مقدمة
بين طيات مجلدات القرن السادس ومحابر القطران المُرّ، لا تُخاض المعارك بين الإنسان وما وراء الطبيعة بصرخات الرقاة ولا بتعويذات الزيف العلنية، بل تتسلل صامتة في عتمة الوجود الطيني. في أزقة مدينة قديمة تأكل الحجارة أطرافها، ينسج صالح -الوراق المكلل بغبار المخطوطات- حكايته المعلقة على حافة «بير العطش»، حيث يتقاطع الأرق الإنساني مع برودة الفراغ الأبدي. إنها رحلة باذخة تسبر زيف الشفاء الشكلي، وتسأل بجرأة لا متناهية: ماذا لو كان الاستقرار المطلق والطمأنينة الخالية من الوجع، ليسا سوى أقنعة باهتة لدفن الروح في العدم؟ وحين تصير المرآة النحاسية عاجزة عن عكس ظلك، تدرك أن الألم البشري -بكل مرارته وقلقه- هو السور الأخير الذي يحرس كينونتك من التلاشي في صمت اللاشيء.
الفصل الأول: صفيح البخور ورائحة الغبار القديم
كان «صالح» يعلم، قبل غيره من بائعي العاديات والأنتيكات المكتظين في سوق «الوراقين»، أن النحاس أصدق المعادن خيانةً للضوء وأشدها حرقاً للظلال.
كان سوق الوراقين في تلك المدينة القديمة يتنفس رطوبة قادمة من مجاري المياه السفلية التي بناها الرومان واستكملها العثمانيون. أزقة ضيقة لا تدخلها الشمس إلا لدقائق معدودات عند الظهيرة، حجارتها سوداء صلبة طُبعت عليها أقدام أجيالٍ متعاقبة من تجار الحبر، والنسّاخين، والمتصوفة، والعلماء الذين انطفأت أبصارهم وهم يقابلون الحواشي بالمتون. وفي أقصى ذلك الزقاق الملتوي، حيث تقل حركة المشاة وتتراكم أكياس الجير وغبار الخشب القديم، يقع دكان صالح.
لم يكن الدكان مجرد واجهة تجارية بعوارض خشبية متهالكة، بل كان مدخلاً لسرداب عميق يمتد تحت المباني المجاورة. هبوطٌ في ست عشرة درجة حجارية متآكلة الأطراف، أكل النمل الأبيض أخشاب درابزينها المتصلب. حين تنزل إلى ذلك القبو، تشعر أن الضجيج الخارجي للمدينة—أصوات باعة النحاس، وصهيل الحمير، وقرع المطارق في سوق الحدادين—يتلاشى رويداً رويداً، ليحل محله هسيسٌ خاص يشبه تنفس بئرٍ قديمة.
كان صالح قد أمضى أربعين عاماً في هذا القبو. لم تكن مهنته تجارة المخطوطات بمعناها الكسبي المباشر، بل كان "رماماً" للأوراق التي افترسها العفن، وشاحذاً للجلود التي جفت حتى كادت تتكسر كالفخار. كان يعجن غراءه بنفسه من طحن ألياف الشجر ومزجها برثاثة المسك وشيء من قطران العرعر الصافي، ويعرف كيف يعيد للورق المقدسي أو الدمشقي مرونته القديمة دون أن يمحو خط النسّاخ الأولي.
ولأنه قضى عقوداً يتفحص التموجات الدقيقة على حواشي الكتب العتيقة، اصطنع لنفسه عدسات سميكة زرعها في إطار ثقيل صُنع من عظم الحوت. عبر هاتين العدستين، لم يكن ينظر إلى القماش أو الجلد أو الحبر المسبوك، كان ينظر إلى الكيفية التي يتصرف بها الضوء حين يسقط على الأشياء. كان يعلم أن كل جسد يمر بالوجود يترك خلفه انزياحاً صامتاً في الهواء، وأن بعض الناس يمشون في الشارع وهم يجرون خلفهم ظلالاً أثقل من أجسادهم الطينية، بينما يمشى آخرون وأرواحهم خفيفة ناعمة كأنها لم تطأ التراب قط.
عندما تُصقل المِرآة القديمة المسقوفة بالإطار العثماني الثقيل في قبو دكانه، لا تعكس الوجوه كما تراها عيون الناس السابلة في الزقاق المبلل بالندى، بل تعكس ما تتركه تلك الوجوه خلفها حين ترتد عن الزجاج: الظلال المنسية، الأحمال الثقيلة التي يخشى صاحبها أن ينظر إليها في المدى المفتوح، والأسرار التي جفت في قاع الحلاقيم دون أن تجد من يرويها.
أُتي بالفتى عند هبوط الليل.
كانت الريح الشتوية تعزف صفيراً ضيقاً في أزقة المدينة القديمة، تحرك الفوانيس الصدئة المعلقة عند زوايا البيوت، وتدفع برائحة الخشب المشتعل من المخابز القريبة ليختلط ببرودة الهواء. دخلت المرأة أولاً؛ امرأة ناهزت الخمسين، يعلو وجهها خط أحمر من الكحل الباهت الذي أذابته الدموع المتكررة، وتلتف بشال أسود من الصوف الخشن تفركه بين أصابعها المرتجفة دون توقف، كأنها تحاول غزل الخوف الذي يملأ صدرها وتفريغه في نسيج الثوب.
خلفها، شق العتبة الشاب. كان اسمه «يحيى».
كان يحيى يتحرك بكيفية غريبة تتحدى طبيعة الأجساد الشابة. لم تكن خطواته متناسقة مع حيازة رجل في العشرين من عمره، بل كان يجر قدميه كأنما يزن كل كاحلٍ منهما قنطاراً من الرصاص المذاب، أو كأنه يمشى في ماء لزج كثيف لا يراه غيره من الحاضرين في الغرفة. عينان غائرتان في تجويفين عريضين أسفل جبهته كأنهما بئران مهجورتان جف ماؤهما منذ زمن بعيد، وشفتان جافتان تتشققان عن بياض كلسي يشبه الجير الذي يُطلى به كعوب الأشجار.
لكن ما لفت انتباه صالح—وهو الخبير بحركات الأجساد المجهدة—لم يكن شحوب وجه الفتى ولا الخطوط الزرقاء الداكنة التي تحيط بعينيه كوشمٍ قديم، بل يداه: كانت أصابعه ترتجف برعشة خفيفة ولكنها ثابتة كبندول ساعة قديمة، رعشة لا تتأثر بحركته ولا بتوقف خطواته، كأنما ينبض في داخله قلبٌ ثانٍ يخالف دقات قلبه البشري ويضخ الدم في اتجاه عكسي.
قالت الأم وهي تتكئ بكفها المرتجفة على طرف الطاولة الخشبية المتربة، وصوتها يتكسر كفخار يابس سقط على بلاط بارد:
«لا ينام يا سيدي صالح.. منذ أربعين ليلة بالتمام والكمال، لا يغمض له جفن. يجلس عند هزيع الليل الأخير، يقف أمام الجدار المغلق في غرفته، ويحدث أحداً لا نراه. نسأله فيقول إن هناك من يملي عليه كتاباً لا تنتهي صفحاته، وأن الورق في رأسه يشتعل كلما حاول أن يصمت أو يغمض عينيه. أخذناه إلى أطباء المدينة في الميدان الكبير فأعطوه مساحيق تنوم البدن لكنها لا تنوم الروح، وأخذناه إلى القرّاء في المساجد فحرّكوا الهواء حوله بالبخور دون أن يتغير من أمره شيء. لقد جئتك لأنهم قالوا إنك تفهم لغة الأوراق المتمردة.»
