حوار: عبد الحق السلموتي
المبدع المغربي، كمال الإدريسي، هو أستاذ لمادة اللغة العربية، بسلك الثانوي الإعدادي. حاصل على شهادة الإجازة في الدراسات الأساسية – اللغة العربية وآدابها. وحاصل كذلك على الإجازة المهنية في الدراسات والمهن المسرحية.. ولج عالم النشر في سن الشباب المبكر. وفي حوزته عدة إصدارات، في مجالات: الشعر الفصيح/قصيدة النثر، وشعر الزجل باللهجة العامية المغربية، وكذلك في المسرح والقصة القصيرة.
في هذا الحوار سنسعى للاقتراب من عوالم هذا المبدع المتعدد، سنستدرجه للحديث عن فترات من طفولته، صعبة وقاسية غاصت في أعماق ذاكرته، دون أن يقوى على طيها، أو ركنها جانبا. سيجرنا الحديث بطبيعة الحال معه، حول ارتباطه بالإبداع. كيف ولجه؟ وكيف ينظر إليه ويقومه؟ وحول أشياء أخرى مثيرة ومدهشة. نترك لقارئ هذا الحوار فرصة اكتشافها.
* الأستاذ كمال الإدريسي، أنت مبدع متعدّد. تكتب في الشعر والزجل والمسرح كذلك، وهناك أنماط أدبية أخرى تبصم عليها من حين لحين.
سؤالي هو: هذا السفر من صنف إبداعي إلى آخر، هل هو اختيار من البداية؟ أم أن قدر الإبداع أراد لك ذلك؟
- سأكتفي بالقول إن الأفكار التي تراودني وتقتحمني هي التي تُملي عليّ النمط الذي أكتب فيه. فهناك أفكار لا تصلح إلا أن تكون نصا مسرحيا، لأن الفكرة تحتاج جسدا وصوتا وفضاء، وهناك حالات أكون فيها تحت وطأة القصيدة، ومرّات يأخذني الزجل في منحاه فلا أعود إلا إليه، إذ يصبح الواقع اليومي نافذة أنفذ منها للتعبير عن مشاعري زجلا.
ثمّة وازع آخر كان يحركني سابقا، وهو الرغبة في التجريب، أمّا اليوم فأخوض هذا التعدّد بكثير من التهيّب والحرص. إنه خيار يوسّع مداركي، ويدفعني إلى الاشتغال والبحث.
فإن كانت قصيدة فصحى، عكفتُ عليها تهذيبا وتشذيبا، قراءة ومراجعة.
وإن كانت مسرحية، عشتُ أدوارها وتقمّصتُ شخصياتها حتى أفرغ منها.
وإن كانت قصيدة زجلية، لذتُ إلى معجمها، أوسوسُ وأُنقّح مبنى ومعنى.
هل هو اختيار أم قدر؟
ربما هو تواطؤ جميل بين الاثنين:
اختيار ألا أُقيّد الكتابة، وقدرٌ جعلني أؤمن أن الإبداع حين يكون صادقا، فإنه يرفض أن يُحبس في خانة واحدة.

* أعرف أنك جربت وبحثت عن نفسك عبر محاولات أدبية، في سن مبكرة سأعود لهذه المسألة في سؤال لاحق.
إذا اعتمدنا الإصدار الورقي، ولجتَ عالم النشر في العام 2013، بأضمومة زجلية تحت عنوان: "الزيتونية حب الرمان".
حدثنا عن كتابك الأول هذا، كيف خرج إلى النور؟ وما الذي لا تزال الذاكرة تحفظه عن هذه المغامرة أوالتجربة؟
- ديواني الأول، «الزيتونية حب الرمان»، ما زالت قصائده تتجلى أمامي وتدوي في سمعي، ليس لأنه الأول، بل لأنني كتبته وأنا أتوسم أمي وأراها في كل تفاصيله. دعني أفضي لك بسر: العنوان استلهمته منها، بارك الله في عمرها، فهي الزيتونية. أما «حب الرمان»، فجاء من شامات على شكل حبيبات حمراء تُبَقع ظهرها، فتزداد احمرارا كلما حلّ موسم قطاف الرمان، وتعود طبيعية في غيره. ما شهدته من هذا المشهد، وما عانته هي بعد وفاة أبي ونحن صغار، وما تحملته من ضنى في سبيلنا، جعلني أهدي ديواني إليها. ولذا أضفت قصيدة بالعنوان نفسه، عاكفا على العمل، وكلما أختمها، كانت تقول لي: «ينقصها شيء»، فأعود إليها وأعيد النظر حتى اكتملت.
هكذا خرج الديوان في عشرين قصيدة، تُتوجها قصيدة الأم عن الأم، التي تحمل كل الامتنان والحب والاعتراف بما صنعته من صبر وتضحيات.
خروجه إلى النور لم يكن سهلا ولا سلسا؛ كان مغامرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فيها حماس البدايات وارتباكها، وفيها تعلّمت أول دروس الصبر والانتظار. اكتشفت حينها أن الكتاب، حين يغادر صاحبه، لا يعود ملكه، بل يصبح كائنا مستقلا يُقرأ بطرق لم تكن في الحسبان.
ثم جاء الاعتراف الرسمي، حين حظي الديوان بالجائزة الكبرى في مهرجان ربيع الزجل المغربي الدولي بمدينة مراكش سنة 2014، ونلت بذلك لقب زجال الحمراء.
* في نفس الفترة، وبالتحديد في العام 2014، وعبر "العاشقة خادم" ولجت عالم النشر المسرحي. ارتباطا بالسؤال السابق، قربنا من هذه التجربة أيضا، تجربة إصدار أول كتاب مسرحي، ولماذا من وجهة نظرك، سبق الزجل المسرح على مستوى الإصدار الورقي؟
-«العاشقة خادم» هو منجز مسرحي يتألف من ثلاث مسرحيات: العاشقة خادم، السر في البير فضحو البندير، وياقوت زين الحشمة. جاءت النصوص بلغة زجلية وإيقاعية، مستلهمة فكرة أن النص المسرحي لا بد أن يتزيّن باللغة الشاعرية الجميلة والمشرقة، وليس فقط بالموضوع والفكرة. أذكر أنني اشتغلت عليه كثيرا: أبني وأُعلي، أصوّب وأعدّل، وكانت لدي رغبة مستعيرة لإثبات الجدارة، وتحقيق الذات، والمنافسة، والانتصار إلى نصوصي وإلى لغتي.
