لأبي خمسةُ أجسادٍ يُراوح في ٱرتدائها.
الجسدُ الأوّل يجلس مع أمّي على مائدةِ الإفطار،
ولكن ليسَ في المُنتصف
حتّى يتركَ المقعد شاغرًا للصّباح.
يطلي أصابعَ أمّي بمُربّى البرتقال
لأنّ الحُبّ هو آخرُ مخبزةٍ تعملُ بالقرية.
هذا الجسد مهترئٌ قليلاً
من كثرةِ الاستعمال والغسيلِ العاطفيّ،
لكنّ أمّي تكويهِ بحرارةِ عينيها
حتّى تختفيَ كلُّ الطّيّات
التي سبّبها الاحتكاكُ المتكرّر بقلّةِ الحظّ
ويعودَ أبي جديدًا.
الجسد الثّاني يذهبُ للعمل باكرًا
ويعود متأخّرًا ببضعةِ سنوات
عن صناعةِ عائلة.
يطبعُ ٱعتذارًا عميقًا على وجناتِ أطفاله
وهم نائمون،
يتفقّدُ كم سَنَةً (أقصد سِنًّا) سقطتْ منهم
وهم يتراطمونَ أثناء اللّعب
ولم يكن هو هنالك ليلتقطها بيديه.
يدسُّ قطع الشّوكولاته تحت وسائدهم
حتّى إذا ما ٱستفاقوا،
قضموا قليلاً من أَسَفِه.
الجسدُ الثّالث رأيتهُ لاهثًا أمام بوّابةِ الجامعة
يوم تخرّجي.
لَكَمَ ساعتينِ من العمل في الخصية
بعد أن حاصراهُ في المكتب
مُلثّمَيْن بٱسمِ "الكرامة"
وأتاني راكضًا.
لا يحبُّ أبي البدلات الرّسميّة،
لكنّه كان حينها مُرتديًا سُترةً طويلة
و يومًا أطولَ بكثير.
حين تُوّجتُ بالشّهادة،
نادى أبي ٱسمي مُحتفيًا
رغم أنّ فمهُ به حساسيّةٌ من الفرح.
الجسدُ الرّابع استفاق ذات مرّةٍ
وأكل خَبَرًا مُحزنًا
بلا مُربّى برتقال ليُطرّيه.
بعثرَ مائدة الإفطار بحثًا عن أصابعِ أمّي،
لكنّه لم يجد سوى رغيفٍ أبيض:
يومها، احتفلت القريةُ بٱفتتاح أوّلِ مخبزة
بينما شهدَ أبي آخرَ المخابزِ ضاحيةَ صدره
تفلسُ وتغلقُ بابها.
الجسدُ الخامس ليس مُستعملاً بعد.
علّقهُ أبي في خزانتي ذاتَ يوم
وأوصاني أن أُحافظَ عليه جيّدًا
قبل أن يُقفلَ آخر زرٍّ بالحياة.
كلَّ يوم، أسحبهُ ثمّ سريعًا ما أعيدهُ لمكانه
وكأنّني خائفٌ إن ٱرتديته
أن أجلسَ لمائدةٍ ملآى بكلِّ أصنافِ الطّعام،
ولكن ينقصُها الصّباح
أو أن أعودَ من العملِ لأولادي
وليس في جعبتي ما يكفي
من القُبل
والشّوكولاته
والأب.







التعليقات