الأنهار، والشعر العراقي كله خير، وكم أفرح بظهور أسماء شعرية جديدة على الساحة الشعرية العراقية، الشعر العراقي الآن حديقة كبير غنّاء، وبستان كثيف الأغصان فيه كل ما هو فعال ومؤثر ولا يُنسى، وكما قال الشاعر محمود درويش: إذا أردت أن تكون شاعرا عليك أن تكون عراقيا، مع الاحترام الكامل والكبير لكل الشعراء العرب في الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه.

لم تهدأ ينابيع الشعر العراقي بعد الرواد، وظل ماء الشعر العذب الرقراق ينساب منها بكل نشاط، فارتفع ماء الشعر في الأنهار الشعرية وسقى بساتين الورد الإبداعية بالصافي من الشعر، فتلألأ الشعر العراقي تحت الشمس وفي الأفياء وتحول إلى سبائك ذهبية يتمناها الجميع ويُعجب بها الكل.  

ولا أنكر أن الكثير مما يُنشر اليوم ويملأ صفحات الفيس وصفحات الصحف وأوراق الكتب هو من الغث الذي لا ماء فيه، ولكنني متفائل، فإن من الصخر ما تتفجر منه الأنهار العذبة الفياضة بكل ما هو جميل.

* ما الفرق بين "الكاتب الذي ينتمي للوطن" و"الكاتب الذي يكتب عنه"؟ وأين تضع نفسك بينهما؟.

ــ الكاتب ينتمي بكل فخر للوطن ويكتب بكل فخر عنه، فالوطن هو روح الكاتب ونفسه وذاته وعمره وسكينته وغضبه وجرحه وأمله وألمه، إن الكتابة للوطن شرف عظيم للكاتب لا يدانيه أي شرف، والكتابة ذاتها شرف عظيم للكاتب إن كانت للوطن وفي خدمته، والكاتب إما أن يكون أو لا يكون، ولست مع أنصاف الكتاب وأثلاثهم وأرباعهم، وأنصح أنصاف الكتاب وأثلاثهم وأرباعهم أن يكفوا عن تسويد صفحات لا طائل من ورائها وليست لها قيمة في معارض الإبداع الرصين، والكتابة للوطن هي بمعنى من المعاني كتابة للإنسان وللإنسانية، فالكتابة الوطنية عابرة للثقافات والبلدان  والقارات، والإنسان هو القيمة العليا في وطن حر كريم.

*هل يمكن أن يكون الشعر وسيلة مقاومة في بلد مجروح كالعراق؟.

ــ الشعر خلاص نفسي ووجداني وعاطفي وروحي، وهو يستخدم كل ما هو فني وكل ما هو جمالي من أجل وصول ذلك الخلاص في القول الشعري إلى مداه الأبعد وغوره الأعمق وسموُّه الأعلى ومساحته الأرحب.

الشعر كي يكون شعرا لا بد من أن يكون صورة للوطن وصورة للناس، الشعر مع الوطن، ومع الناس، منهم وإليهم، ومعهم أبدا، معهم في الفرح والترح، في الراحة والعمل، في الأمل والعمل، في الحياة والممات، في كل زمان وفي كل مكان، الآن وبعد الآن:

عراقيـــــونَ يجمعُنا العراقُ     ونحنُ على هواهُ لنـــــا اتِّفاقُ

نرى في قابلِ الأيّامِ بـــــدراً     وإنْ غَطّى على الليـلِ المَحاقُ

عـــراقُ الـرُّوحِ يجمعُنا وإنّا     نُطيقُ لأجلِهِ مــــــــا لا يُطاقُ

ونثبُتُ تحت خيمتِهِ رجـــــالاً     ولو شُقَّتْ بنـا السَّبعُ الطِّباقُ

ويبقى رُغْمَ كلِّ ضنى الليالي     لنا مـــع نخلِهِ العالي اتِّساقُ

*ما الذي فقده الأدب حين ابتعد عن الريف والقرية؟ وهل للبيئة الريفية نكهة خاصة في الشعر؟.

