في البيوت أشياء لا يعرف أحد على وجه الدقة متى جاءت، ولا لماذا بقيت كل هذا الوقت
كرسي في زاوية الصالة، وساعة لا تشير إلى الوقت الصحيح، وكوب لا يختاره أحد للضيوف، لكنه يظل حاضراً في الاستخدام اليومي، كأن له وظيفة سرية لا يعرفها سواه.
في بيتنا القديم، كان هناك كرسي خشبي بجوار النافذة. لم يكن جميلاً بما يكفي لنحتفظ به، ولا مريحاً بما يكفي لنجلس عليه طويلاً.
ومع ذلك، لم يفكر أحد في التخلص منه. كان يجلس عليه من يريد أن يربط حذاءه، أو يضع عليه كيس الخبز ريثما يفرغ يده. وأحياناً، تتراكم فوقه الملابس التي لا نعرف إن كانت نظيفة بما يكفي لتعود إلى الخزانة.
لم يكن الكرسي مهماً، وربما كانت تلك ميزته الوحيدة.
ذات صباح، قرر أحدهم أن البيت يحتاج إلى ترتيب.
أُخرجت الأشياء من أماكنها، ومُسحت الرفوف، ونُقلت الطاولة قليلاً إلى اليمين، ثم انتهى الأمر بالكرسي في فناء البيت، تمهيداً للتخلص منه.
لم يعترض أحد.
مرّ النهار عادياً، وجاء المساء كذلك. لكن في الصباح التالي، دخلت أمي الصالة وهي تحمل بعض الملابس، فتوقفت أمام النافذة، ثم وضعتها على الأريكة. عادت بعد دقائق تحمل شيئاً آخر، وبدا أنها تبحث عن مكان تضعه فيه. لم تنتبه إلى ما تفعله إلا حين سألتها أختي عن الكرسي.
قالت إنه في الخارج، ثم واصلت ترتيب البيت.
خلال الأيام التالية، اكتشفنا أن أشياء كثيرة كانت تعتمد عليه من دون أن نعرف: الحقيبة التي نضعها عند العودة، والملابس التي نخلعها على عجل، وحتى ذلك الشخص الذي كان يجلس قرب النافذة كلما ضاق به الكلام، ويبقى هناك حتى يناديه أحد من الداخل.
صار المكان أكثر ترتيباً، بالتأكيد، لكنه بدا، بطريقة يصعب شرحها، أقل ألفة.
بعد أسبوع، أحضرنا كرسياً جديداً. كان أجمل، وله وسادة صغيرة، ولم يكن فيه عيب واضح. وضعناه قرب النافذة، وقلنا إن هذا أفضل.
لكن الحقيبة لم تستقر عليه بالطريقة نفسها، والملابس بدت كأنها أُهينت حين وُضعت فوقه، أما الشخص الذي كان يجلس هناك، فصار يختار مكاناً آخر.
لم يكن في الأمر ما يستحق الحكاية: كرسي قديم أُخرج من البيت، وآخر جديد حلّ مكانه. لا خسارة تُذكر، ولا مناسبة تستدعي الحزن. ومع ذلك، ظل الكرسي القديم حاضراً في أحاديثنا أياماً، لا لأننا افتقدناه، بل لأننا تذكرنا أنه كان هنا.
أظن أننا نفعل ذلك كثيراً؛ نغيّر الأشياء، ثم نكتشف أننا لم نكن نستخدمها وحدها، بل نستخدم معها عاداتنا وحركاتنا الصغيرة. فالبيت ليس الجدران والأثاث فحسب، بل تفاصيل ألفناها حتى صارت جزءاً من يومنا: صوت الباب حين يُفتح، والمكان الذي اعتدنا أن نضع فيه مفاتيحنا، وشخص يمرّ في الممر في الساعة نفسها كل يوم.
حين يغيب شيء من ذلك، لا يتوقف العالم؛ نتأقلم، ونجد البدائل، ونواصل حياتنا. نشتري كوباً جديداً، ونستبدل الباب، وننقل الكرسي، ثم ننسى مع الوقت شكل المكان قبل التغيير.
لكن الذاكرة تحتفظ أحياناً بأشياء لا نطلب منها الاحتفاظ بها. قد ننسى مناسبة كاملة، ونظل نتذكر كرسياً لا يستحق كل هذا الاهتمام. وربما لا يكون ما نحتفظ به هو الشيء نفسه، بل الأيام التي مرّت من خلاله دون أن ننتبه.
لا أعرف أين انتهى الكرسي القديم. ربما أخذه أحدهم، أو تُرك في مكان ما حتى صار غير صالح للاستعمال. لم يسأل عنه أحد، ولم نذهب للبحث عنه.
ومع مرور الوقت، اعتدنا الكرسي الجديد أيضاً. صار يحمل الحقائب والملابس، وصار الناس يجلسون عليه أحياناً. استعاد المكان انتظامه، ولم يعد أحد يتوقف أمام النافذة.
ومع ذلك، كلما دخلت الصالة، كنت أنظر إلى الكرسي لحظة، ثم أنشغل بشيء آخر.
لم أكن أفتقده بالضرورة.
كنت فقط أحاول أن أتذكر متى أصبح وجوده عادياً إلى هذا الحد، ومتى صار غيابه، ولو قليلاً، جديراً بأن يُلاحظ.







التعليقات