سبق الزجل المسرح على مستوى الإصدار الورقي لأنه كان أقرب إلى ذهني وقلبي في تلك المرحلة: لغة يومية، نبض الحاضر، وشغف التجريب الأول الذي يمكنني التحكم فيه بشكل مباشر. أما المسرح، فكان يتطلب مني بناء عالم متكامل من الشخصيات والفضاءات والحوارات، ولذلك جاء لاحقا بعد أن اكتسبت تجربة النشر الأولى، وثقةً بأن قراءتي لنصوصي تتجاوز حدود الورق إلى خشبة المسرح والعرض الحي.
في تلك الفترة كنت طالبا بشعبة الدراسات المسرحية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ابن امسيك، وإلى جانب الدراسة كنت أشتغل في حقل التدريس. ومن حسن حظّي، أن الدكتور عبد الكريم برشيد أخذ على عاتقه وضع مقدمة وافية لكتاب العاشقة خادم، ما أسعد نفسي وطيب خاطري كثيرا.

* أبقى معك في الزجل، الذي صدرتَ فيه ست دواوين، لوطلبت منك أن تقسم تجربتك الزجلية إلى مرحلتين.
ماهي الدواوين التي ستصنفها ضمن المرحلة الأولى؟ وما تقويمك لهذه المرحلة؟
- في الزجل أبوحُ وأتعالى، وأكشفُ وأقاربُ اللغة الشفيفة وأقارعها. هي رغبةٌ تتولّع في دواخلي لأكون مميّزا ونادرا، وهي ليست حافزا في الزجل وحده، بل في كل تجربة إبداعية خضتها، أو جنس أدبي طرقته؛ إذ تظلّ هذه الدوافع تؤثّث علاقتي بالكتابة وتوجّه اختياراتي الجمالية.
أُصنّف ضمن المرحلة الأولى الدواوين: الزيتونية حبّ الرمان، تال فين، باعتبارها مرحلة التأسيس لصوت كمال الإدريسي وخطّه البيّن. فقد كان التأسيس فيها على مستوى النبرة واللغة والرؤية، حيث كنت أختبر طاقتي التعبيرية والرمزية، وأتلمّس العالم، وأحاور الهشاشة والذاكرة والقلق الإنساني..
وأقيّم هذه المرحلة بوصفها مرحلة الصدق العفوي والتشكّل الواعي في الآن نفسه؛ مرحلة منحتني أرضية صوتية ولغوية صلبة، ومكّنتني من بناء ملامح مشروع زجلي يتجه تدريجيا من البوح الوجداني إلى وعي أعمق بالبناء الجمالي والرهان التعبيري.
* بطبيعة الحال، الدواوين المتبقية التي سنخصصها للمرحلة الثانية، هي: ودعة بنت الخيّال، الشهبة ذياب، عيوط هايجة في سكات الليل، the harp وبندير السماء.
على منوال السؤال السابق، ما تقويمك الشخصي، لهذه المرحلة الإبداعية؟ ومن أين اقتنصت فكرة ولوج تجربة الهايكو بالزجل؟ حيث أحرزت السبق في ذلك، عبر عنوان: عيوط هايجة في سكات الليل...؟
- هي مرحلة لا تختلف كثيرا عن الأولى من حيث هاجس التفرد، فقد دخلتُها وأنا ما أزال مشحونا برغبة أن أكون صوتا متفرّدا في دنيا الشعر، والزجل على الخصوص، غير أنّ ملامح التطور والنضج بدت أكثر وضوحا، وسيُدرك القارئ حجم هذا التحوّل عند تأمل هذه الدواوين.
فلقد انتقلتُ من عفوية البوح إلى اشتغال أعمق على البناء والاقتصاد اللغوي والاشتغال الرمزي. أصبحتُ أكثر ميلا إلى التكثيف، وإلى تشذيب العبارة الزجلية، والبحث عن إيقاع داخلي يتجاوز المباشرة نحو أفق تأملي وجمالي أرحب.
في ودعة بنت الخيّال، والشهبة ذياب. كان الاشتغال أعمق على الحكاية، وعلى استلهام التراث، وعلى الكلمة بما تختزنه من رمزيات وإحالات دلالية، وهو اشتغال ارتبط بقراءاتي وبحثي ومشاركتي في ملتقيات ومهرجانات شعرية وزجلية، حيث أتاح لي الاحتكاك بحساسيات مختلفة وأصوات متعددة أن أوسّع أفق التجربة وأعمّق رؤيتي الجمالية.
ومع هذا التراكم التجريبي، خطرت فكرة الهايكو الزجلي بوصفه أفقا للتكثيف والاقتصاد اللغوي والقبض على اللحظة الشعرية الخاطفة داخل الدارجة. ويُردّ الفضل في توجيه هذه التجربة وصقلها إلى الشاعر والمترجم نور الدين ضِرار، الذي لم يواكب هذه المغامرة فحسب، بل قدّم أيضا لديواني في زجل الهايكو، مؤطرا هذا المنحى التجريبي نقديا وجماليا، بحكم تمرّسه في هذا النمط ومعرفته الدقيقة بجمالياته. ويجدر بالذكر هنا أيضا الروائي عبد العالي أناني، والشاعر والناقد محمد عرش، اللذين لم يترددا في إلهامي هذه المغامرة الأدبية، ولو بشكل إشاري.
وأشير هنا إلى أن هذا الديوان يُعدّ، في تقديري، الأول من نوعه، من حيث اشتغاله على الهايكو داخل الزجل، باعتباره تجربة جديدة ومغامرة جمالية تحمل طابع السبق الشعري، وتسعى إلى توسيع أفق الزجل المغربي عبر الانفتاح على أشكال شعرية كونية، دون التفريط في خصوصيته اللغوية والإيقاعية.