ــ وهل ابتعد الأدب عن الريف والقرية حقا؟، وكيف له أن يبتعد عن الجَمال الصافي والماء والطين والعشب والأشجار، عن الفتنة الطاغية والأرجاء المترعة بالطيبة الحقيقية، عن القيم الأصيلة والعادات العريقة، عن الصفاء والبراءة والصدق، عن الحب والأمل والأفق المفتوح والنسيم الذي يأتي بأخبار الأهل والأحبة، عن البهاء والأصالة والنقاء، لا، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يبتعد الأدب عن القرية والريف، وهل له أن يبتعد عن المعين الرقراق، والمنهل الدائم، والسلام والحب والربيع؟، إن الأدب بحث عن الجَمال، والقرية والريف هما الجَمال ذاته.    

* هل هناك موقف تربوي غيّر نظرتك للحياة أو جعلك تعيد التفكير في دورك كأستاذ؟.

ــ تيقَّنت من خلال التجربة الواقعية أن الطالب لا ينسى تعب الأستاذ، وهو قادر على التمييز،  وهو يثمن دور الأستاذ ويعبر عن تقديره لهذا الدور، وما أسعد الأستاذ الذي يتلقى إمارات الرضا والتثمين من لدن طلبته. 

*هل الإنسان يولد شاعرًا أم يصبح كذلك بعد خيبة ما؟.

ــ نعم قد يولد الإنسان شاعرا، إذا كان ذا نفس أمّارة بالشِّعر، وعندما نتحدث عن ميلاد شاعر، فإننا نقول: الموهبة أولا ثم الدربة ومعرفة الصنعة، وهنا نتذكر قول الجاحظ عن الشعر الذي جاء فيه: إنما الشعر صناعة، وضرب من النسج، وجنس من التصوير، وقد لا يولد الإنسان شاعرا، ثم يصبح شاعرا بعد عمر طويل، ومن ذلك أن النابغة الذبياني كان من فحول الشعراء وفي الطبقة الأولى من طبقاتهم  في العصر الجاهلي، ولقب بـ "النابغة" لأنه نبغ في الشعر في حوالي الأربعين من عمره، وظل يكتب الشعر حتى وفاته، وهو من شعراء الحضر، حيث أقام معظم حياته في بلاط الملوك مثل النعمان بن المنذر، ومن الشعراء المعاصرين الذين كتبوا الشعر متأخرين، الشاعر الإماراتي نايف عبد الله الهريس (1942 - 2022) الذي توفي عن عمر ناهز الثمانينً، والذي اكتشف موهبته الشعرية بعد إحالته على التقاعد وبلوغه الرابعة والستين من العمر، وكتب أول نص شعري له في رثاء المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، عقب وفاته مباشرة، وقد صدر للشاعر المجموعات الشعرية الآتية: (سلام على البردة) 2014، و(سواقي المطر) 2015، و(المسبار) 2016، و(لا تسلني من أنا فالشعر جواب) 2017، و(أسير الموج)2018، (البيسان)2019، و(سابر الخضم) 2020، ومما هو جدير بالذكر أن الشاعر الهريس أضاف إلى البحور الشعرية العربية بحرا جديدا أسماه (البيسان)، ووزن البحر الجديد هو: (فعولن مفاعيلن مُفاعَـلَـتن)، وهو يجمع بين (فعولن مفاعيلن) وهي الوحدة الإيقاعية للبحر الطويل و(مفاعلَتن) وهي الوحدة الإيقاعية لبحر الوافر، أما القول بأن الإنسان يصبح شاعرا بعد مروره بخيبة، فهذا ما لا أسير معه، فلا يمكن لظلام الخيبة أن يطلع منه ضوء الشعر، ولكن كما سبق أن قلت، فإن العرب كانت تعوِّل على (الباعث على القول الشعري)، وكان أبو هلال العسكري (ت395هـ) صاحب (كتاب الصناعتين الكتابة والشعر) يقول: (كان امرؤ القيس أشعر الناس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وزهير إذا رغب، والأعشى إذا طرب)، أي أنه ربط بين القول الشعري والدافع على قوله، وأنا من الذاهبين هذا المذهب.