جلس صالح على كرسيه الخشبي العتيق الذي أصدر أنيناً خفيفاً تحت ثقله. لم يطلب من المرأة أن تجلس، ولم يرفع المصباح النفطي ليوجهه نحو وجه الفتى مباشرة كي لا يفزعه. أشار إلى يحيى فقط بمقبض مقصه الحديدي الضخم نحو المقعد المقابل.
كان في القبو صمت خاص؛ صمت لا يشبه هدوء المقابر الشاغرة، بل هو صمت مزدحم بالنفس والترقب. كانت هناك شمعة واحدة تناضل على حافة الرف الخشبي ضد الظلمة التي تحاول ابتلاع زوايا المكان، وصوت قطرات ماء منتظمة تنزل من شق في سقف القبو وتسقط في إناء نحاسي بعيد، متكتكة بانتظام يوزن الزمن ببطء قاتل.
تفحص صالح استرخاء كتفي الفتى، والمسافة التي تفصل بين قدميه والمقعد. لاحظ كيف أن الفتى يمتنع عن وضع ظهره على خشب الكرسي، وكأنه يخشى أن يمس شيءٌ ما المساحة الفاصلة بين ثوبه والكرسي.
«ما اسمه؟» سأل صالح. كان صوته هادئاً، خافتاً، لم يتجاوز حد الهمس الذي يستخدمه عادة عندما يحاضر زبوناً عن طريقة حفظ المخطوطات من العفن.
لم يتكلم الفتى بلسانه. لم تتحرك شفتاه المتشققتان. رفع عينيه النحيلتين ببطء شديد كأنهما تُداران بسلاسل حديدية، وشخص بنظرة فارغة صماء في الفراغ القائم خلف كتف صالح الأيسر، تحديداً عند الزاوية المعتمة التي تتراكم فيها أوراق الجرائد والمجلدات القديمة التي لم تُفتح منذ عقود.
ثم خرج الصوت.
لم يكن ذلك الصوت صادرًا من حنجرة يحيى، ولا كان تشكيله يعتمد على حركة الشفتين أو اللسان. كان صوتاً يأتي من الهواء المحيط بهما في الغرفة، صفيراً شبيهًا بهبوب الريح عبر ثقب ضيق في نافذة حديدية صدئة، خشناً، يخلو من أي نبرة عاطفية أو إنسانية، كأن حجارة الصوان تحتك ببعضها في عمق وادٍ مهجور:
«هو لا يكتب اسمي يا ورّاق.. هو يكتب اسمه هو، ولكن بلساني الذي استعار منه الحروف ليعيد ترتيب خرابه.»
لم يرتجف صالح، ولم يبتعد بجسده عن الطاولة. قضى أربعين عاماً بين الأوراق القديمة، وعرف أن العالم ليس مبنياً فقط من الطين والماء، بل هناك مساحات شاسعة بين السطور تعيش فيها كائنات لا تحتاج أجساداً لكي توجد، تحتاج فقط خيالاً ينفتح لتقطن فيه حين تعجز عن تحمّل صمتها الخاص.
ابتسم صالح ابتسامة خفيفة، باردة، لم تبلغ عينيه المجهدتين خلف عدساته. مد يده إلى درج الطاولة السفلي، وأخرج قطعة صغيرة من الفحم الحجري ورقة بيضاء غير خشنة—ورق مقصوب عتيق كان يستخدمه في نسخ المخطوطات وتذهيبها—وضعهما أمام الفتى، وقال بنبرة خالية من أي استنكار أو خوف:
«إذا كان يكتب اسمه بلسانك.. فاكتب لي أنت السطر الأخير فقط. أسطر البدايات طازجة دائماً ومخادعة، وحده السطر الأخير هو ما يتبقى من الحكاية حين تنطفئ الرغبة.»
امتدت يد الفتى المرتجفة نحو قطعة الفحم. لم تلمس الفحمة الورقة فوراً. ظلت المادة السوداء تحوم في الهواء فوق سطح الورقة الناصع بضعة سانتيمترات، بحركة دائرية قلقة كأنها ذبابة تحوم حول حفرة نارية. كان الهواء في الغرفة يزداد برودة وثقلاً، حتى إن بخار أنفاسهم بدأ يظهر كغلالة بيضاء في الضوء الضئيل للمصباح.
وفجأة، وبضغطة واحدة حادة ومرعبة، هبطت يد الفتى.
شق رأس الفحم الورقة تقريباً، وسمع صالح صوت تمزق ألياف الورق العتيق. كتب الفتى كلمة واحدة بخط كوفي عريض، تتجه حروفه نحو الأسفل كأنها تهوي في سراديب لا قاع لها:
«الخروج».
في اللحظة التي اكتملت فيها نقطة حرف الجيم، انطفأت الشمعة الوحيدة في القبو.
لم يكن انطفاؤها جراء هبوب ريح؛ فالنافذة الخشبية مغلقة بإحكام، والباب لم يتحرك من مكانه. لقد تلاشى الضوء فجأة كأن أحداً قطع عنه الأكسجين أو شربه دفعة واحدة. وفي الظلام الدامس الذي خيم على القبو، ظلت رائحة الفحم المشتعل والقطران تطوف في الهواء.
وفي تلك الظلمة المطلقة، لم يُسمع سوى صوت أنفاس متتابعة ومضطربة... ثلاثة أنفاس مختلفة الإيقاع والدقات: نفس صالح المتزن المجهد، ونفس الأم المتسارع الباكي، ونفس ثالث... عميق، جاف، يصدر من أقصى القبو كأن رؤيتين من النحاس تتنفسان الصعداء، بينما لم يكن في الغرفة سوى شخصين وأم تعصر شالها عند الباب المغلق.

الفصل الثاني: بير العطش وحفيف الأشجار الساكنة
لم يستيقظ صالح في الصباح التالي على صوت بائعي الخضار الذين يتزاحمون بعرباتهم الخشبية عند مدخل الزقاق، ولا على قرقرة مياه الميزاب الممتدة تحت أزقة المحلة القديمة. استيقظ على صوت الصمت نفسه؛ صمتٍ كثيف، لزج، ينعقد فوق صدره ككتلة ضخمة من القطن المبلل بزيت الزيتون الثقيل.
عندما هبط الدَرَج الحجري ونزل إلى القبو، وجد الشمعة التي انطفأت البارحة قد ذابت بالكامل، وتحولت إلى بركة صغيرة من الشمع الأبيض الملتصق بحافة الرف الخشبي العتيق. كانت الورقة لا تزال هناك، مستقرة فوق طاولة الترميم النحاسية. الكلمة المحفورة بالفحم: «الخروج»، لم تكن مجرد جرافيت مسكوب على سطح أملس، بل كانت ألياف الورق حولها متفحمة، مسودة الحواف ومحروقة الجوانب، كأن الكلمة قُطعت بإبرة محمية على نار حطب الصنوبر.
لم يأتِ يحيى ولا أمه في ذلك اليوم.