أما عن ديوان: The Harp وبندير السماء، فهو تجربة حداثية في الزجل، حافظت على عمقها الشعري والرمزي. اشتغلت فيه على مزج الإيقاع الموسيقي بالزجل، وربط الصور اليومية بالرمزية والفانتازيا، مع لغة مرنة بين الدارجة والفصحى. الديوان يفتح آفاقا على عوالم داخلية وخارجية، بين اللعب والجد، بين الطفل والبالغ، وبين الواقع والخيال، ليخلق نصوصا نابضة بالحركة واللون، تعكس تجربة شعرية مبتكرة تقارب الزجل بالمسرح والموسيقى والفلسفة في آن واحد. كما تعاونت مع الفنان التشكيلي أيوب المودن في تشكيل لوحات متضمنة في الديوان، بما في ذلك لوحة الغلاف، مما أضفى بعدا بصريا على النصوص. ويأتي هذا المشروع بدعم من ZINEB L'IRAQUI - ASSOCIATION MAROCAINE DE ZOOTHERAPIE AZ-MCTH، الذي ساهم في إنجاح هذه المغامرة الإبداعية.

* في الشعر الفصيح، عززت ساحة النشر بثلاث دواوين: "آخر ما غنى الغمام: توقيعات لا تشبه المطر2020 – نطاق الجسد 2022 – كونتيسا 2026
أسئلتي المرتبطة بهذا المحور، هي كالتالي: كيف تم العبور من التعبير بالعامية إلى اللغة العربية؟ أو بصيغة أخرى، ما دواعي هذا السفر؟ أو الانتقال من ضفة لأخرى؟
- الانتقال من الدارجة إلى اللغة العربية الفصيحة يمثل امتداداً طبيعياً لتجربتي الشعرية،لا انفصالا عنها. ففي العامية، يتركز الشعر على اللحظة الخاطفة، وعلى الزجل والإيقاع القريب من الكلام اليومي والحياة الشعبية، بينما تتيح الفصحى آفاقاً أوسع للتأمل الرمزي، للتركيب البنيوي، وللاستعارات المعقدة التي تتطلب لغة مرنة وثرية.
لم أعبر إلى الفصحى لأنني انفصلت عن العامية؛ فهي تظل تسكنني وتكتسحني دائما. الأمر يتعلق فقط بالموضوع المطروح أحيانا، فأختار الفصحى لمزيد من الانتشار، أولأثبت قدرتي وجاهزيتي. أعيش دائما ضغطا رهيبا وأنا أكتب بالعامية وأخلص لها، وأكتب بالفصحى وأقدر ما أفعل، كأنني أتنقل بين ضفتين تكملان بعضهما البعض في تجربة واحدة متجددة.
* عطفا على ما سبق، كيف يُقوّم كمال الإدريسي تجربته الشعرية عموما؟
- عطفا على ما سبق، أُقيّم تجربتي الشعرية بأنها رحلة نحو أن أكون صوتي الخاص، وأن تكون لي لغتي الخاصة التي أنحتها وأصنعها بنفسي، لا أقلد أحدا ولا أتبنى نموذجا مسبقا. هي تجربة تجمع بين التجريب والالتزام، بين العامية والفصحى، بين الزجل والهايكو، محافظة على عمقها الشعوري والرمزي، وتفتح آفاقا للتعبير الإيقاعي والفكري والفني بطرق متميزة ومختلفة عن أي تجربة أخرى.
شعري هو متنفس للحظة وللتأمل، ونافذة على العوالم الداخلية والخارجية، حيث أعمل على الجمع بين اللعب والجد، وبين الفرد والمجتمع، مؤكدا على تفردي واختلافي في المشهد الشعري، وساعيا دائما لأن يكون لي صوتي ولغتي الخاصتان اللتان تميز تجربتي عن غيرها.
* ضمن التجربة ذاتها، رشحت ديوانك "نطاق الجسد" للمشاركة في مسابقة سيزار الوطنية للشعر، وحصلت على الجائزة الأولى.
قربنا أكثر من أجواء هذه المسابقة، وكيف دخلت غمارها؟ ثم من هم الشعراء المغاربة، الذين شكلوا لجنتها وأقنعهم ديوانك للفوز بها؟
- فوز ديواني الأول في صنف الزجل بلقب زجّال الحمراء بمدينة مراكش سنة 2014، توطدت ثقتي بنفسي أكثر، وأيقنت أنني أسير في صميم الطريق. مع أنني كنتُ مُقِلًّا في المشاركة في المسابقات.
ثم جاءت سنة 2017، حيث حظي نصي المسرحي "ماري مار" بمرتبة مميزة ضمن القائمة القصيرة لأفضل النصوص في مسابقة الهيئة العربية للمسرح، تلتها مسرحية "المسخ" سنة 2018، فكان ذلك اعترافا من الناس وتقديرا لتجربتي في الزجل والمسرح.
لكن ظل سؤال مُلحّ يراودني: ماذا عن الشعر الفصيح؟ وهو خطوتي الأولى، ورعشتي البِكر، والبداية التي انبثقت منها كل هذه المسارات. حينها قلت لنفسي: لا بد أن أحظى بشرف التتويج في هذا الحقل أيضا، في أي مسابقة تلوح في الأفق.
وعندما أعلن عن مسابقة "سيزار"، وجدتني أشارك بمخطوطي الشعري : "نطاق الجسد: هوينا الخطو على رسن المشيئة"، وهو مشروع كنت قد فرغت منه بعد أن استغرقني طويلا، واستأثر بهواجسي وتفكيري. كنت أشعر في قرارة نفسي أن هذا العمل يحمل شيئا مختلفا؛ على مستوى الفكرة، والموضوع، واللغة، والرمز، والصورة...
ومع ذلك، كان يتسلل إليّ شعور غريب: ماذا لو نلت المرتبة الثانية أو الثالثة؟ كنت أجدني أرفض هذا الاحتمال تماما. لم يكن الأمر غرورا بقدر ما كان إيمانا حادا بالنص... لذلك قلتها في داخلي بوضوح: إمّا المرتبة الأولى، أو لا أريد الفوز.
ثم وردني اتصال يزفّ إليّ الخبر المنشود: أنني الفائز. كانت لحظة لا تُنسى، اختلط فيها الفرح بالدهشة، وكأن النص قد عاد إليّ متوَّجا بما كنت أؤمن به سرا.
وقد أتيحت لي، بالمناسبة، فرصة اللقاء بشعراء سبقوني إلى الميدان، وكانوا أعضاء لجنة تحكيم جديرين بالثقة والالتزام والمصداقية؛ أذكر منهم: الشاعر محمد بوجبيري، والشاعر إدريس الملياني، والشاعر مصطفى ملح، والشاعر عمر العسري.