*برأيك، أيهما أقرب إلى جوهر الإنسان, الألم أم الفرح ولماذا؟.

ــ في كل حياة، هناك الألم، وهناك الفرح، والحياة لا تثبت على حال، فهي كما قال عنها الإمام علي (كرَّم الله وجهه): (مَثَلُ الدنيا كَمَثَل الحيّة: ليّن مسّها، والسمّ النّاقع في جوفها، يهوي إليها الغرّ الجاهل، ويحذرها ذو اللّبّ العاقل)، الدنيا تتقلب ولا يهدأ لها بال، ولننظر لنرى أن الله تعالى يقلِّب الليل والنهار، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ويدخل الليل في النهار، ويدخل النهار في الليل، وفي النتيجة فإن الحياة ألم وفرح.

يقلِّب الله الليل والنَّهار، وهكذا فإنَّ الأيام والليالي متقلبات، ومعها تتقلَّب الأحوال، يقولون: يومٌ لكَ ويومٌ عليكِ، ولكنَّنا نرى أن الأيّامَ كلَّها علينا، وفي هذا المعنى يقول النمر بن تولب:

فيومٌ علينا ويومٌ لنــــا     ويومٌ نُسَاءُ ويومٌ نُسَرّ

فلماذا لا نرى سوى (الأيّام التي علينا) وسوى (الأيّام التي بها نُساءُ)؟، ولا نرى (الأيّام التي لنا) و(الأيّام التي نُسَرّ بهاُ)؟،

يقولون: لكلِّ قومٍ يومٌ، فلماذا ليس لقومِنا يومٌ؟، ويقولون: الدَّهرُ يومان: حلوٌ ومرٌّ، فلماذا دهرُنا منذ أن جئنا إلى الحياةِ مرٌّ، مرٌّ وحسب؟، ولماذا نبكي على ما مرَّ من دهرِنا في الوقت الذي كنّا فيه نبكي منه عندما كانت أعطافه تضمُّنا، وحالنا هذا عبَّر عنه الإمام علي بن أبي طالب (كرَّم الله وجهه) في البيت الآتي المنسوب إليه:

رُبَّ يَوْمٍ بَكَيْتَ مِنْهُ فلمّا     صرتَ في غيره بكيتَ عليهِ

وها هي أيّامنا مقصَّصةٌ، وهنا أقول ما قاله أبو تمّام:

وأيّامُ الهمومِ مقصَّصاتٌ     وأيّامُ السُّرورِ تطيرُ طيرا

فأيّام الهموم على وفق وصف أبي تمام طيورٌ جاثمة على صدورنا، ولا تقدر على الطيران لأن أجنحتها مقصَّصة، فيما تطير طيرا أيّام السُّرور، فيا لها من مفارقة مؤلمة!.

وهنا نتوقف لنسأل أنفسنا قبل أن نسأل الأيام: ما الذي فعلناه من أجل أن تكون الأيام لنا وليس علينا؟، وما الذي فعلناه من أجل أن نُسَرَّ بأيّامنا لا أن يُساءَ بها إلينا؟، وما الذي فعلناه من أجل أن يكون دهرنا حلوا لا مرّأ؟، وما الذي فعلناه من أجل أن يكون السُّرور طائرا مقيما عندنا وليس طائرا مهاجرا منّا؟، وهنا نتوقف لنقول: إن الأمر يتعلَّق بنا قبل أن يتعلَّق بالأيام وبالدَّهر وبطائر السُّرور أو الهموم، ومادام الأمر كذلك، علينا أن نكون، أن نكون فاعلين مؤثرين، مبدعين مجدِّدين، متقدِّمين غير متراجعين، ساعين إلى الخير وعاملين في حدائقه الغنّاء، وأن نكون محاربين أشاوس للفساد، وأن يكون بيننا وبين الفساد بُعْدَ المشرقين، فليس مثل الفساد من آفة مجلبة للشرور وكاسرة للظهور.