انتظر صالح حتى اشتدت الشمس في كبد السماء، وألقت أزقة المحلة ظلالاً قصيرة حادة تشبه سكاكين ملقاة على الأسفلت الساخن. أغلقت الدكان بمفتاحه النحاسي الضخم الذي أحدث صفيراً جافاً، وحمل في جرابه الخيش الصغير بضع أدوات لا يستغني عنها في رحلاته: مكحلة قديمة فيها مسحوق المرقش، إبرة عريضة يرمم بها كعوب المجلدات الضخمة، وفنجان قهوة من الفخار البارد الذي شرب منه في الصباح ولم يغسله.
سار بخطوات ثقيلة نحو أطراف المدينة الشمالية، حيث ينتهي عمران الحجارة الملتصقة وتخف حركة الناس والحيوانات، ويبدأ "وادي الرماد".
كان الوادي عبارة عن أخدودٍ عتيق شقته المزاريب الطبيعية في جبال الجير الصفراء قبل أن يجف ماؤها ويصبح مجرى خاوياً. هناك، بين مرتفعين كلسيين أكلتهما أسيال الشتاء القديمة وجردتهما الريح من الشجر، تقبع «بير العطش». بئرٌ مطوية بحجارة سوداء بركانية لا تشبه حجارة المنطقة الكلسية الصفراء، يُقال في المرويات الشفاهية التي يتداولها الحكواتية عند المقاهي إن الأوائل ردموها وجدروا أطرافها بالحجر الصلد منذ آلاف السنين؛ لأنها لم تكن تخرج ماءً قط، بل كانت تخرج في ليالي الصيف الحارة هفيفاً شبيهاً بغناء النساء المهجورات اللائي نسين أسمائهن.
كان الطريق إلى الوادي خالياً ينبض بالحرارة المكتومة. الهواء محمل برائحة الشيح اليابس والجير الشمسي. كلما تقدم صالح خطوة نحو البئر، كان يشعر بأن جلبابه القطني الثقيل يزداد وزناً، وبأن حذاءه الجلدي يترك أثراً عميقاً في التراب أكثر مما ينبغي لجسد رجل في الستين من عمره، كأن أرض الوادي تسحب أقدام الأحياء نحو الأسفل برفق مكتوم وقوة لا تُقاوم.
وصل إلى حافة البئر المطوقة بالحجارة البركانية.
كانت الفوهة الدائرية تبدو كأنها عين سوداء عمياء انفتحت في وجه الأرض وماتت. وقف صالح على الحافة، ونظر إلى القاع. لم تكن هناك ظلمة عادية مثل ظلمة البيوت المظلمة؛ بل كان الفراغ بالداخل شبيهًا بسائل أسود راكد، ثقيل، لا يستجيب لأشعة الشمس الحارقة التي تسقط عليه عمودياً في ظهيرة النهار.
أخرج صالح من جيبه حجرًا أملس صغيراً، وأسقطه في الفوهة.
مرت ثانية... ثوانٍ... دقيقة كاملة. لم يأتِ صوت الارتطام بالماء، ولا صوت اصطدام الحجر بالحجارة السفلية. كان الفراغ القابع في الأسفل يبتلع المادة والحركة دون أن يترك خلفه أثراً أو صدى أو ارتجاجاً.
جلس صالح على الحافة الملساء للبئر، وأخرج فنجان الفخار البارد، وسكب فيه القليل من الماء الذي يحمله في قارورته الجلدية، ثم رشف رشفة واحدة بطيئة.
«لماذا يحيى بالذات؟» قال صالح. لم يرفع صوته، بل ألقى بكلماته نحو تجويف البئر كأنه يكلم صديقاً يشاركه السمر في ليلة شاتية. «في المدينة مئات النفوس المتعبة يا هذا.. مئات الرجال الذين أثقلتهم الديون والذنوب والشهوات ورعب الآتي.. لماذا اخترت فتىً لا يملك من أمره شيئاً سوى الخوف من ظله؟»
لم يأته الرد من عمق البئر الأسود. لم تصعد النبرة من السواد القابع في الأسفل.
بل جاء الصوت من خلف أذنه اليمنى مباشرة، قريباً جداً حتى إن صالح شعر بالبرودة المفاجئة التي جمدت شعيرات رقبته ودغدغت أذنه. كانت النبرة جافة، خالية من أي تنغيم موسيقي أو نبرة عاطفية، تشبه حفيف الورق اليابس حين تذروه الريح على بلاط بارد:
«لأنه الوحيد الذي لم يطلب مني شيئاً يا ورّاق..»
لم يلتفت صالح فوراً. ضبط أنفاسه المتهدجة، وحافظ على ثبات فنجانه الفخاري بين أصابعه كي لا تراق منه قطرة واحدة على جلبابه.
تابع الصوت من خلفه، محلقاً في ذروة الأذن:
«البشر يأتون إلينا حاملين سلال أطماعهم الثقيلة. يطلبون الذهب ليستروا عورات أفقرهم، أو يتوسلون للانتقام من خصومهم، أو يرجون الشفاء لجسد يذوب بفعل الزمن. كلهم يقرعون أبوابنا وفي أيديهم عقود ومقايضات صريحة. يحيى الوحيد الذي فتح باب غرفته في هزيع الليل الأخير، ونظر إلى الظلمة القائمة في الزاوية وقال بصوت مكسور: دخلتَ أم لم تدخل.. صمتَّ أم تكلمت.. هذا البيت فارغ على أي حال ولا يسكنه أحد.»
التفت صالح ببطء شديد، حذراً من أن يقطع خيط الكلام.
لم يكن خلفه أحد. لم يكن هناك إنسان يتكئ، ولا ظلال متجسدة، ولا هيئة دخانية تتصاعد من الأرض. كانت هناك فقط شجرة زيتون برية عتيقة، جذعها ملتوي كأنما عصره الزمن وعصرته الأحقاد، وتتمايل أغصانها المغبرة في هواء ساكن تماماً؛ هواء لم يكن يحرك جلباب صالح ولا يثير غبار التراب تحت قدميه المجهدتين.
«أنت لست جنيًا متمردًا ولا خادماً لطلسمٍ خطه ساحر جاهل في كتاب يعقوب،» قال صالح وهو ينظر في الفراغ الممتد بين أغصان الشجرة اليابسة.
اهتز غصن صغير في الشجرة ببطء، وسقطت منه ورقة يابسة واحدة على الأرض دون أن تصدر أي صوت حين لمست التراب.
«أنا الذكرى التي نسيتموها عندما تعلمتم الكلام وصغتم البيوع والعهود يا صالح،» رد الصوت، وهذه المرة بدا الصوت كأنه ينبعث من كل الجوانب في وقت واحد، من أصل البئر ومن جذع الشجرة ومن التراب الممتد تحت قدميه. «أنا الفراغ الذي يتبقى منكم حين تصمتون وتنطفئ رغباتكم. يحيى لم يكن ممسوساً بشر؛ يحيى كان خالياً.. وأنا لا أسكن الأجساد لأعذبها أو ألتهم طينها، أنا أسكنها لأجد لي مكاناً أستريح فيه من نسيان القرون القاسية.»
