كانت أمّي فلاّحة،
حفرتْ حفرةً في باحة البيت
وغرستْ فيها طُفولتي حتّى تكبرَ بسرعة.
في كلّ عيد ميلاد،
كانت أمّي تُقطِّعُ كيلو أو ٱثنين من حياتي
وتُصبِّرهُ في المرطبانات
تحسُّبًا ليومٍ ينفدُ فيه العمر فجأة !
لم يكن عندنا بالبيت ميزانُ حبوب،
لكنّ أمّي كانت تعبّئُ أكياسَ الخيش
بصلواتها وأذكارها
حتّى يثقلَ ميزانُ الحسنات.
كلّما جفّت الأرض ونقص المحصول،
اقتلعتْ أمّي سَجْدتينِ من جبيني
وٱنتظرتْ أن يتفجّر نهرٌ ما من رأسي
كلّما نقّبتُ بساطَ الصّلاة.
حين كبرتُ وطالت السّنوات على كتفيّ،
جزّتْ أمّي عُشبةً مُنْسدِلة
وزيّنتْ بها الممشى الأماميّ
حتّى لا تتغامزَ الجارات عن صلعِ بيتنا.
كنّا شديدي الخوف من "العين"،
كلّما ألقتْ علينا جارةٌ أو قريبةٌ نظرةً حادّة،
طرّتها أمّي بقليلٍ من السّمنةِ والزّيت
وبسطتها جيّدًا بالقِلقال
كي لا تسبّبَ عُسر هضمٍ لأقدارنا.
كلّ عامٍ يمضي كنتُ أفقدُ فيه
ضحكةً جديدة،
فكانت أمّي تلتقطُ ما يقعُ من صوتي
وتردمهُ في أصيصٍ صغير
كما تفعلُ بشتلةِ النّعناع
حتّى ينبتَ لي فمٌ جديد
يعبقُ برائحةِ الفرح.
لم تكن أمّي ٱمرأةً قاسية،
لكنّها كانت فلاّحةً في طريقةِ حُبّها لنا.
كلُّ ٱبتسامةٍ تذبلُ في فمي
كانت تنقعها ليلةً كاملةً في إناءٍ من الماء
حتّى أجدها صباحًا وقد تضاعفَ حجمها
مثل حمصة.
أمّا يدي التي ظلّت تلوّحُ بالوداعِ لكلِّ شيء،
وضعتْ أمّي أسفلها سطلاً من حديد
وجلستْ لساعات
وهي تحلبُ الحزنَ من أصابعي
فينثالُ طريقي خيطًا أبيض من غير سوء.
كلُّ شيءٍ في فلسفتنا
كان أرضًا صالحةً للزّراعةِ والاسترزاق:
حتّى هذه القصيدة
لو كانت سُنبلةَ قمحٍ أو شعير،
لبذَرتْها أمّي وخبزتْ منها مُستقبلاً
لي و لإخوتي،
لكنّها لم تكن تنضجُ إلاّ على الورق
ولم تتناثرْ طحينًا
إلاّ حين دققتُ قلبي.







التعليقات