* في قصيدتك "وردة العراق"، نلمس مزيجًا من الحنين، الوجع، والانتماء, ما القصة وراء هذه القصيدة؟ ومن هي "وردة العراق" في قلب الشاعر؟ هل هي امرأة، مدينة، أم فكرة تنهض من رماد الخسارات؟.

ــ هنا أقول: (في ذلك الزّمان، في ذلك المكان، كنتُ أكتبُ اسم (آمنة) على العشب، بين الخزامى، وأمضي، وكان الذين يسيرون خلفي، وهم من أبناء عمومتي وخؤولتي، يندهشون، فليس في قرية العكر من فتاة بهذا الإسم، كانت (آمنة) تقول لي: أنت مجنون، فأقول لها: بكِ، فتقول: ماء نهر العكر لا يجري في نهر خريسان، أعني: قرية العكر لا تستقبل زوجات من بعقوبة، إنّك تضع نفسك في دائرة العقوبة، في ذلك المكان، في ذلك الزّمان، كانت نفسي مثل حديقة آشور بانيبال التي كانت تضمّ ثلاثمائة نوع من الورد، وكنتُ صديق العصافير، وكنتُ أتقاسم معها التّوت الذي تُغدقه علينا شجرةٌ تقع قُبالة مرقد النبيِّ دانيال، كنتُ قد زرعتُها عندما كنتُ صبيّاً، في ذلك الزّمان، عندما كان المطر ينزل ثم ترتفع الغيوم مغادرة، كنت أرتقي تلول الكريستال بحثاً عن الذّهب الذي يدّلُ عليه لمعانه الجذّاب تحت الشّمس، وهناك، عندما أكون على تلول الكريستال، تكون قرية (خشب) على مرمى وردة، أمدُّ بصري فألمح الدكتور فاضل عبّود التميمي، يجالس الشّيخ عبدالقاهر الجرجاني، فأُخمِّن أنّهما يتحاوران في تأمُّلات الجرجاني لأشعار المتنبّي في كتابيه (دلائل الإعجاز) و(أسرار البلاغة)، فأرسلُ سلامي على لسان حمامة، تعود الحمامة بالسّلامة حاملة رسالة)، وإلى جانب ذلك أقول:

أصابــــــــــعُ كفِّها مـاءٌ وقُوْتُ     وتينٌ صبحُ ضحكتِها وتـوتُ

أموتُ وكلُّنا سنموتُ يومــــــاً     ويحلو الموتُ لو حبّــاً أموتُ

ألا فليعلَمِ (المجنـــــــونُ) أنّي     لقيتُ بحبِّ قلبي مـــــــا لقِيتُ

لَوَيْتُ شدائـداً وقفتْ أمـــامي     ولكنّي بحُبّي قـــــــــــــد لُوِيْتُ

يدورُ الحبُّ بــي وأدورُ فيــهِ     بكفَّيـــهِ زلالاً قـــــــــــد سُقِيْتُ

شربتُ من المحبَّةِ ألفَ كأسٍ     ولكنْ يا لَحظّي مـــــــا رُويتُ

بدورُ الحبِّ ليس لـــها أُفولٌ     ونــــارُ الحبِّ ليس لها خفوتُ

أنا أدري بـــأنَّ الحبَّ موتٌ     وأدري أنَّــــــــــــهُ محيٍ مميتُ

ولكنْ لن أقولَ لَهُ وَداعــــاً     وأبقى مثلَ قيسٍ مـــــــــا بقِيْتُ

* في كتابكم "نجوم تلألأت حول قمر"، لم يكن مظفر النواب مجرد موضوع،  بدا وكأنه قمر تدور حوله محبة الشعراء ووفاء الأدباء, لماذا اخترتم أن تكتبوا عن مظفر بهذه الروح الحميمية؟ وما الذي يمثّله لكم مظفر, شاعر؟ مقاوم؟ أم ضمير ظلّ يقظًا في زمن الغفوة؟.