أغمض صالح عينيه المجهدتين خلف عدسات نظارته العظمية. كان يعرف، بحكم السنوات الطويلة التي قضى عمره فيها يقرأ الحواشي المتموجة للمخطوطات العتيقة، أن أشد أنواع الوجود خطراً ليس ذلك الذي يحاربك بالسيف أو التعاويذ المرئية، بل ذلك الذي يتسلل إليك عبر الثقوب الصغيرة التي تتركها في نفسك حين تمل من كونك إنسانًا يعاني ويكابد.
رفع صالح رأسه، ونظر نحو الشجرة الملتوية وقال بصوت أثقله الحزن العميق:
«لكنك ستحرقه.. الطين البشري لا يحتمل النار غير المرئية لفترة طويلة، وسينكسر العظم تحت ثقل صمتك.»
«بل هو من يستدفئ بي،» جاء الرد خافتاً كأنه يبتعد رويداً رويداً نحو عمق الوادي القاحل. «سل الفتى حين تراه الليلة في حارته.. وسل نفسك في قبوك: أينا المحبوس في الآخر؟ وأينا الذي يستعير العدم من صاحبه؟»
انقطع الصوت فجأة. وعادت الريح الشتوية تعزف بصفيرها في أرجاء الوادي، وتحركت أطراف جلباب صالح، وارتطم غبار التراب بوجنته الشائبة. وقف الوراق مفكراً في عمق الكلام، وهو يعلم أن المعركة الحقيقية بين الوجود والعدم لم تبدأ بعد، وأن الليلة ستكشف ما إذا كان "الخروج" الذي كتبه الفتى بالفحم كان وعداً بالشفاء... أم إعلاناً عن استسلام كامل ونهائي.
الفصل الثالث: حدود الاحتجاب وزيف الشفاء
عاد صالح إلى دكانه مع انتصاف الليل. كانت أزقة المدينة القديمة قد طوت أجنحتها على عتمة ثقيلة ومطبقة، واستقرت الرطوبة على البلاط الحجري الأسود كأنه مبلل بصفوة الزيت المرقش.
نزل الدَرَج الحجري نحو القبو ببطء شديد، كل درجة تسلّم قدمه المجهدة للتي تليها بزفيرٍ خفيف من الحجر المتآكل. تجاوز الرائحة المعتادة للبخور المستكة وزيت الكتّان ورطوبة الجدران الكلسية، ليجد المجلد الكبير الذي قضى شهوراً طويلة في تجميعه وترميم حواشيه ممدداً على طاولة الترميم النحاسية. كان مخطوطاً نادراً يعود للقرن السادس الهجري، عنوانه المكتوب بماء الذهب المتآكل: «حدود الاحتجاب ومقامات الانسلاب».
فتح الصفحات المتهرئة التي أكلت السوس أطرافها؛ كان يعلم، بحس المكتبي العتيق الذي أفنى عمره بين المجلدات الصفراء، أن اللعبة بين الإنسان وما وراء الطبيعة ليست معركة تعاويذ زاهية ولا صراع رقاةٍ يصرخون في المجالس العامة لترتعد العجائز، بل هي تدافعٌ متصل ومكتوم بين حقيقتين تتدافعان على مساحة واحدة ضيقة من الوجود الطيني: إما أن تظل إنساناً تحمل كَدَرَك وأرقك وشهواتك وخوفك من الغد، وإما أن تتخلى عن ذلك كله لقاء صمتٍ كامل ومريح يلتهم ذاتك من الداخل.
وفجأة، وفي لحظة صمت تامة سكنت فيها حتى قطرات الماء المعتادة التي تسقط من شق السقف إلى الإناء النحاسي، قرع الباب الخارجي للدكان.
لم تكن القرعات ثلاثاً خفيفة متقطعة كما اعتاد الزوار المجهدون أن يفعلوا وهم يتسللون عبر عتمة الزقاق. كانت قرعة واحدة متزنة، صريحة، وواثقة كأنها صادرة عن يد رجل أمن يعرف تماماً ما يريد، أو حارسٍ يحمل أمراً بالدخول.
صعد صالح الدَرَج الحجري بتمهل، وفتح الفتحة الصغيرة في الباب النحاسي العتيق. كان الشارع خالياً إلا من قمر مكتمل يسكب ضوءاً فضياً باهتاً على الزقاق المبلل، يمتص حمرة الآجر ويسكب عليها لوناً رمادياً ميتًا. وكان يحيى يقف هناك على العتبة.
لكن يحيى الذي يقف الليلة تحت ضوء القمر لم يكن الفتى المكسور الذي زار القبو برفقة أمه المذعورة قبل ليلتين.
كان يرتدي جلباباً أبيض ناصعاً، خاوياً من أي ثنية أو غبار، كأنما خِيط للتو في أرقى مشاغل المحلة ولم تمسه يدُ خياطٍ بشرية من قبل. وجهه الذي كان شاحباً كالصلصال الرطب في اللقاء الأول صار ممتلئاً بنضرة غريبة ومريبة، وعيناه اللتان كانتا بئرين جافتين أسفل جبهته أصبحت فيهما برقة صافية حادة تشبه صفاء الزجاج الحديث الذي يُستورد في صناديق القش. لم تكن يداه ترتجفان برعشتهما المعهودة التي تشبه بندول الساعة؛ بل كانتا مستقرتين بجانب جسده بثبات تام، وكأنهما صُنعت من منحوتة رخامية لا تجري فيها الدماء ولا تضرب فيها العروق.
فتح صالح الباب بالكامل، ووقف على العتبة الخشبية دون أن يفسح له المجال للدخول إلى سرداب القبو.
— «مساء الخير يا عمي صالح،» قال الفتى. كان صوته صافياً، رناناً، ينساب في الزقاق دون أي رعشة أو انكسار أو تردد أو حاجة لتنفس بين الجمل. «جئتُ لأطمئنك، ولأعيد لك قطعة الفحم التي تركتها في غرفتي ذلك الليل.»
تفحص صالح وجه الفتى بعناية حذرة، وأدنى عينه من حدقتيه عبر عدستي نظارته العظمية السميكة. كان الضوء الفضي المنبعث من قمر الليل ينعكس على زجاج عينيه، لكنه كان انعكاساً أملساً، مسطحاً، لا عمق خلفه ولا حركة مائية، كأنك تنظر إلى مرآة صقيلة طُليت من الخلف بسائل فضي يمنع الضوء من النفاذ إلى الأحشاء والروح.
— «لقد شفيتُ تماماً يا سيدي،» تابع الفتى بابتسامة عريضة ومتقنة أظهرت أسنانه المنتظمة. «الشيخ الذي يقطن في الحي المجاور زارنا البارحة، وقرأ عليّ بعض الآيات العظيمة، وأحرق بعض الأعشاب والحرمل واللبان الذكر.. وشعرتُ فوراً بشيء ينخلع من صدري ويهرب عبر النافذة. أنا الآن أنام ملء جفني، ولا أرى أحلاماً ولا أسمع أصواتاً تقض مضجعي.»
لم يبتسم صالح. لم ينطق بكلمة تهنئة، ولم يظهر على وجهه الشائب أي ارتياح أو خفة. أنزل عينيه ببطء شديد نحو الأرض، حيث كان ضوء القمر ينسكب سخياً بين قدمي الرجلين على البلاط الحجري الأسود.
