كانت المدينة غريبة بعض الشيء؛ فالشوارع تحمل أسماءها،و الأزقة تحتفظ بأرقامها،و المباني تعلق على واجهاتها لوحات تعريفية أنيقة،حتى الكلاب الضالة كان لكل واحد منها لقب يتداوله سكان الحي،وحدهم بعض الناس ظلوا بلا تعريف،رغم أنهم يحملون بطاقات وطنية،و يؤدون الضرائب، و يستيقظون كل صباح للذهاب إلى أعمالهم،و يصطفون أمام الإدارات مثل بقية خلق الله.
في صباح يوم اثنين،دخل مراد العلوي مكتب الحالة المدنية،يحمل ملفا سميكا جمع فيه وثائقه منذ أيام، بعدما طلبوا منه شهادة تثبت أنه موجود،وأخرى تؤكد أنه الشخص نفسه الذي تشهد الوثيقة الأولى بوجوده.
جلس أمام الموظف،الذي كان يتعامل مع الملفات بوقار طبيب يجري عملية جراحية.
قال الموظف دون أن يرفع عينيه:
ـ الاسم؟
ـ مراد العلوي.
ـ الصفة؟
ـ مواطن.
رفع الموظف رأسه،و حدق فيه كأنه سمع كلمة من لغة منقرضة.
ـ مواطن ماذا؟
ـ مواطن، له عمل و أسرة و عنوان و بطاقة وطنية.
قلب الموظف بعض الأوراق،ثم أعادها إليه قائلا:
ـ أنت غير معروف.
احتج مراد:
ـ لكنني أقدم إليك وثائقي كلها!
ابتسم الموظف ابتسامة من اعتاد أن يشرح البديهيات للحمقى:
ـ الوثائق تثبت أنك موجود،لكنها لا تثبت أنك معروف. المعرفة هنا شيء آخر.
خرج مراد وهو يشعر أن هويته الوطنية لم تعد تصلح حتى لإثبات أنه ليس شبحا. وعند الباب،لمح بائعا متجولا مسنا، يجلس بجانب صندوق خضرته، فسأله:
ـ هل عشت يوما معروفا؟
ضحك الرجل حتى اهتزت كتفاه.
ـ نعم يا بني،في كل انتخابات! يأتون فيصافحونني، ويحفظون اسمي، ويسألون عن صحتي وأحوال أبنائي. وما إن تنتهي الانتخابات حتى أصبح بالنسبة إليهم مجرد رجل يعرقل الرصيف بعربته.
لم يجد مراد ما يقوله. فقد فهم أن الذاكرة السياسية تشبه ذاكرة السمكة؛ لا تحتفظ إلا بما يطفو أمامها.
قرر أن يبحث عن طريق آخر. قصد مقرا حزبيا، فاستقبله شاب أنيق،شرح له أن الشهرة تبدأ بالتصفيق وتنتهي بالحصول على موقع في الصورة الجماعية. ثم زار رجل أعمال،فنصحه بأن يجمع المال أولا،لأن العلاقات لا تنمو في التربة الفقيرة.
عاد مراد إلى بيته،وبعد تفكير طويل، كتب طلبا وضع عنوانه بخط واضح: "طلب الانتقال من مرتبة النكرة إلى مرتبة المعرفة".
ضحك الموظفون حين قرؤوه،لكن الطلب تسرب من المكتب إلى الممر، ومن الممر إلى الشارع،ثم تناقلته الصحف ومواقع التواصل. و لم تمض أيام حتى ظهرت حركة أطلقت على نفسها اسم "حركة النكرات"، و اختارت شعارا بسيطا:
"لا نطالب بأن نكون معروفين،بل بأن تكون حقوقنا معروفة".
كبرت الحركة،وخرج الناس إلى الشوارع، فاجتمع المسؤولون،وشكلوا لجنة لدراسة الظاهرة،ثم لجنة فرعية لدراسة توصيات اللجنة الأولى،بينما ظل المواطن ينتظر أمام الشباك نفسه.
وفي أحد الاجتماعات،رفع موظف شاب يده وسأل:
ـ ومتى سنصل إلى المواطن؟
التفت إليه رئيس الجلسة:
ـ من تكون أنت؟
ـ موظف بسيط.
ـ وما صفتك خارج الإدارة؟
ـ نكرة، على ما يبدو.
قال الرئيس ببرود:
ـ أخرجوه، نحن في اجتماع رسمي.
تحت ضغط الاحتجاجات، أعلنت الحكومة إصلاحات كبرى،و افتتحت مركزا جديدا يحمل لافتة براقة: "المركز الوطني للمعرفة والمواطنة".
ذهب مراد لاستكمال بعض إجراءاته، فوجد الأبواب مفتوحة،و الابتسامات موزعة بسخاء، والموظفين يتسابقون لخدمة المرتفقين.استقبله الرئيس الجديد بحرارة،وحين رفع مراد عينيه إليه، تعرف على الوجه الذي سبق أن شاهده خلف مكتب الحالة المدنية؛كان الموظف نفسه،وقد انتقل من الشباك الصغير إلى الكرسي الكبير.
قال الرئيس مبتسما:
ـ أهلا بك يا مراد ! لقد تغير كل شيء.
ـ وهل انتهى زمن النكرات؟
تأمل الرجل وجهه لحظة،ثم أجاب:
ـ انتهت المرحلة القديمة، لكن النظام يحتاج دائما إلى نكرات جدد حتى تستمر المعرفة في الوجود.
خرج مراد صامتا،فوجد أمام المدخل صفا جديدا، وموظفا يوزع استمارات التعريف على الناس.
سأل الموظف أحد الواقفين:
ـ اسم الشخص الذي يعرفك؟
أجاب الرجل:
ـ لا أعرف أحدا.
ـ إذن عليك الانتظار.
رفع مراد رأسه نحو اللافتة الجديدة، بينما همس شيخ سبعيني يقف خلفه:
ـ لقد غيروا اسم الإدارة يا ولدي،لكنهم نسوا أن يغيروا الذين يصنعون النكرات.
وفجأة،انطلق مكبر الصوت معلنا:
ـ يسرنا أن نخبر المواطنين بانتهاء زمن النكرات!
صفق بعض الواقفين،و صفق الموظفون أكثر منهم، ثم رفع رجل مجهول بطاقته الوطنية و صاح:
ـ إذا انتهى زمن النكرات،فمن يملك اليوم حق تعريفنا؟
لم يجبه أحد.
تحرك الصف خطوة إلى الأمام،ثم توقف.
كان ذلك،على الأقل،تغييرا في حركة المواطنين،لا في وضعيتهم.







التعليقات