ــ منذ عام 2015 وأنا منشغل بشكل كبير بمظفر النواب، والبداية الجادة كانت عندما اخترت أن يكون عنوان رسالتي للماجستير (الإيقاع ــ أنماطه ودلالته ــ في شعر مظفر النواب)، وقد أنجزت هذه الرسالة وصدرت عن دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد عام 2019 تحت عنوان (مظفر النواب شاعر الصبر العراقي الجميل، دراسة في الإيقاع ـــ أنماطه ودلالاته ـــ في شعر مظفر النواب)، وفي عام 2022 صدر عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق كتاب (مختارات من شعر مظفر النواب)، وقد قمت في هذا الكتاب بتحرير السيرة الذاتية لمظفر النواب وتدقيق النصوص الفصيحة، وفي عام 2024 صدر كتاب (نجوم تتلألأ حول قمر مظفر النواب، حوارات مع مظفر النوب، مقالات عنه، قصائد مهداة إليه)، وقد قمت بتحرير وتدقيق وتقديم هذا الكتاب، الذي صدر عن دار الشون الثقافية العامة، وزارة الثقافة والسياحة والآثار، وكان الكتاب بجزأين، يقع الجزء الأول بـ (696) صفحة من القطع الكبير، فيما يقع الجزء الثاني بـ (520) صفحة من القطع الكبير أيضا، وفي هذا الكتاب بجزأيه كتب (147) أديبا وكاتبا وصحفيا (173) من الموضوعات عن مظفر النواب، ومن جانب آخر، تم اختياري لأكون عضوا في اللجنة التي شكلتها دار الشؤون الثقافية العامة لجمع وتدقيق الشعر الفصيح لمظفر النواب والعمل جار بنشاط عال لإنجاز هذا السفر المهم الذي سيكون له صدى واسعا في الأوساط الأدبية والثقافية العراقية والعربية على حد سواء.

إن مظفر النواب شاعر الألم العراقي والحزن العراقي والحب العراقي والرفض العراقي لكل ما مقيد للحريات، ومن يسأل عن مظفر النواب، سأقول له: إنه بالرغم من كل ما كان، كان (يواصل سُكره بالكون من غير مزج) و(يغسل حَنجرته بالنبيذ) و(ويُربكه أن أقوى الخمور الرديء)، إنه (انقلاب أبيض من عَرَق)، وهو (صريح، يحب زوايا عيون النساء)، و(يموتُ بنهدٍ يحكمُ أَكثرَ مِنْ كِسرى في الليلِ)، وكان يراقب من كثب  (شجيرات البر التي تفيح بدفء امرأة بدوية، يكتظُّ حليبُ اللَّوزِ فيها، ويقطرُ مِنْ نهديْها في اللَّيلِ، وهو تحتَ النَّهدينِ إناءْ)، وهو (يمقت من يُشهرون الحسين لغير الوصول إلى ثورة) فأولئك يشهرون الحسين للوصول إلى (ثروة) لا (ثورة)، و(يبكي وعينه مملوءةٌ بالسُّرورْ)، ولقد (تعلَّم أن يلعبَ وحده ويخسر وحده)، وكان يعلن أن (الجوعَ أَكبرُ آبائِنا الثّائرينَ)، وكان يرى أن (منائر شعره تتكبر أن تتزيّن بالذهب)، وأن (رَحْلَ حماره مملوء بنجوم الليل) ، ومظفر النواب (واحد، ولكنه ليس وحده، ففي جانحيه الأنام).