وفي جلسة عشاء بهية نظّمتها إدارة المسابقة على شرف الفائزين، همس لي الشاعر محمد بوجبيري قائلاً:
"كتبتَ شيئا مختلفا ومميّزا… ديوانك جدير بالفوز."
كانت تلك الشهادة، في عمقها، لحظة تتويج أخرى… لا تقلّ أهمية عن الجائزة نفسها.

* الشاعر والكاتب كمال الإدريسي، صرحت غير ما مرة، أن الإبداع سكنك منذ مراحل مبكرة من طفولتك. كيف اكتشفت هذا الشغف بالإبداع؟ وما الأشياء التي سعيت لكتابتها في هذه المرحلة؟
- في صغري، كنتُ أجدني مشحونا بطاقة غريبة؛ لا يُجدي معها اللعب الكثير، ولا الشغب المتواصل. كانت شعلتي لا تخبو، بل يزداد سعيرها، دون أن أفهم السبب أو أعرف كيف أستثمر هذه الطاقة. كنتُ، كلما شاهدت فيلما أو حلقة من رسوم متحركة، أهتاج أكثر، وأشعر بفائض داخلي لا أجد له منفذا.
وقد ازداد ذلك حين بدأت أقرأ، فشُغفت بالكتب؛ روايات وقصصا، وكنتُ أغذّي هذا الشغف بالاستماع إلى الحكايات من أمي وجدتي، وبحضور حلقات الحكواتيين في الأسواق الشعبية. هناك، بدأ الخيال يتّسع، وصارت الرغبة في التعبير أكثر إلحاحا.
قررتُ حينها أن أكتب شيئا على سبيل اللهو، فكانت أولى محاولاتي تجربة سيناريستية: فيلم بوليسي حركي، وكنت في الثانية عشرة من عمري. عرضتُه على أترابي في الحي لنُجسّده معا، لكن هواجسهم باللعب والركض كانت أقوى من رغبتي، فركنتُ المشروع جانبا.
بعد ذلك، عكفتُ أكثر على القراءة؛ كنتُ مشدودا إلى كتابات المنفلوطي وجبران، وكلما أفرغ من قراءة نص، أندفع إلى الكتابة. أكتب أي شيء، بلا قيود، فقط لأفرغ ما بداخلي. ولعلّ بداياتي كانت في كتابة قصص ذات طابع حواري، تعتمد الحوار بشكل كبير، وهو – بطريقة ما –ما شكّل لاحقا توجهي نحو الكتابة المسرحية.
لكنّ الأنكى والأصعب من كلّ ذلك، أن لا تجد من يتتبّع موهبتك، أو يرعاها، أو يشجّعك على الاستمرار. كنتُ أشعر بأسى عميق؛ حتى أساتذتي لم يلتفتوا إلى ما أكتب، ولم يلقَ ما كنتُ أجربه أيّ اهتمام.
وأستحضر هنا حادثة لا أنساها… كنا في حصة مادة الرياضيات، وبلغني أن أستاذ هذه المادة له اهتمامات أدبية وفنية. فرحتُ كثيرا، وقلت: لعلّي أجد عنده ما أبحث عنه من كلمة تشجيع. قدّمتُ له سيناريو لفيلم قصير كتبته، وكلّي أمل أن يقرأه بعين مختلفة.
لكنّه ألقى نظرة عابرة على دفتري، ثم حمله بأنامله بطريقة لا تخلو من احتقار، ورفعه عاليا وهو يخاطب التلاميذ ساخرا:
" - صديقكم يكتب الأفلام!"
ثم انفجر ضاحكا، وتبعه القسم بضحك صاخب.
استأذنتُه بهدوء أن أسترجع دفتري… وعدتُ إلى مكاني، ولذتُ بالصمت.
ومثلُ ذلك كثير… غير أنّي بقيتُ ثابتا، واثقا من موهبتي، ومن تجربتي، ومن قدرتي على الخلق والإبداع. لم أكن ألين، ولا أستكين… بل كنتُ، في كلّ مرة، أزدادُ إصرارا على أن أصغي لذلك الصوت الداخلي، وأمضي أبعد في طريق الكتابة..
* عشت تجربة مريرة في مرحلة طفولتك، تمثلت في فقدانك للوالد. كم كان عمرك وقتها؟ وما الذي لا تزال ذاكرتك تخزنه عن هذا الحدث الأليم؟
- لا تكفي كلمة “أليم” لوصف ذلك الحدث…
كنتُ في التاسعة من عمري. كنا نعيش في مسكننا القديم بدوار ولاد القرشي بالهراويين، ضاحية الدار البيضاء، سنة 1995. أتذكّر أنهم أحضروا أبي محمولا في سيارة، يرفل في ثيابه… كان مشهدا غريبا، حزينا، داميا. سكتة قلبية أنهت حياة في بدايتها؛ فقد كان لم يتجاوز التاسعة والثلاثين من عمره.
لم أبكِ… لم أنتفض… بل عشتُ الصدمة وغُصتُ فيها.
كان بيتنا الصفيحي يعجّ بالناس من الجيران والعائلة، لكن وسط ذلك الزحام، انبعث صوت جارح يتهم أمي، ينعتها بالقاتلة… يزعم أنها سمّمته. كان اتهاما قاسيا، أنهكها وأوقعها في انهيار. كيف لها أن تُتَّهم، وهو قد سقط في عمله؟ لكنّ الأمر بلغ حدّ تدخل السلطات، فتمّ إخضاع والدي للتشريح، واستُجوبت أمي.
كان ذلك كله ضربا من الفزع والخوف والغضب، اختلطت فيه المشاعر إلى حدّ العجز عن الفهم.
لاحقا، انعكس هذا الحدث عليّ بشكلٍ مؤلم؛ إذ أصبتُ باضطراب مناعي أفقدني شعري، وشُخّصت حالتي بداء الثعلبة، ذلك المرض الذي يهاجم خصلات الشعر كأنها جسم دخيل، وغالبا ما يكون نتيجة صدمة نفسية عميقة.
