انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

كانت أمّي فلاّحة

هاجر الرقيق
هاجر الرقيق

شاعرة وأديبة تونسية

2 دقائق للقراءة
4 مشاهدة
كانت أمّي فلاّحة
مشاركة:

كانت أمّي فلاّحة،

حفرتْ حفرةً في باحة البيت

وغرستْ فيها طُفولتي حتّى تكبرَ بسرعة.

في كلّ عيد ميلاد،

كانت أمّي تُقطِّعُ كيلو أو ٱثنين من حياتي

وتُصبِّرهُ في المرطبانات

تحسُّبًا ليومٍ ينفدُ فيه العمر فجأة !

لم يكن عندنا بالبيت ميزانُ حبوب،

لكنّ أمّي كانت تعبّئُ أكياسَ الخيش

بصلواتها وأذكارها

حتّى يثقلَ ميزانُ الحسنات.

كلّما جفّت الأرض ونقص المحصول،

اقتلعتْ أمّي سَجْدتينِ من جبيني

وٱنتظرتْ أن يتفجّر نهرٌ ما من رأسي

كلّما نقّبتُ بساطَ الصّلاة.

حين كبرتُ وطالت السّنوات على كتفيّ،

جزّتْ أمّي عُشبةً مُنْسدِلة

وزيّنتْ بها الممشى الأماميّ

حتّى لا تتغامزَ الجارات عن صلعِ بيتنا.

كنّا شديدي الخوف من "العين"،

كلّما ألقتْ علينا جارةٌ أو قريبةٌ نظرةً حادّة،

طرّتها أمّي بقليلٍ من السّمنةِ والزّيت

وبسطتها جيّدًا بالقِلقال

كي لا تسبّبَ عُسر هضمٍ لأقدارنا.

كلّ عامٍ يمضي كنتُ أفقدُ فيه

ضحكةً جديدة،

فكانت أمّي تلتقطُ ما يقعُ من صوتي

وتردمهُ في أصيصٍ صغير

كما تفعلُ بشتلةِ النّعناع

حتّى ينبتَ لي فمٌ جديد

يعبقُ برائحةِ الفرح.

لم تكن أمّي ٱمرأةً قاسية،

لكنّها كانت فلاّحةً في طريقةِ حُبّها لنا.

كلُّ ٱبتسامةٍ تذبلُ في فمي

كانت تنقعها ليلةً كاملةً في إناءٍ من الماء

حتّى أجدها صباحًا وقد تضاعفَ حجمها

مثل حمصة.

أمّا يدي التي ظلّت تلوّحُ بالوداعِ لكلِّ شيء،

وضعتْ أمّي أسفلها سطلاً من حديد

وجلستْ لساعات

وهي تحلبُ الحزنَ من أصابعي

فينثالُ طريقي خيطًا أبيض من غير سوء.

كلُّ شيءٍ في فلسفتنا

كان أرضًا صالحةً للزّراعةِ والاسترزاق:

حتّى هذه القصيدة

لو كانت سُنبلةَ قمحٍ أو شعير،

لبذَرتْها أمّي وخبزتْ منها مُستقبلاً

لي و لإخوتي،

لكنّها لم تكن تنضجُ إلاّ على الورق

ولم تتناثرْ طحينًا

إلاّ حين دققتُ قلبي.

مشاركة:

آخر تحديث: ٣٠ أيلول ٢٠٢٦ في ٠١:١٤ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

موت الفسفوس
ثقافة عربية

موت الفسفوس

كنت أستيقظ كل صباح على رائحة القهوة، تلك الرائحة التي تجعل القلب ألين من رغيف ساخن خرج لتوه من التنور. أرتشف فنجاني الصغير وأتهيأ لرحلة يومية قصيرة إلى فرن الحارة. هناك، حيث تتحول طاقة الخبز إلى ساحة معركة: أذرع تتشابك، أكتاف تتدافع، وألسن تنفث الشتائم في وجه البائع، كأنما هو سبب ارتفاع الأسعار…

· 4 د
صباح قائظ
ثقافة عربية

صباح قائظ

تورية لغريب قاصة | مغربية تسلمت الأطباق الثلاثة من البائع ملفوفة بورق جريدة، تزينها ربطة أنيقة. عنّ لي حينها أنّ صاحبة الجلالة (الصحافة) تسترخي لتتقوى بأشعة الشمس بعد أزمة المجلس الأعلى للصحافة. أذكر أنها كانت ثلاثة أطباق، يفترشها البيض النّيّء بعيدا عن بطش الفقراء، بعد أن نجا من بين أيديهم اللحم…

· 1 د
طلب نشر قصيدة بعنوان "أسفار البشر "
ثقافة عربية

أسفار البشر

أَسْفَارُ البَشَرِ" حينَ يولدُ الألمُ تتلاشى الذاكرةُ، وتتمزّقُ فينا صفحاتُ الأمسِ، حتى كأنَّها لم تكن. عبثاً نفكّرُ… تقودُنا الأوهامُ والظنونُ إلى متاهاتِ الهلاك، فنخسرُ شيئاً من وجودِنا حين نُصرُّ على أن نرى العالمَ بعينِ الخوف. فالطباعُ تختلفُ، والتطلّعاتُ تختلفُ، والأحلامُ تتعدّدُ، والأسفارُ…

· 2 د