     ومظفر النواب، هذا الذي (جعلته الدمعات كمنديل العرس طريا، لا يجرح أحدا)، والذي يرى أن (امرأَته حينَ يسْكَرُ كلُّ النِّساءِ)، و(أَنه مَلِكُ التِّرحالِ على قَدَمَيه) وأن (تاجَ التّيجانِ على رأْسه حبَّةُ قمحٍ)، يُحزنه أن بلادنا (كصناديق الشاي مهرَّبة)، وأن وطننا (سيبقى ناقلة للنفط مدهَّنة بسَقام الأحزان وأعلامِ الدول الكبرى)، وأننا (نموت مذلَّة)، وكيف يكون كل ذلك، إنه لأمر يثير الاستغراب حقا، وهو مرفوض بشكل قاطع ولا يمكن أن يرضى به غيور:

((فإنّا لَقومٌ كعبَةٌ كـــلُّ أرضِنا

               نعانِقُ مِنْها للسَّماءِ مَعانِيــا))

     ولقد حمل مظفر النواب عصا الترحال وسافر، سافر شرقا وغربا، وشَمالا وجنوبا، فرأى ما رأى من دولٍ وعواصمَ ومدنٍ كثيرة: دمشق، بيروت، القاهرة، طرابلس، الجزائر، الخرطوم، ظفار (سلطنة عُمان)، أرتيريا، إيران، فيتنام، اليونان، فرنسا، ألمانيا، بريطانيا، أميركا، فنزويلا، البرازيل، تشيلي، وغيرها، وفي كل تلك الدول والعواصم والمدن، كان مظفر النواب يُقيم أمسيات شعرية يتزاحم فيها الناس لسماع أشعاره التي يُلقيها بطريقته الأخّاذة على وقع الموسيقى المُصاحبة، والتي وصلت إليهم قبل وصوله، وانتشرت بينهم كانتشار رائحة القِدّاح في شهر نيسان، عبر الأشرطة الصوتية التي تناقلتها الأكف كفا بعد كف حتى عبرت الأنهار والبحار والمحيطات ووصلت إلى أماكن شتى في أرجاء المعمورة.

   وهذا هو مظفر النواب، شغله وشاغله العراق، فالعراق هذه الأرض التي (رُويت بالدّم والشمس)، معه في كل حركة وكل سكون، وفي كل حلٍّ وكل ترحال، وفي كل حلم وكل ألم وكل أمل، يلازمه، يتنفسه، يتداخل معه، يشهق معه:

((ما أَظنُّ أَرضاً رُويَتْ بالدَّمِ والشَّمسِ كأَرضِ بلادي

  وما أَظنُّ حزناً كحزنِ النّاس فيها

  ولكنَّها بلادي

  لا أَبكي مِنَ القلبِ

  ولا أَضحكُ مِنَ القلبِ

  ولا أَموتُ مِنَ القلبِ

  إلا فيها))

     ويطول الفراق، والفراق هو موت بطريقة أخرى، وتستمر الغربة، والغربة هي أحزان وسموم، وتظل العودة حلما يراود مظفر النواب في المنام واليقظة، فليس سوى اللقاء ما يغسل وعثاء الزمان المتلبد ويمسح غباره الثقيل، والنخلة هي الشراع في هذا الإبحار الطويل، وهي الكف التي تلوح للقادم المشتاق من بعيد.

* في قصيدتكم التي أهديتموها إلى شهداء سبايكر، كان الحرف يحمل شيئًا من التراب، وشيئًا من الدم وشيئًا من الألم، كيف تصوغ القصيدة نفسها حين يكون موضوعها جرحًا وطنيًا مفتوحًا؟ وهل يكفي الشعر ليقاوم النسيان أم أن عليه أن يصرخ أيضًا؟.