وهناك، على الجدار الكلسي الممتد خلف الفتى مباشرة، رأى صالح المفارقة المدهشة التي يغفل عنها عامة الناس الذين ينخدعون بالظواهر والأعراض الخارجية.
كان هناك ظلٌ يمتد من قدمي الفتى على الجدار... لكن الظل كان واقفاً بثبات تام، رافعاً رأسه ونظره متجهاً نحو السماء في جمود حجري، في حين أن الفتى نفسه كان يحرك يديه ويومئ برأسه ويتحدث بحماس متصنع! لم يكن الظل يتحرك مع حركة الجسد البشري. كان ظل تمثالٍ من الصخر الجاف، بينما القشرة البشرية الظاهرة ليحيى تتحرك، تبتسم، وتتظاهر بالشفاء والبهجة!
فهم صالح كل شيء في تلك اللحظة العارية الصريحة.
لم يخرج الكائن الخفي من الفتى جراء الرقية أو حرق الحرمل والأعشاب كما توهمت أمه ويظن أهل المحلة. لقد حدث العكس تماماً: الكائن هو الذي ابتلع يحيى بالكامل واستوعب حضوره الإنساني. لقد أطفأ خياله القلق، وسحب روحه الإنسانية المتعبة إلى عمق الفراغ الصامت في "بير العطش"، ثم ارتدى القشرة البشرية الظاهرة ليحيى، وصار يتحدث باسمه، ويتودد لأمه والناس، ويتظاهر بالطمأنينة الكاملة كي لا يزعجه أحد أو يقرع بابه من جديد.
لقد منح الكائنُ الفتى "الشفاء الشكلي"، ولكنه سلبه ذاته الإنسانية بالكامل!
سأله صالح بنبرة هادئة، خافضة، أثقلها أسى عميق لا حدود له:
— «وهل تشعر بالراحة الآن يا يحيى؟ أم تشعر بالفراغ؟»
رد الفتى وهو يلتفت ليبتعد بخطوات منتظمة، متقنة، ومحسوبة في الزقاق الضيق، دون أن يصدر حذاؤه الجلدي أي صوت على الحصى والندى:
— «كثيراً يا عمي صالح.. أصبحت لا أشعر بشيء على الإطلاق. لا خوف، لا حزن، ولا أمل ينكث وعده.. وهذا أجمل ما في الأمر وأعظمه.»
وقف صالح طويلاً عند عتبة دكانه، يراقب الفتى وهو يغيب في عتمة الليل الممتدة. نظر إلى الظل المتروك على الجدار الكلسي والذي بدأ ينحل رويداً رويداً ليذوب في سكون الزقاق، متذكراً أن الفاجعة الحقيقية في هذا العالم ليست أن يسكنك كائنٌ غريب فيصرخ بلسانك ويتعب جسدك، بل أن يستبدلك بالكامل دون أن تشعر... حتى لا يعود أحدٌ في المحلة يفتقد وجودك الحقيقي أو يسأل عن روحك التي غابت في الصمت.

الفصل الرابع: زيف اليقين وشاهد الزور
كان صباح الجمعة في سوق «الوراقين» يفيض برائحة شاي النعناع المغلّى في الأباريق النحاسية والخبز الطازج، ممزوجة برائحة الحبر الجاف والأوراق الشمسية التي ينشرها الكتبيون على مساطبهم الخشبية المتهالكة لتجف من رطوبة الليل.
على غير العادة، لم تكن حلقة النقاش في دكان بائع العاديات تدور حول ندرة مخطوطٍ أو ثمن مجلد عثماني، بل كانت تدور حول "المعجزة" التي شهدتها المحلة وأصداء خلاص الفتى يحيى.
كان «الشيخ عبد الجليل»، رجلٌ بستينيات العمر ذو لحية بيضاء مصبوغة بالحناء وجلباب أزرق فضفاض تتسع أكمامه كلما حرك يديه، يجلس على المقعد المرتفع أمام دكان صالح. كان يحيط به جمع من تجار السوق والسابلة وبائعي النحاس، يفرك خرزات سبحته العاجية ببطء وتفاخر، ويحدثهم بصوت جهوري ينساب في الزقاق مستعرضاً قوته وفضله:
— «القرآن لا يدع مجالاً للريب يا قوم.. أتيتموني بالفتى يحيى وهو ينبح كالمجانين ويرتجف كغصن في عاصفة شتوية، وما هي إلا ليلة واحدة أحرقتُ فيها الكبريت والحرمل وقرأتُ عزائم الطرد، حتى انخلع الشيطان من عروقه وخرج صاغراً خائباً! انظروا إليه اليوم؛ يصلي في الصف الأول، ويعد دكاكين أمه بكل عقل ورزانة. الشفاء يحتاج يقيناً ولا يحتاج إلى فلسفة الكتبيين وغبار القبو الذي لا يورث إلا التشكيك!»
ارتفعت همهمات التجار بالاستحسان والثناء، وبعضهم كان يربد برفق على كتف يحيى الذي كان يقف ببراعة وسط الحضور، متأنقاً في جلبابه الأبيض الناصع، يبتسم للجميع تلك الابتسامة المتقنة المصنوعة، ويهز رأسه بتواضع متكلف ينال إعجاب الحاضرين.
كان صالح يقف داخل دكانه خلف طاولة الترميم النحاسية، يُمسك بإبرته الخشبية ومبرد الصمغ، ينظر إلى المشهد عبر الفتحة المقوسة لشباك القبو. كان يرى التناقض الصارخ الذي يعمي عيون العامة؛ يرى كيف يصفق الناس للمظاهر الصقيلة الصامتة لأنها تريحهم من عناء التعامل مع الإنسان المتألم.
خرج صالح من الدكان بخطوات ثقيلة. أحدث حذاؤه الجلدي صفيراً خفيفاً على البلاط الشمسي. توقف الجمع عن الكلام فوراً؛ فالسوق كلها تعرف أن صالحاً لا يتدخل في أحاديث العامة إلا إذا كان الأمر يطال كينونة الكتاب أو حقيقة الوجود.
وقف صالح على مسافة خطوات قليلة من الشيخ عبد الجليل، وأدخل يديه المجهدتين الملوثتين بالقطران والغراء في جيبي جلبابه. لم يبتسم، ولم يرفع صوته لينافس حنجرة الشيخ الجليلة، بل رمقه بنظرة نافذة، حادة، تسبر الغور من خلف عدسات نظارته العظمية السميكة.
— «أتسمي ما حدث للفتى شفاءً يا شيخ عبد الجليل؟» سأل صالح. كان صوته خافتاً كأنه حفيف ورق قديم يُقلّب في الظلمة.
ضحك الشيخ قهقهة جافة أظهرت أسنانه الصفراء المأكولة، وقال بثقة ورضا:
— «وماذا أسميه يا ورّاق؟ الفتى كان مريضاً وأصبح معافى، كان ينعزل بالليالي وصار يخالط الناس في الأسواق، كان يصرخ وصار يبتسم ويسلم على الكبير والصغير. أليس هذا هو الشفاء الذي ينشده كل ذي عقل وطين؟ أم أنك تريد للمرض أن يستمر كي تظل تدرس أوراقك القديمة وتدعي المعرفة بالحواشي والسحر؟»
أنزل صالح عينيه ببطء شديد نحو يحيى القائم بجانب الشيخ.