كل هذا في غياب تام للعائلة… لتبدأ رحلة الشقاء والكفاح، ورغبة ملحّة في إثبات الذات ومواجهة التحديات. فهل سيؤثر فيّ أستاذ يسخر من كتاباتي؟ لا… لأن الألم ذاته، والفراغ الذي عشته، جعلا مني شخصا أقوى، وصوتا لا يقبل التهميش. الصدمة لم تكسرني، بل صقلت عزيمتي، وحوّلت سخرية الآخرين إلى وقود لإصراري على الاستمرار في الكتابة والإبداع.
ولك أن تتخيل ما سببه تساقط شعري… هزات نفسية، سخريات الأطفال، وتنمّر بعضهم عليّ، بما في ذلك بعض الأساتذة. ومع كل ذلك، لم أتحرّك عن مساري، ولم ألين. كنتُ مستمرا في إثبات ذاتي، مقاوما هراءهم، متفوّقا على أقراني، وعلى بعض أساتذتي الذين لم يقدّروا إمكانياتي. كانت الكتابة والإصرار قوتي، وسلاحي ضد كلّ ما كان يحاول تحجيم حلمي.
* هل يمكن الإقرار، بأن تجربة اليُتم عجّلت بولوجك عالم الإبداع والكتابة؟ على اعتبار أن هناك من يربط بين الخلق الأدبي والإبداع الفني، والألم الكبير، الألم هو خالق المبدع.
ذكرياتنا عن الطفولة، ترافقنا وتصاحبنا إلى أن نودع الحياة، وهي ذكريات جميلة وباعثة على الحبور حينا ومؤلمة حينا آخر. نبدأ بالثانية، وبعيدا عن تجربة اليتم، هل هناك واقعة أو وقائع محزنة، حدثت في طفولتك الغابرة، ولم تقو ذاكرتك على طيها ورميها في سلة المنسيات؟
- وقائعُ متتابعة وممتدة، يصعب حصرها، مع أنها لا تزال تتغلغل في حنايا فكري ووجداني. تبدأ بموت الأب، ولا تنتهي عند المرض، ولا عند بيتنا القديم الذي كان خاليا من أبسط شروط الحياة: لا ماء، ولا كهرباء، ولا صرف صحي، ولا حتى جهاز تلفاز نلوذ به من قسوة الواقع.
أستحضر هنا واقعة لا تزال حيّة في ذاكرتي، كأنها حدثت البارحة. استأذنتُ أمي لأرافق صديقا من القسم إلى بيته، فقط لنشاهد الرسوم المتحركة. كانت أسرته منهمكة في إعداد وجبة الغذاء، وكان الأب يشوي سمك السردين… تلك الرائحة بالذات، ما تزال عالقة بأنفي إلى اليوم.
جلستُ على حافة السرير، حقيبتي المدرسية بين يدي، متأهّبًا للانصراف فور انتهاء الحلقة. رحّب بي الأب في البداية، بلطف واضح، ودعاني لمشاركتهم الأكل، لكني اعتذرت، لم أكن أريد سوى المشاهدة.
في لحظة ما، غبتُ في تفاصيل الشاشة، في الألوان والحركات، كأن العالم اختُزل هناك. وفجأة، شقّ صراخ الأم ذلك الانسجام، مطالبة إيّاي بالمغادرة. احتدّ النقاش بينها وبين الأب، وسرعان ما تحوّل إلى عراك بالأيدي. تناثر الطعام، والسردين المشوي، وحتى الجمر…
ورغم كل ذلك، لم أتحرّك. بقيتُ مشدوها، أحدّق في الشاشة، كأنني أخشى أن أفوّت لقطة واحدة.
لكن المشهد انقلب فجأة. تقدّم نحوي الأب، غاضبا، مهتاجا، أمسك بتلابيب قميصي، ودفعني بقوة لأرتطم بالباب. حينها فقط، أدركتُ خطورة ما يحدث. خرجتُ أعدو، عائدا إلى بيتنا…

* لأن ذكريات الطفولة، ليست كلها كئيبة، حدثنا عن المشرقة منها.
- لم أسجّل لحظات مشرقة كما يُتداول عادة، ولستُ أبالغ في ذلك. منذ وقت مبكر، وجدتُ نفسي أحمل مسؤولية أن أعيش، وأن أُعين أمي. في العطل المدرسية، كنتُ أشتغل، وغالبا في ورشات النجارة. وقبل أن أتوجّه إلى العمل، كنتُ أملأ براميل الماء، أجلبه من العين التي تبعد كيلومترات، وسط زحام وطوابير طويلة من الناس الباحثين عن قطرة حياة.
في المساء، كنّا نعود مبكرا. نغتسل، نأكل، ثم نلوذ بالفراش. كانت أمي تنام في الوسط، وعن يمينها أخي الصغير، وعن يسارها أنا وأخي الكبير. نضع شمعة على الأرض المبلّطة، تضيء ليلنا قليلا… ثم، بعد لحظات، تُطفئها أمي قائلة: “لنقتصد، سنحتاجها غدا”.
لكن، قبل أن نستسلم للنوم، كانت تحكي لنا حكاية… ترتجلها كلّ ليلة، عن أمّ وثلاثة أبناء.
ربما لم تكن هناك لحظاتٌ مشرقة بالمعنى المألوف، لكن تلك الحكايات… وذلك الصوت الدافئ في العتمة، كانا، في العمق، شكلا آخر من الضوء.
* كيف هي علاقتك بالطفل الذي بداخلك؟ هل نسيته وتخلصت منه؟ أم أنك متصالح معه، وتعيش جنبا إلى جنب معه؟
- أنا دائما طفل… طفلٌ صغير أحيانا، وكبير أحيانا أخرى. قسوة الظروف لم تحرمني من هذا الطفل الذي يسكنني، وربما لأنني لم أُحقّق كثيرا من رغبات طفولتي في الصغر، صرتُ أسعى إلى تحقيقها في الكبر.
إذا مررتُ بسوق واستوقفتني لعبة، أشتريها دون تردّد. وحتى بعض المأكولات التي حُرمنا منها، لا أتردد في طلبها. كأنني أُصالح ذلك الطفل، وأمنحه ما لم ينله في حينه.
أبحث دائما عن فسحة أعود فيها طفلا مع أبنائي، نشاهد الرسوم المتحركة، نأكل المثلجات، نلعب… وفي القسم، أشارك التلاميذ ألعابهم أحيانا، فأشعر أنني واحدٌ منهم.