ــ إن الجريمة النكراء التي ارتكبها تنظيم داعش الإرهابي تحت مسمّى (جريمة سبايكر) لتدل دلالة قاطعة على أنه تنظيم متوحِّش لا يعرف شيئا ولو بسيطا عن معنى الإنسانية وقيمها، إنه تنظيم خارج عن السنن السماوية والإنسانية، ومارق لا يَعرفُ شرُّهُ حدودا، إنه يريق الدماء البشرية مثل حيوان مفترس، وهو بحاجة ماسة إلى ردع وطني حاسم مثلما هو في الوقت ذاته بحاجة إلى ردع عالمي شامل على جميع المستويات: التسليحية والتجهيزية والمالية وصولا إلى قطع الماء والطعام وعدم السماح له بالتنفس، فالهواء الذي يغلف سطح الأرض هو حصة الشرفاء العاملين من أجل سلام هذه الأرض لا الذين ينشرون الشر المستطير ويسفكون الدماء البريئة، ويخربون كل جميل، وإن أكبر رد على جريمة سبايكر كان سحق الشراذم الداعشية الإرهابية، وهذا ما كان بعزم قواتنا المسلحة بمختلف تشكيلاتها وصنوفها، وبمساندة الشعب بكل ما هو مستطاع وممكن. إن الصفات الداعشية بما فيها من عدوانية مقيتة ووحشية شديدة، جعلتني استرجع ما قاله فرويد عن الإنسان، فالإنسان عنده (كائن عدواني شرس)، وهو (مدفوع بطبيعته البايولوجية ذاتها نحو العدوان)، ويرى فرويد (أن مظاهر التخريب والعدوان والشر التي تطبع حياة الإنسان المعاصر، مظاهر ذات أساس بايولوجي حتمي متين، ولا سبيل إلى الخلاص منه، وهذا ما يفسر لنا جميع مظاهر الشر والعدوان والحروب، سواء أتلك التي وقعت في ماضي الإنسان أم تلك التي تحدث في حاضره)، ولكن هذا الإنسان بكل الصفات العدوانية التي أغدقها عليه فرويد، لن يستطيع أن يقوم بعمل كبير وشامل ومخرب ومدمر وقاتل إن لم تكن هناك جهات مستفيدة راعية وموجهة وداعمة له، جهات لها قدرات استثنائية من حيث التمويل والتجهيز والتدريب والتسليح، فالشر بحاجة إلى الكثير والعديد من المستلزمات ومن العديد من الرعاة المقتدرين لكي يكون مؤثرا ومنتشرا، وهنا، هنا بالضبط، يظهر إلى العيان وأمام الجميع الدور المنتظر الذي يقع على عاتق كل قوى الخير والسلام التي تشغل مكانا على سطح هذه البسيطة المحبة للسلام والطمأنينة والخير، أن تحتشد بعزم لا يلين وأن تقوم بواجبها الأخلاقي والإنساني في القضاء على كل ما يزعزع السلام على هذه الأرض التي جعـــــــــلها الله لنا كفاتا أحياءً وأمواتا، ولقد قلت:

تبيعُ؟ تبيعُ بعضُ النّاسِ باعوا     وبعضٌ لا وإنْ عطشوا وجاعوا

إذا الدنيـــا اسبكرَّتْ وادلهمَّتْ     يكون على رُبانـــــــــــا الإلتماعُ

وقلت أيضا قصيدتي (دمعةٌ على بوّابةِ معسكر سبايكر)، وهي القصيدة التي ألقيتها عام 2024في كلية اليرموك الجامعة، وهى مهداة إلى شهداء سبايكر:

