انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

لأبي خمسةُ أجساد

هاجر الرقيق
هاجر الرقيق

شاعرة وأديبة تونسية

2 دقائق للقراءة
6 مشاهدة
لأبي خمسةُ أجساد
مشاركة:

لأبي خمسةُ أجسادٍ يُراوح في ٱرتدائها.

الجسدُ الأوّل يجلس مع أمّي على مائدةِ الإفطار،

ولكن ليسَ في المُنتصف

حتّى يتركَ المقعد شاغرًا للصّباح.

يطلي أصابعَ أمّي بمُربّى البرتقال

لأنّ الحُبّ هو آخرُ مخبزةٍ تعملُ بالقرية.

هذا الجسد مهترئٌ قليلاً

من كثرةِ الاستعمال والغسيلِ العاطفيّ،

لكنّ أمّي تكويهِ بحرارةِ عينيها

حتّى تختفيَ كلُّ الطّيّات

التي سبّبها الاحتكاكُ المتكرّر بقلّةِ الحظّ

ويعودَ أبي جديدًا.

الجسد الثّاني يذهبُ للعمل باكرًا

ويعود متأخّرًا ببضعةِ سنوات

عن صناعةِ عائلة.

يطبعُ ٱعتذارًا عميقًا على وجناتِ أطفاله

وهم نائمون،

يتفقّدُ كم سَنَةً (أقصد سِنًّا) سقطتْ منهم

وهم يتراطمونَ أثناء اللّعب

ولم يكن هو هنالك ليلتقطها بيديه.

يدسُّ قطع الشّوكولاته تحت وسائدهم

حتّى إذا ما ٱستفاقوا،

قضموا قليلاً من أَسَفِه.

الجسدُ الثّالث رأيتهُ لاهثًا أمام بوّابةِ الجامعة

يوم تخرّجي.

لَكَمَ ساعتينِ من العمل في الخصية

بعد أن حاصراهُ في المكتب

مُلثّمَيْن بٱسمِ "الكرامة"

وأتاني راكضًا.

لا يحبُّ أبي البدلات الرّسميّة،

لكنّه كان حينها مُرتديًا سُترةً طويلة

و يومًا أطولَ بكثير.

حين تُوّجتُ بالشّهادة،

نادى أبي ٱسمي مُحتفيًا

رغم أنّ فمهُ به حساسيّةٌ من الفرح.

الجسدُ الرّابع استفاق ذات مرّةٍ

وأكل خَبَرًا مُحزنًا

بلا مُربّى برتقال ليُطرّيه.

بعثرَ مائدة الإفطار بحثًا عن أصابعِ أمّي،

لكنّه لم يجد سوى رغيفٍ أبيض:

يومها، احتفلت القريةُ بٱفتتاح أوّلِ مخبزة

بينما شهدَ أبي آخرَ المخابزِ ضاحيةَ صدره

تفلسُ وتغلقُ بابها.

الجسدُ الخامس ليس مُستعملاً بعد.

علّقهُ أبي في خزانتي ذاتَ يوم

وأوصاني أن أُحافظَ عليه جيّدًا

قبل أن يُقفلَ آخر زرٍّ بالحياة.

كلَّ يوم، أسحبهُ ثمّ سريعًا ما أعيدهُ لمكانه

وكأنّني خائفٌ إن ٱرتديته

أن أجلسَ لمائدةٍ ملآى بكلِّ أصنافِ الطّعام،

ولكن ينقصُها الصّباح

أو أن أعودَ من العملِ لأولادي

وليس في جعبتي ما يكفي

من القُبل

والشّوكولاته

والأب.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٤ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٤:١٦ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

المدينة التي لم ترمي حجرا
ثقافة عربية

المدينة التي لم ترمي حجرا

كان جالسا يحتسي فنجان قهوته على الشرفة المطلة على وادي دوار السفينة. كان الصباح هادئا، والهواء يهب من جهة الوادي محملا برائحة التراب اليابس. ومن مكانه المرتفع كان يرى الطريق الممتد بين البيوت، وبعض الناس يتنقلون في الأسفل كأنهم لم يكونوا يتوقعون شيئا استثنائيا في ذلك اليوم. لكن شيئا ما لفت انتباهه.…

· 3 د
عُشقُ الياسمين
ثقافة عربية

عُشقُ الياسمين

عِشْقُ الياسمين في ليلِ دمشقَ يختبئُ الحنينُ في خبايا حاراتِها العتيقة، بين حجرٍ شاخَ من كثرةِ الحكايات، وبابٍ أرهقَه انتظارُ الغائبين. وحين تبزغُ خيوطُ الفجر، تضجُّ الأزقّةُ بالذكريات، وتصحو اللهفةُ حين ينحني الصوتُ ليهمسَ لها: أنتِ العشقُ الوحيد… يا دمشق، يا مَن أذبتِ بغرامكِ الأقلام، وجعلتِ من…

· 4 د
لا تحب في خريف العمر
ثقافة عربية

لا تحب في خريف العمر

لا تحب في خريف العمر. قصة قصيرة د. عدنان عويّد مساء صيفي فراتي يلفح المدينة بعباءة سحرية... السماء صافية ... بعض غيوم صغيرة بيضاء ذات أشكال وحواف غير منتظمة, تعبث بها رياح خفيفة لتشكل منها في كل لحظة أشكالاً غالباً ما يحدد دلالاتها الناظر إليها وفقاً لحالته النفسية...نجوم مشعة انتشرت في قبة السماء…

· 8 د