وأمي، مازحة، تقول لي: "ألا تريد أن تكبر؟"
لكنني تعلّمت ألا آخذ الحياة على محمل الجد كثيرا، لأنها هي نفسها لا تأخذنا على محمل الجد… بل كثيرا ما تهزأ بنا.
* أعود معك إلى الإبداع. ما قصة مجموعتك القصصية، التي أصدرتها في عام 2018، تحت عنوان: "أما يانا فرقصتي أنا"؟
- "يانا" ليست مجرد اسم عابر، بل هي الشخصية المحورية التي تتكرر في جميع نصوص المجموعة، إذ أطلقت هذا الاسم على كل فتاة، حفاظا على سرية الشخصيات، خاصة وأن هذه النصوص تلامس ما يمكن اعتباره محكيا سيريا، أو جوانب من سيرة ذاتية، تستعيد الطفولة بشغبها، ومغامراتها، ودهشتها الأولى.
لقد كتبت هذه "السرود" برغبة واعية في التأثير والاختلاف، لذلك لم أُصنّفها ضمن القوالب الجاهزة كـ"قصص" أو "مجموعة قصصية"، بل اخترت لها تسمية "سُرود"، لما تحمله من انفتاح دلالي، وتحرّر من القيود الأجناسية.
أما العناوين، فقد جاءت على هيئة استهلالات شعرية من شعر "الهايكو"، صاغها الشاعر والمترجم نور الدين ضرار، في تجربة تفاعلية تُضفي على النص بعدا جماليا إضافيا، وتؤسس لاختلاف واعٍ يقوم على التجديد وكسر الأفق المتوقع.
* في مجال الإبداع القصصي دائما، لماذا اكتفيت بهذه المجموعة؟
- لحدود الآن، صدرت لي مجموعة واحدة، لكن هناك مشروع مجموعة أخرى جاهزة للطبع، تختلف من حيث الموضوع والتيمة، إذ تطرق باب التخييل القصصي، وتغوص في عوالم الغموض والغرابة والحلم. وقد اخترت لها عنوان: "كوشمار".
تتوزع هذه المجموعة على عشرين نصا، أراهن فيها أساسا على اللغة، وعلى الاشتغال الأسلوبي، وعلى النفس السردي القصصي، في محاولة لإبراز تمكني من أدواتي التعبيرية، وفتح أفق مختلف عن تجربة "السرود" السابقة.
إنها، في العمق، مغامرة جديدة في الكتابة، أختبر من خلالها حدود الخيال، وأعيد تشكيل العلاقة بين الواقع والحلم، بين المألوف والغرابة.
* أعود بك إلى الدراسة الجامعية، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ابن امسيك التي حصلت فيها على إجازتين، الأولى في الدراسات الأساسية – اللغة العربية وآدابها، والثانية والتي يهمني أمرها، عبارة عن إجازة مهنية في الدراسات والمهن المسرحية. قربنا من أجواء الدراسة في هذه الإجازة المسرحية، وكيف كانت علاقتك برائد الاحتفالية، الدكتور عبد الكريم برشيد، الذي أشرف على مشروع نهاية هذه الدراسة حول: "التأليف المسرحي: من التصور إلى الإنجاز".
- تجربتي في الإجازة المهنية في الدراسات والمهن المسرحية بكلية كلية الآداب والعلوم الإنسانية ابن امسيك لم تكن مجرد مسار أكاديمي عابر، بل كانت لحظة تأسيس حقيقية لوعيي بالمسرح، نظريا وعمليا. التحقت بهذه الشعبة سنة 2010 ضمن أول دفعة، وهو ما أتاح لنا خوض تجربة خاصة، قوامها التأسيس والاكتشاف معا. انفتحت خلالها على ورشات متعددة جمعت بين التكوين المعرفي والتدريب الميداني، فلامستُ مختلف عناصر الفعل المسرحي: من الكتابة، إلى السينوغرافيا، إلى التمثيل والإخراج، في تجربة جعلتني أرى المسرح ككائن حي، لا كنص جامد.
صحيح أن لي احتكاكات سابقة بالمسرح من خلال دور الشباب، حيث كتبت نصوصا وأخرجتها، وشاركت في تكوينات وتدريبات مختلفة، لكن المسار الأكاديمي كان حاسما في صقل تلك التجارب، وترشيدها، ومنحها أفقا معرفيًا ومنهجيا أعمق.
في هذا المسار، احتككتُ بأساتذة أجلاء كان لهم الأثر الكبير في تكويني، وفي مقدمتهم الأستاذ ميلود بوشايد، الذي يعود له فضل كبير علينا وعلى هذه الإجازة. فقد كان أستاذي سابقا في الدراسات العربية (مادة اللسانيات)، ثم رافق مساري المسرحي باهتمام وعناية، وأشرف على مشروعي حين كان منصبا على مفهوم الكتابة الدرامية وخصائصها، مؤمنا بقدرتي وجاهزيتي.
كما أذكر أستاذي محمد فراح، وهو أستاذ ملهم ومؤثر، سرعان ما توطدت علاقتي به، رأيت فيه الأب والصديق، ورأى فيّ شغف البدايات ووهجها.
أما علاقتي بالدكتور عبد الكريم برشيد، فكانت علاقة تلميذ بشيخ في المسرح. حضوره كان ملهما، سواء من خلال محاضراته أو توجيهاته، حيث كان يدفعنا إلى التفكير في المسرح باعتباره فعل احتفال بالحياة، لا مجرد ممارسة فنية. وقد كان إشرافه على مشروع نهاية دراستي حول: "التأليف المسرحي: من التصور إلى الإنجاز" محطة مفصلية، إذ تعاملنا مع الكتابة لا كنص فقط، بل كمسار متكامل يبدأ من الفكرة، ويمر عبر التخييل والبناء، ليبلغ أفق التشخيص فوق الخشبة. وكان يؤكد دائما أن الكاتب المسرحي ينبغي أن يرى نصه وهو يُعرض، لا وهو يُقرأ فقط.
ولا أنسى كلماته المشجعة في جلسات الإشراف، حين كان يقول: " لقد جئتني مكتملا، لا أجد ما أضيفه إليك، فقط استمر، وتسلق، وكن بخير" وهي شهادة أعتز بها، وكانت بمثابة دفعة قوية لمزيد من الثبات والتركيز.