غابوا ونحنُ على  الأبواب  ننتظرُ 

 الحوتُ جاءَ   فماذا  يفعلُ  القمرُ

غابوا ومازالتِ  الأبوابُ  في  أملٍ

أنْ يطرقَ البابَ ناجٍ  هدَّهُ  السَّفرُ

لقد  صبرْنا  ولكنْ  لا  سبيلَ   لنا

لم يبقَ مصطبرٌ لم يبقَ    مصطبرُ

النارُ في  القلبِ  تكويهِ   وتحرقُهُ

والوقتُ جمرٌ على الأرواحِ  ينهمرُ

والأمَّهاتُ       تنانيرٌ      مسجَّرةٌ

والخبزٌ محترقٌ   والدَّمعُ    منحدرُ

والدّاعشيّونَ  سودٌ  في     فِعالِهُمُ

ومنْ    قلوبِهُمُ     يطّايرُ    الشَّررُ

الدّاعشيّونَ    جرذانٌ      مؤدلجةٌ

هل  أنَّهم   بشرٌ  هل  أنَّهم   بشرُ

قلوبُهُم   حجرٌ،   صحراءُ   واسعةٌ

لا ماءَ في رملِها يجري، ولا  شجرُ

لو كان ذنباً  لقلنا   سوفَ    يُغتفَرُ

لكنَّهُ   القتلُ   عمداً   كيفَ    يُغتفرُ

شبابُنا جنَّةُ  المأوى   لهمْ     سكنً

والدّاعشيونَ ما  عاشوا  لهمْ   سَقَرُ

*لو كان بإمكانك أن تترك للقراء كلمة أخيرة من هذا الحوار كرسالة تتجاوز الوقت والمكان، ماذا كنت ستقول؟.

ــ أقول:

الحبُّ قافيتي  ووزني  أنا  منهُ  حتماً  وَهْوَ  منّي

حبُّ العراقِ  وأهلِهِ  عن  كلِّ  حبِّ  الأرضِ  يُغني

ما  خابَ  ظنّي  بالعراقِ  وأهلِهِ  مـا  خابَ   ظنّي

فلْيعلَمِ  الماشونَ  فوقَ  الأرضِ  مِنْ  إنسٍ  وجِنِّ

سيدومُ   حبّي   للعراقِ   وأهلِهِ   مِنْ   غيرِ   مَنِّ

سيدومُ     حبّي  مــــا  حَيِيتُ يدومُ حتّى بعدَ دفني

خوَّضتُ  بينَ  الصّاخباتِ  ولمْ  أقـلْ  إنّي    وإنّي

بلْ رحتُ أمسحُ بالجَميلِ مِــنَ القصائدِ دمعَ حزني

مشاركة:

آخر تحديث: ٣ آب ٢٠٢٦ في ٠١:٤٠ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

طيور يتيمة
سرد

طيور يتيمة

لا أحد يعرف كيف جاء هذا اللقب ، ولا أحد يعرف معنى هذا اللقب أيضاً ، لا أحد منا نحن الأولاد العفاريت ، يعرف أيَّ شيء عن أهل - غريب النسلي - ، ولسنا ندري من أين وصل إلى حيِّنا العتيق ، ليفتح دكان حلاقته العجيب ! ذلك الدكان الذي يوفر الفيء والهواء المنعش لنا ، ويجعلنا مبهورين بالطيور التي تتهادى…

· 12 د
على منحدر النهر:
قراءات

على منحدر النهر:

صورة باهتة، معلَّقة على جدار مقهى صيفيّ في شارع أبي نؤاس، أواسط سنوات العقد السابع من القرن الماضي، وحدها ما تؤرخ للحظة انفضاضٍ وشيك (هجرة، اشتباك، اعتقال، تخلّ، نشر آخر أعمال جيل العقد الستّيني، موت بطيء وانهيار آمال وتوقف زمن). حادثٌ مأساوي- كوفاة صادق الصائغ- سيرتّب موعداً تراجعياً لجلسة صيفية…

· 6 د
الكاتب وارد بدر السالم:

الواقع العراقي بجملته يغري بالكتابة والتلون السردي
حوار

الكاتب وارد بدر السالم: الواقع العراقي بجملته يغري بالكتابة والتلون السردي

يقتحم المسكوت عنه ويمزج الواقعية بالسحرية الكاتب وارد بدر السالم: الواقع العراقي بجملته يغري بالكتابة والتلون السردي أمسكت عصا الكتابة من طرف واحد كنتُ أخاف من كتابة الرواية حتى كتبتها أنتصرُ للمرأة لأنني أنتصرُ للحياة كيفما كانت من شط العرب تفرعت البصرة الى قصص وروايات وقصائد ومسرح وحكايات كثيرة…

· 16 د