كان يحيى يبتسم، ولكن عندما التقت عينُه بعين الورّاق، لم تذب الابتسامة ولم تتغير حركتها، بل بقيت مجمدة على وجهه كأنها قناع خشب طُلي بلون الجلد البشري. نظر صالح إلى رجلي الفتى القائمتين على البلاط الحجري؛ كان ضوء شمس الظهيرة الحارقة يسقط عمودياً، وأجسام جميع التجار والشيخ والسابلة تتصاعد منها ظلال داكنة تتحرك وتستطيل وتتقلص مع حركات أيديهم وأجسادهم... أما يحيى، فقد كان ظله على البلاط ثابتاً، منكمشاً حول قدميه، لا يتأثر برفه لجفنه ولا بحركة يده التي يحيي بها الناس!
أشار صالح بإبهامه الملوث بالحبر والرماد نحو يحيى، وقال للشيخ عبد الجليل بنبرة قاطعة:
— «أنت لم تطرد الكائن من الفتى يا شيخ.. أنت أخرجت الفتى من نفسه وتركت الكائن يلبس جلبابه!»
تغيرت ملامح الشيخ فوراً، وارتفعت نبرة صوته بغضب واستنكار:
— «ما هذا الهذيان والجرأة على الحق واليقين؟ الفتى أمامك يتكلم ويعقل ويصلي ويتجر!»
رد صالح وهو يخطو خطوة واحدة نحو يحيى، متجاوزاً حلقة التجار المندهشين:
— «الذي يتكلم أمامك الآن ليس يحيى. هذا جدارٌ أملس، قشرة طينية طردت خيال صاحبها وأراحت أمه من صراخه، ولكنها قتلته في عمق الروح. أنت أطعمته الشفاء الشكلي لأنه يرضي عينك وعين الشارع ويمنحك المجد، لكنك تركت حقيقته تموت في الفراغ. الشفاء الذي يلغي خوف الإنسان وألمه وندمه ونقصه ليس شفاءً يا عبد الجليل.. إنه دفنٌ لطيف في الحياة!»
ساد الصمت في سوق الوراقين. تراجع بعض التجار خطوة إلى الخلف، وشعروا ببرودة غريبة تسري في الشارع رغم شمس الظهيرة الساطعة التي تحرق الحجارة.
اقترب صالح من يحيى حتى صار بينهما شبر واحد. أدنى رأسه نحو أذن الفتى، وهمس بصوت لا يسمعه غيرهما، صوت محمل برائحة المرقش والرماد المستخرج من القبو:
— «أتسمع صوت أُمك حين تبكي في الليل يا يحيى؟ أم أنك أصبحت لا تسمع حتى دقات قلبك؟»
لم تتغير ابتسامة الفتى، ولم يتردد لسانه أو يرتجف فكه، بل رد بالنبرة الصافية الرنانة الخالية من أي دفء أو ألم بشري:
— «أنا لا أسمع شيئاً يا عمي صالح.. ولا أستشعر شقاءً، وهذا العطش الآمن هو كل ما كنتُ أرجوه وأسعى إليه.»
التفت صالح وعاد إلى قبو دكانه بخطوات ثقيلة دون أن يضيف كلمة واحدة. كان يعلم الآن أن المواجهة مع هذا الشفاء الزائف لم تعد مجرد مسألة إنقاذ لفتى من أزقة المحلة، بل أصبحت واجباً وجودياً لإعادة الحق إلى نصابه، حتى لو كان الثمن أن يحمل هو هذا "العدم المستعار" على كاهله طوال ما تبقى له من العمر.
الفصل الخامس: خبايا الجسد الخالي ومسحوق المرقش
مرت ثلاثة أيام على المحلة القديمة كأنها شريط سينمائي صامت يكرر أطره بآلية مملة ومتكررة.
كان صالح ينظر من شباك قبو الدكان الخشبي المقوس، فيرى يحيى يغدو ويروح في أزقة السوق بكل خفة ويسر. كان الفتى يبدو لإخوانه وجيرانه والمارة مثالاً حياً لـ «البركة والشفاء الخالص». أصبح يشتري الخضار بأدبٍ جم من الباعة، يحيي الجميع بابتسامة متزنة لا تشوبها شائبة ولا تردد، ويفسح الطريق للدواب والأطفال بكرمٍ متكلف. بل إنه صار يتقدم الصفوف الأولى في المسجد الكبير، يؤدي الصلوات بركوعٍ وسجود كأنهما خُطا بندول ساعة ضبطت بحرفية وصناعة فائقة.
الجميع كانوا يهنئون والده الطاعن في السن وأمه المفجوعة على "الخلاص المجيد والتعافي". وحدها عين صالح المكتوية بغبار المخطوطات القديمة والمتفحصة لأسرار الحواشي كانت ترى الحقيقة العارية؛ كانت ترى كيف يخلو خطو الفتى من الأثر الحقيقي في التراب، وكيف أن ضوء الشمعة حين يمر بحدقتيه في الليل لا يتكسر ولا ينعكس على السطح المائي المعهود للعين البشرية، بل ينفذ عبرهما كأنهما ثقبان فارغان في جدار قديم مهجور.
في ليلة الجمعة، اختفت الشمس خلف هضاب الجير الصفراء، وصعدت رطوبة البحر لترش الزقاق بغلالة دقيقة من الملح والندى البارد.
نزل صالح إلى قاع القبو، وتوجه بخطوات واثقة نحو الخزانة المصفحة بالحديد في أقصى جدار الشرق. أخرج منها علبة نحاسية دائرية يُطلق عليها الوراقون القدماء "المكحلة العتيقة"، وهي تحتوي على مسحوق مرقش رمادي اللون ثقيل القوام. أعده صالح على مدى سنوات طويلة من حرق أطراف الحواشي المتروكة للمخطوطات التي افترسها العفن، ومزج رمادها الهش بقطرات متأنية من قطران شجر العرعر الصافي وقليل من دمه هو حين كان يجرح إبهامه بالخطأ أثناء تقطيع الورق ومقابلة المجلدات.
كان صالح يعلم، وفق ما اختزنه من كتب "حدود الاحتجاب"، أن إعادة "الظل" المفقود إلى صاحبه لا تتم عبر صراخ أو طرد أو عزائم تعلو بها الأصوات، بل تتطلب "ثمناً كينونياً": أن تمنح الكائن الخفي شيئاً حياً أصيلاً من ذاتك، ليقبل أن يترك القشرة والجسد الخالي ويعود إلى صمته الأبدي في الآبار.
أخذ صالح المكحلة النحاسية، وإبرة خياطة عريضة تُستخدم عادة في كبس المجلدات الضخمة ورتق كعوبها، ومصباحاً نفطياً صغيراً، وسار بخطوات ثقيلة واثقة نحو بيت يحيى في أقصى الحي.
كان البيت قديماً، سُقفت غرفه بأخشاب الزان والملاط الكلسي الذي تشققت حواشيه جراء الرطوبة. عندما قرع الباب، فتحت له الأم. كان وجهها المترهل قد امتلأ بنضرة طارئة وزائفة، وفي عينيها بريق راحة واستكانة لم يره صالح في وجهها منذ شهور طويلة.