باختصار، كانت تلك المرحلة مختبرا حقيقيا، تشكّلت فيه ملامح رؤيتي للمسرح، وتعمّق فيه إيماني بأن الكتابة المسرحية فعل إبداعي مركّب، يجمع بين الفكر والجمال، وبين الحلم وإمكان تحققه على الركح.
* ما السر وراء تلك المقدمة الباذخة، التي خص بها الدكتور عبد الكريم برشيد إصدارك المسرحي الأول: "العاشقة خادم".
- المقدمة التي خصني بها الدكتور عبد الكريم برشيد لإصداري المسرحي “العاشقة خادم” لم تأتِ صدفة، ولا كانت مجرد واجب أكاديمي أو تقدير عابر. بل هي شهادة امتنان واحترام، لكنها أيضا كشف لرؤية نقدية متعمقة لما يحمله نصي من حساسية لغوية وفكرية، ولإشارة واضحة إلى خصوصية الكاتب المسرحي الجديد، الذي يختار أن يكتب بلغة مفتوحة، تجمع بين الشعرية والدرامية، بين التخييل والاحتفال بالحياة فوق الركح.
السر وراء هذا البذخ في الكلمات يكمن في ثقة المشرف برؤية الكاتب وبنضج مشروعه المسرحي، إذ اعتبر أن النص لا يحتاج إلى التخفيف أو التجميل، بل إلى إبراز كل ما فيه من طاقة وإيقاع وحضور. بالنسبة لي، كانت تلك المقدمة دفعة معنوية قوية، تجعل القارئ والمثقف يدرك منذ البداية أن العمل ليس نصا عابرا، بل فضاء إبداعيا مكتملا، تلتقي فيه التجربة الشخصية بالاحتفالية المسرحية، وتلتقي فيه الرؤية الفنية بالجرأة في الطرح.
باختصار، كانت مقدمة الدكتور عبد الكريم برشيد بمثابة جواز مرور موثوق إلى عالم النص، شهادة تثبت أن الكتابة المسرحية ليست فقط فعلا شخصيا، بل حوارا مع المبدعين الكبار والمشاهدين معا.
* الشاعر والمسرحي الدكتور محمد فراح، خصك هو أيضا بمقدمة لمسرحية: المسخ: نشيد الخراب. اعتبرك فيها تؤسس لبنية درامية جديدة، ما تقويمك الشخصي لهذا الاعتراف من رجل مسرح من طينة محمد فراح.
- اعتراف الدكتور محمد فراح بمساهمتي في تأسيس بنية درامية جديدة من خلال مسرحيتي " المسخ: نشيد الخراب" يمثل بالنسبة لي لحظة فارقة وشهادة ذات قيمة خاصة. فحين يأتي الثناء من رجل مسرح من طينة محمد فراح، الذي جمع بين الشعر والمسرح، وامتلك رؤية نقدية ثاقبة، فإن هذا الاعتراف يتجاوز حدود التقدير الشخصي ليصبح إشارة موثوقة على جدية المشروع المسرحي وصوابه الفني.
بالنسبة لي، كان هذا التقييم فرصة للتأمل في تجربتي، وللتأكد من أن السعي نحو الابتكار في البنية الدرامية، والجرأة على كسر النماذج التقليدية، ليس مجرد طموح شخصي، بل له صدى لدى من سبقونا في المسرح. وقد منحني هذا الاعتراف أيضا دفعة معنوية، تحفزني على الاستمرار في البحث عن حساسيات وأساليب جديدة، تدمج بين التجربة الشعرية، الصورة البصرية، المسرحية، والعمق النفسي للشخصيات، مع الحفاظ على عمق الرسالة الفكرية للنص.
إن تقدير محمد فراح لا يقتصر على كونه مدحا، بل هو تأكيد صادق على أن مساري في الكتابة المسرحية يكتنز إمكانات حقيقية للتجديد والابتكار.
* بحكم معرفتي بعشقك المجنون للسينما. حدثنا عن آخر فيلم شاهدته.
- بالفعل، السينما عشق موصول، ولعل أول تجربة إبداعية كتبتها كانت سيناريو لفيلم. ولكي أكون صادقا، سأقول لك إن آخر فيلم شاهدته بالصدفة، وانشغلت به كأني أراه لأول مرة، كان روكي 5 للنجم الملهم سلفستر ستالون. بعيدا عن الحركة والإثارة التي يروج لها الفيلم، هناك ما لامسني فعليا: الصبر، الاستقرار، التحدي، والقتال من أجل الحلم، وعدم الانجراف وراء البريق الخادع أو الإغراءات السريعة.
هذا ما حاول بطل الفيلم، روكي، أن يرسخه لتلميذه طومي، الذي تنكر له ولم يعترف بجميله، وجرى وراء الشهرة السريعة، لكنه لن يكون أبدا كأستاذه روكي، الذي يمثل الالتزام بالقيم والعمل الجاد والوفاء للذات.
* أعرف أنك تحب وتعشق فصل الشتاء، وتفضله على الصيف، هل يمكن أن نعرف لماذا؟
- في الشتاء أكتب وأبدع، أكون متدفقا كالماء. أخرج باكرا تحت المطر، أمشي مسافة طويلة، أقتحم مقهى من المقاهي، أضع سماعات الأذن وأطرب لفريد الأطرش، أحتسي شايا أو قهوة، وأغوص في عالمي لأكتب. المطر يحرضني على الإبداع ويغريني به، وإن لم تمطر أشعر بالمرض والاكتئاب والانفعال. المطر جزء من طفولتي وذاكرتي، ولعل من يتتبع أعمالي يلحظ حضور المطر ومعجمه في نصوصي.
* هل لكمال الإدريسي طقوسا في خاصة بالكتابة؟ أين تكتب بالتحديد؟ وهل هناك أوقاتا محددة تسعفك فيها الفكرة النواة لمشروع إبداعي ما؟
- ممكن أن أرتب غرفتي بدقة، أشعل الموسيقى التي تلائم مزاجي، أرش عطرا أحبّه، أو أستيقظ باكرا وأخرج تحت المطر، أمشي في الشوارع والدروب، أستمع لصوت قطراته على الأرصفة، وأشعر بأن أفكاري تتفتح. أكتب في المنزل عندما يكون الجو هادئا، وفي المقهى بين صخب الناس، أكتب في الصباح الباكر حين تنساب الأشعة الأولى للنهار، أو في ساعات تكون فيها السماء غائمة ومكفهرة، حيث يلذ لي أن أغوص في عالمي الخاص وأبدع بحرية.
