كان مصطفى يعلق معطفه الرمادي على المشجب خلف الباب بطريقة واحدة لا تتغير: الجيب الأيمن إلى الخارج دائماً، وفيه علبة كبريت صغيرة لم يسأله أيوب عنها إلا مرة واحدة. ضحك مصطفى يومها وهو يربت على الجيب: هذه لا تُشعل إلا عند الضرورة القصوى. النار لا تشعل نفسها، يا أيوب. ولا الانتظار كذلك. ثم غير الحديث، ولم يعد إليه أيوب بعدها، لأن الجملة بدت له مجرد مزحة عابرة من مزاحات مصطفى الكثيرة.
في ذلك الثلاثاء، خرج مصطفى يحمل حقيبة سفر واحدة، ولم يترك عنواناً. فقط المعطف.
مرت ثلاث سنوات. أيوب لا يزال يحمل فنجانين من الشاي كل مساء. يضع أحدهما على الطاولة الصغيرة قرب الباب، ويجلس أمام فنجانه هو، يشرب، وينتظر أن يبرد الآخر.
ذات ليلة، تركت الريح النافذة مواربة، فتسللت إلى الرواق وحركت المعطف على المشجب. سمع أيوب الصرير، ومشى نحوه.
وقف أمام المعطف يتأرجح. مد يده إلى الجيب الأيمن. أخرج علبة الكبريت. هزها. سمع صوت عيدان تتحرك بداخلها. ابتسم دون أن يدري لماذا يسعده هذا. فتحها.
كان فيها عود واحد محترق.
تذكر عندئذ تلك الليلة من الشتاء الماضي حين انقطعت الكهرباء، وكيف مد يده إلى ذات الجيب، وأشعل عوداً واحداً ليرى طريقه إلى المطبخ، ثم أعاد العلبة إلى مكانها دون أن ينتبه.
الكبريت لم يأخذه مصطفى. أخذه أيوب. ونسي.
وقف طويلاً يحدق في العود المحترق بين أصابعه. عادت إليه الجملة كاملة الآن، بعد أن فرغت من كونها مزحة: النار لا تشعل نفسها. ولا الانتظار كذلك.
أعاد العلبة إلى الجيب. لم يغلقه هذه المرة.
رجع إلى الغرفة. وضع الفنجان الثاني جانباً على الرف، إلى جوار فنجانه، لا مقابله.
أطفأ الضوء. جلس وحده، أمام فنجان واحد فقط، يحتسي شايه وهو ساخن.







التعليقات