انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

لأبي خمسةُ أجساد

هاجر الرقيق
هاجر الرقيق

شاعرة وأديبة تونسية

2 دقائق للقراءة
25 مشاهدة
لأبي خمسةُ أجساد
مشاركة:

لأبي خمسةُ أجسادٍ يُراوح في ٱرتدائها.

الجسدُ الأوّل يجلس مع أمّي على مائدةِ الإفطار،

ولكن ليسَ في المُنتصف

حتّى يتركَ المقعد شاغرًا للصّباح.

يطلي أصابعَ أمّي بمُربّى البرتقال

لأنّ الحُبّ هو آخرُ مخبزةٍ تعملُ بالقرية.

هذا الجسد مهترئٌ قليلاً

من كثرةِ الاستعمال والغسيلِ العاطفيّ،

لكنّ أمّي تكويهِ بحرارةِ عينيها

حتّى تختفيَ كلُّ الطّيّات

التي سبّبها الاحتكاكُ المتكرّر بقلّةِ الحظّ

ويعودَ أبي جديدًا.

الجسد الثّاني يذهبُ للعمل باكرًا

ويعود متأخّرًا ببضعةِ سنوات

عن صناعةِ عائلة.

يطبعُ ٱعتذارًا عميقًا على وجناتِ أطفاله

وهم نائمون،

يتفقّدُ كم سَنَةً (أقصد سِنًّا) سقطتْ منهم

وهم يتراطمونَ أثناء اللّعب

ولم يكن هو هنالك ليلتقطها بيديه.

يدسُّ قطع الشّوكولاته تحت وسائدهم

حتّى إذا ما ٱستفاقوا،

قضموا قليلاً من أَسَفِه.

الجسدُ الثّالث رأيتهُ لاهثًا أمام بوّابةِ الجامعة

يوم تخرّجي.

لَكَمَ ساعتينِ من العمل في الخصية

بعد أن حاصراهُ في المكتب

مُلثّمَيْن بٱسمِ "الكرامة"

وأتاني راكضًا.

لا يحبُّ أبي البدلات الرّسميّة،

لكنّه كان حينها مُرتديًا سُترةً طويلة

و يومًا أطولَ بكثير.

حين تُوّجتُ بالشّهادة،

نادى أبي ٱسمي مُحتفيًا

رغم أنّ فمهُ به حساسيّةٌ من الفرح.

الجسدُ الرّابع استفاق ذات مرّةٍ

وأكل خَبَرًا مُحزنًا

بلا مُربّى برتقال ليُطرّيه.

بعثرَ مائدة الإفطار بحثًا عن أصابعِ أمّي،

لكنّه لم يجد سوى رغيفٍ أبيض:

يومها، احتفلت القريةُ بٱفتتاح أوّلِ مخبزة

بينما شهدَ أبي آخرَ المخابزِ ضاحيةَ صدره

تفلسُ وتغلقُ بابها.

الجسدُ الخامس ليس مُستعملاً بعد.

علّقهُ أبي في خزانتي ذاتَ يوم

وأوصاني أن أُحافظَ عليه جيّدًا

قبل أن يُقفلَ آخر زرٍّ بالحياة.

كلَّ يوم، أسحبهُ ثمّ سريعًا ما أعيدهُ لمكانه

وكأنّني خائفٌ إن ٱرتديته

أن أجلسَ لمائدةٍ ملآى بكلِّ أصنافِ الطّعام،

ولكن ينقصُها الصّباح

أو أن أعودَ من العملِ لأولادي

وليس في جعبتي ما يكفي

من القُبل

والشّوكولاته

والأب.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٨ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٦:٣١ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

وراء النقاب
ثقافة عربية

وراء النقاب

نبذة عن الشاعر والأديب الهندي عبدالله راغب: ولد الشاعر في ١ يناير ٢٠٠١ في قرية غَوَّافار بمحافظة سنت كبير نغر، بولاية أترابراديش في الهند. ونشأ في بيئة علمية ولغوية، فدرس علوم القرآن والحديث والعلوم الشرعية، حتى تخرج في الجامعة الإسلامية دار العلوم ديوبند عالما فاضلا، ثم التحق بقسم الإفتاء، وواصل…

· 2 د
مدينة النكرات
ثقافة عربية

مدينة النكرات

كانت المدينة غريبة بعض الشيء؛ فالشوارع تحمل أسماءها،و الأزقة تحتفظ بأرقامها،و المباني تعلق على واجهاتها لوحات تعريفية أنيقة،حتى الكلاب الضالة كان لكل واحد منها لقب يتداوله سكان الحي،وحدهم بعض الناس ظلوا بلا تعريف،رغم أنهم يحملون بطاقات وطنية،و يؤدون الضرائب، و يستيقظون كل صباح للذهاب إلى أعمالهم،و…

· 4 د
في ذكرى الملاحي
ثقافة عربية

في ذكرى الملاحي

صالح : هل تجرؤ ان تمسك بي ثانية ان تدعني افتش في كلماتك من جديد وان اسبر اغوار الحقيقة وحدي عن الاولى ماتوا وهم سائرون وعن ضمائر باعتنا في قطع من الليل البهيم ماتزال تلك الحقيقة ماثلة في اذهاننا ومازال الوجع والانقسام يكوي قلوبنا كل يوم وحضرموت تنادينا في كل مفتتح للقصيدة ونشيد ياايها الغائب الحاضر…

· 1 د