الإلهام يأتيني من أماكن وتجارب متعددة: الموسيقى التي تثير الذكريات والمشاعر، الأفلام التي تحمل طبقات من الصورة والسرد، حتى الطبخ والديكور يمنحانني شعورا بالإيقاع والجمال. لكن الأقوى بينها جميعا هو المطر، فهو ليس مجرد جوّ خارجي، بل هو محفز للخيال، ودافع قوي للكتابة. أحيانا يأتيني المشروع الإبداعي كشرارة صغيرة، فكرة نواة تتكاثر أمام عيني، وغالبا يكون المطر حاضرا، أو السماء كئيبة، أو تلك اللحظات التي أكون فيها وحدي بين الناس، أراقب العالم من حولي، لأحول كل ما أشعر وأرى إلى نص ينبض بالحياة.
* أعرف أن قراءاتك متنوعة من إبداعك، فأنت قارئ نهم للرواية. هل يمكن أن تحدثنا عن آخر رواية قرأتها؟
- القراءة عندي انغماسٌ حد الغرق، أقرأ فأستمتع، وأنقاد وراء العبارة الجميلة واللغة الرفيعة القوية. أفرح حين أصادف جملا مصقولة بصنعة بديعة، فأهمس في داخلي: كيف فعلها؟ ثم أضيف متحديا: سأكتب أجمل منها. هذا التحدي الصغير هو ما يغذي فيّ رغبة الاستمرار.
أتعامل مع الرواية بوصفها فعلَ مكاشفة واستلهام. يشدّني الكاتب الحاذق، القادر على سبر نفسيات شخوصه، واستحضار ذاكرة الأمكنة، والتقاط تقلبات الزمن بخفة وعمق في آن. لذلك، أستطيع القول إن الرواية التي تغلغلت في خاطري، وتركت أثرها العميق في، هي حكاية حنا يعقوب: دروز بلغراد للكاتب اللبناني ربيع جابر، فقد أسرتني بلغتها المتينة، ونفسها المختلف، وقدرتها على تشييد عالم يظل عالقا بالذاكرة.
ومع ذلك، فهي ليست آخر ما قرأت، بقدر ما هي واحدة من تلك القراءات التي لا تغادرك، وتظل تقيم فيك كندبة جميلة.
* صداقاتك في مجالات الإبداع الأدبي والمسرحي كثيرة ومتنوعة، من جيلك، ومن الجيل الرواد كذلك. سأختار لك اسمين أنت كثير الارتباط بهما. في بضعة أسطر، الشاعر والناقد الدكتور محمد عرش، ماذا يمثل بالنسبة إليك؟
- صديقي، أخي، وأبي، الشاعر الكبير محمد عرش… عرفته عن قرب، وخبرتُ نفسيته وخاطره، وقلبه المغمور حبّاً وطيبة. هو إنسان ذو كبرياء، وما أدراك ما كبرياء الشعراء، ذلك الكبرياء النبيل الذي لا ينفصل عن الصدق.
صادقٌ في كلامه، صادقٌ في مشاعره، ومزاجه… مزاج طفل جميل، يشاكس العبارة ويغازل اللغة. يجمع بين خفة النكتة وعمق الجد، بين العفوية والتأمل، بين الضحك والمعنى.
كلما التقينا، يبادرني بعناق دافئ، قائلا: "فين غبتي يا العفريت؟" ثم ينفجر ضاحكا: "كتكتب شي حاجة؟". نجلس، فنخوض في كل شيء، نتكلم، نناقش، أستمع إليه، فأستفيد وأتعلم.
وعند لحظة الوداع، أرنو إليه طويلا… فأرى فيه أبي. وأهمس في سرّي: ليحفظ الله صديقي الجميل، محمد عرش الطيب.
الدكتور محمد عرش ليس مجرد صديق في مساري، بل حضوره في مساري الأدبي يثري تجربتي ويحفز تجربتي الإبداعية. يمثل بالنسبة إليّ ذلك الصوت النقدي الرصين الذي لا يُجامل، والوعي العميق القادر على قراءة النص من داخله، لا الاكتفاء بملامسة سطحه.
* بنفس الصيغة أقول: الشاعر والمسرحي الدكتور محمد فراح. ماذا يمثل بالنسبة إليك؟
- الكبير محمد فراح، الرائع في كل شيء، لا تشوبه شائبة، ولا يخالطه عيب. مسرحي قدير، وشاعر رصين. عرفته أيام كنت طالبا عنده في مادة النقد المسرحي، وقد رأى في الطالب الذي يناضل من أجل إثبات الذات. آمن بي وبقدراتي، وكثيرا ما أثنى عليّ، ولا أنسى جملته التي لا تزال تتردد في أذني: "أنت زجال بحق، وشاعر متمكن".
الدكتور محمد فراح، قبل أن يكون صديقي، فهو أستاذي الذي أكنّ له الاحترام، وأحفظ له التقدير. أدعو له بالشفاء والبراء والعافية، وأن يتخطى مرضه الذي أنهكه، وأن يعود إلينا بإبداعه المتقد، وبروحه المرحة، وبنشاطه المضيء.
* الصديق المبدع المتعدد الأستاذ كمال الإدريسي، سعدت كثيرا بهذا الحوار الجميل والممتع معك. هل من كلمة أخيرة لقراء التلغراف؟
- أشكر قرّاء هذا الحوار على سعة الخاطر، واتساع الصبر، وعلى تحمل مشقة القراءة. وجودكم واهتمامكم بالإبداع هو ما يجعل الحوار حياً ويمنحه معنى، فلكم كل التقدير والامتنان.
كما أتقدم بالشكر الجزيل لمجلة التلغراف الأدبية، على نشر هذا الحوار، مشكورة، وأعرب عن امتناني العميق لكل العاملين بها، على جهودهم المخلصة والرائعة.







التعليقات