قالت وهي تنحي الشال الأسود عن رأسها قليلاً وتفسح له الطريق في الدهليز المعتم:
— «أهلاً يا سيدي صالح.. ادخل وادعُ لنا بالبركة والتمام. لقد رد الله عليّ عقلي وولدي من جديد. أصبح يحيى يعاملني برفق ونظام لم أعهده منه حتى قبل مرضه ونكسته!»
سألها صالح بنبرة خافتة، وعيناه تفتشان في سقف الصالة المعتم وعروق الخشب القديم:
— «أين هو الآن يا أم يحيى؟»
— «في غرفته بالدور العلوي،» ردت المرأة وهي ترشف من فنجان شاي دافئ. «ينام منذ غروب الشمس نومًا عميقًا هادئاً.. نوم الصالحين الذين لا يساور قلوبهم شك ولا أرق ولا وساوس.»
صعد صالح الدَرَج الحجري الضيق. كل درجة كانت تصدر زفيراً خفيفاً وصفيراً تحتا ثقل قدميه وجلبابه القطني.
عندما وصل إلى باب الغرفة العلوي، لم يقرع. فتح الباب الخشبي برفق شديد كي لا يقطع السكون الرابض.
كانت الغرفة مظلمة تماماً إلا من شعاع قمرٍ ضئيل ينفذ من شقوق النافذة الخشبية. وكان يحيى مستلقياً على الفراغ الخشبي الذي ينتصف الغرفة، يداه مطويتان فوق صدره بنظام بديع وشديد التصنع، وجلده الناعم ينبض بتنفس هادئ ومستقر.
لكن صالح لم يخدع بهذا المشهد الظاهري. أدنى المصباح النفطي الصغير من وجه الفتى المستلقي، وركز نظره المجهد على تجويف رقابته وصدره العاري.
لم يكن يحيى يتنفس الهواء الحقيقي.
كان صدره يعلو ويهبط بحركة ميكانيكية متتالية ومحسوبة، تشبه حركة آلة طحن قديمة تُدار بالماء دون انقطاع، دون أن تخرج من أنفه أو فمه أي ذرة هواء دافئ. لم يكن هناك بخار يتصادم مع برودة الغرفة الشتوية القارسة. كان الجسد تؤدي دور "النائم" ببراعة مذهلة ومتقنة، ولكنه كان خلوًا تماماً من طاقة الحياة الحقيقية التي تصدر عن الروح القلقة المتألمة.
وضع صالح المصباح النفطي على الطاولة الخشبية، وججلس على حافة الفراغ. أخرج الإبرة العريضة من جيبه، وفتح المكحلة النحاسية الدائرية.
— «أعلم أنك لا تنام.. وأن النوم مجرد ستارة تسد بها عين من يراقبك،» قال صالح موجهًا كلامه إلى الظلمة الرابضة في زاوية الغرفة خلف الباب.
لم يأته صوتٌ مباشر من الفراغ، ولا تحركت الأوراق المتروكة على الطاولة. بل اهتز ثوب يحيى الصوفي الأسود، المعلق على وتد خشبي في الجدار، اهتزازة خفيفة ومستمرة، ثم خرج منه الصوت الجاف والبارد الذي ألفه صالح في "بير العطش":
— «لماذا تحاول إفساد الأمر وإعادة المأساة يا ورّاق؟»
صمت صالح لحظة، ونظر إلى الفتى المستلقي أمامه كأنه دمية خالية صُنعت من الشمع الصافي.
تابع الصوت الصادر من ألياف الثوب المعلق:
— «إن أرجعته إلى ذاته ورغباته، فستعود إليه الرعشة القاسية في يديه، وسيعود للبكاء عند هزيع الليل الأخير، وسيفر من وجه أمه وأقرانه حين يسأله الناس عن مستقبله وعمله. سيعود للأرق والوجع والخوف والفشل الإنساني. أنا أرحم به منك ومن أمه يا صالح.. لقد منحته الطمأنينة الكاملة التي عجزت كل كتبك ومخطوطاتك المتهرئة عن توفيرها له طوال سنين عمره.»
غرس صالح طرف الإبرة العريضة في إبهامه الأيسر دون أن يرمش له جفن أو ينطق بآه. خرجت قطرة دم حارة داكنة، ممزوجة برماد الورق والقطران القديم، ثم وضعها فوق مسحوق المكحلة المرقش.
رفع صالح عينيه بثبات نحو الثوب المعلق وقال بنبرة هادئة، أشد ثباتاً ورصانة من صخر الوادي:
— «الألم والخوف هما السور الوحيد الذي يحمي الإنسان من أن يتحول إلى صخرة أو دمية متقنة. الطمأنينة التي لا وجع فيها ولا قلق.. هي أول وأبشع أشكال الموت والعدم.»

الفصل السادس: مقايضة الظلال وألم العودة
امتدت قطرة الدم الحارة الممزوجة بمسحوق المرقش ورماد المخطوطات القديمة من رأس الإبرة العريضة، ولم تسقط على الأرض المبللة برطوبة الليل الشتوي.
بدلاً من أن تتبع جاذبية الطين والتراب، ظلت القطرة معلقة في الهواء البرزخي للغرفة المظلمة، تدور حول نفسها ببطء كأنها جرم أسود صغير يختزن أربعين عاماً من أرق الورّاق، وسهر القبو، وخوفه المكتوم. ثم بدأت تتمدد وتتفرع في هواء الغرفة الخالي إلى خيوط دقيقة تشبه شرايين نباتية غير مرئية، سابحة نحو الثوب الصوفي الأسود المعلق على الوتد الخشبي. اتصلت تلك الخيوط بألياف الثوب، وأخذت تسحب منها العتمة الرابضة في طياتها بحشرجة خفيفة تشبه تساقط الرماد على صفحة نحاسية.
— «ماذا تفعل يا صالح؟» تساءل الصوت الصادر من نسيج الثوب المعلق.
لم تعد النبرة جافة ولا صلبة كصوان "بير العطش"؛ بل خالطتها، ولأور مرة منذ التقيا في القبو وفي الوادي، هزيمة خفيفة ونبرة حذر مضطرب لم تستطع خفايا الضباب أن تداريها أو تخفي انكسارها.
وقف صالح، وجسد الثقيل المنهك يمر بين الخيوط السوداء الممتدة في الفراغ. أدنى وجهه الشائب ذي العدسات العظمية من الثوب المعلق، وقال بصوت خفيض، متزن، لم يتجاوز حد التوسل النبيل ورصانة المعرفة الباطنية:
— «أنا لا أطردك بقوة التعاويذ ولا بأحجبة السحرة الجهلة في الأسواق.. أنا أقايضك. أنت لم تسكن هذا الفتى حبًا في طينه ولا رغبة في استسقاء طمأنينته، بل لأنك تبحث عن حكاية تحميك من نسيان القرون القاسية، تبحث عن جسدٍ يحمل ظلك في ضوء الشمس كي لا تتلاشى في العدم الأبدي. اترك يحيى.. خذني أنا.»
اهتزت الخيوط الدقيقة الممتدة في هواء الغرفة، وتردد صدى أنين خفيف بين الجدران الكلسية.
تابع صالح وهو يفتح ذراعيه أمام العتمة القائمة، وعيناه النافذتان تحدقان في اللاشيء الممتلئ:
— «في رأسي آلاف الحكايات والسطور الممحاة التي رممتها على مدى أربعين عاماً من العزلة بين الكتب، وفي صدري من الخوف والوحدة والندم وماضي الأخطاء ما يكفي لتغذية عشرة أجساد غريبة تنشد الشبع. خذ خوفي وحزني وندمي وامنحني صمتك، ورد إلى الفتى حقه الأصيل في أن يتألم ويموت كإنسان.»
صمت المكان صمتاً أطبق على أنفاس الغرفة، صمتاً أشد ثقلاً من صمت الآبار المهجورة.
تراجعت الخيوط الشريانية المجمدة في الهواء رويداً رويداً، وانكمشت القطرة السوداء المرقشة عائدة إلى ثوب يحيى الصوفي، حيث امتصتها ألياف الصوف فوراً وذهبت في نسيجها كأنها لم تكن. وفي تلك اللحظة بالذات، صدرت من الفراغ القائم خلف الباب الخشبي زفرة طويلة، عميقة، تشبه خروجاً أخيراً لروح تعبت من المحاولة والتخفي.
وفجأة، تقلصت ملامح الفتى المستلقي على الفراغ.
تلاشت النضرة الشمعية الباردة والتصنع المتقن عن وجنتيه، وعادت السمرة الباهتة والشحوب الكلسي المعهود ليعلو جلده من جديد. انفتحت حنجرته على شهقة حادة، جارفة، أخذت هواء الغرفة دفعة واحدة كأنما غريقٌ ينفذ بجرعة أكسجين أخير، وعادت الرعشة الخفيفة لتسري في أصابع يديه الممدودتين كأن كهرباء حية تسري في عروقٍ كانت مجمدة بالجليد.
ضمّت حدقتاه الضوء الأصفر الخافت المنبعث من المصباح النفطي، وتكسر الضوء في عينيه المائيين المجهدتين. وبدأت دموع حارة، حقيقية، تجري على خديه المكتويين بالخوف، دموع يمسحها بيده المرتجفة في اضطراب وإنسانية عذبة.
فتح يحيى عينيه بالكامل.
النظر إليهما الآن لم يعد يشبه النظر إلى زجاج صقيل أو مرآة ميتة طُليت بالفراغ؛ كان النظر إليهما تشبه الرؤية عبر شباك مفتوح على عاصفة شتوية هائجة ملأى بالأمل والوجع.
نظر الفتى إلى صالح الواقف أمامه في الظلمة، وتلعثم بصوت متهدج، مكسور، مليء بالحيرة والارتباك البشري الصادق:
— «عمي صالح.. رأسي يؤلمني جداً، وصدري يحترق كأن ناراً شبّت فيه.. ولا أستطيع النوم.»
ابتسم صالح.
وهذه المرة، لم تكن الابتسامة باردة ولا متكلفة كابتسامات يحيى الزائفة في أيام تعافيه المزعوم في السوق، بل كانت ابتسامة صادقة، دافئة، ينخلع لها القلب أساً ورحمة وشفقة.
انحنى صالح، ومسح بيده الخشنة الملوثة بالغراء ورماد الورق وقطران العرعر على رأس الفتى المبلل بالعرق، وقال بصوت خافض أرق من حفيف الشجر في ليالي الصيف:
— «هذا جيد يا بني.. هذا نبلٌ عظيم وبركة كبيرة. هذا يعني أنك عدت إنساناً من جديد.. أنك أصبحت تملك حقك في المعاناة، وفي أن تبحث عن خلاصك بقدميك لا بظل غيرك.»
استكان الفتى في فراشه، وبدأ يبكي بكاءً خفيفاً متواصلاً، بكاء المريض الذي يشعر بألمه ولكنه يعلم أنه على قيد الحياة.
بينما كان صالح يلملم أدواته وإبرته ومكحلته النحاسية، شعر بثقل غريب يبدأ بالسريان من أسفل قدميه متسلقاً ساقيه وركبتيه، برودة هادئة، صافية، خالية من أي نبض أو انزعاج، تسللت إلى صدره كأنما يحل فيه صمت البئر العتيق.
الفصل السابع: مرآة النهاية والأمل المنسي
خرج صالح من البيت بخطوات تثاقلت حتى كادت أقدامه تسحب خلفه أثراً من الجير والتراب المبلل بندى الفجر. كانت أزقة المدينة القديمة قد خلت تماماً من الباعة والمارة، والهواء البارد الصادم يفسح للأرض أن تنفس رطوبتها المكتومة تحت البلاط الحجري الأسود الذي غطته غلالة دقيقة من الضباب الرمادي.
وصل إلى دكانه في أقصى سوق الوراقين. فتح الباب بالمفتاح النحاسي الكبير الذي أحدث صفيراً أبحّ في قلب العتمة المطبقة، ثم نزل الدَرَج الحجري نحو القبو بحركة هادئة لا استعجال فيها ولا وجل، كأنه يخطو نحو قعر بئر مألوفة قضى فيها عمره وشبابه.
جلس صالح أمام المِرآة العثمانية القديمة؛ المِرآة التي أمضى أعوام عمره في صقل إطارها النحاسي وتلميع زجاجها المحدب. أضاء الشمعة الوحيدة المتبقية على رف الخشب، ووضعها عند حاشية النحاس الصقيل لترتسم على وجهه ظلال دافئة ومرتعشة تتراقص مع نبض الفتيل.
أخذ ينظر إلى انعكاسه في زجاج المِرآة: كانت لحيته الشائبة على حالها، نتوء أنفه الضخم، ونظارته ذات الإطار العظمي المستقرة في مكانها المعتاد على أصل الأذن. كل شيء يبدو متطابقاً في الظاهر، كأن الزمن استقرت أطرافه ولن يطاله التغيير أو الهرم.
لكن، عندما رفع صالح يده اليمنى ببطء ليمسح العرق البارد المتجمع على جبهته... حدثت المفارقة المدهشة التي يذهل لها عقل من ينظر في بواطن الأشياء ومقامات الوجود.
لم يرفع الانعكاس في المِرآة يده!
ظل الظل القابع داخل النحاس جالساً بثبات تام، مطرقاً يديه فوق طاولة الترميم النحاسية، ينظر إلى صالح بابتسامة هادئة، صافية، ناصعة الطمأنينة... طمأنينة خالية من أي وجع، خاوية من أي خوف أو حزن أو ندم أو أرق سنين العمر التي أمضاها في القبو.
فهم صالح في تلك اللحظة الساكنة العارية أن المقايضة قد اكتملت بنودها بالكامل، وأن عقود الوجود لا تُلغى بالكلمات الجائفة بل تُدفع بالأثمان الكينونية.
لقد عاد يحيى إلى إنسانيته القلقة؛ عاد للبكاء والأرق والخوف والخفقان، عاد يصارع الحياة في أزقة المحلة ويتحسس ألمه البشري ليبقى حياً وموجوداً... بينما تسلل الكائن الخفي، بصمته وجموده وبرودته الأبدية، إلى روح صالح واستقر حزنه الإنساني وذكرياته ووحدته في قاع "بير العطش"، تاركاً قشرته الجسدية الظاهرة تدير الدكان بنجاح وبراعة خالية من الأخطاء والتردد.
أمسك صالح بمقصه الحديدي ومسحوق الغراء، وبدأ يرمم صفحات كتاب قديم أمامه برفق آلي عجيب ودقيق. كان يبتسم للبائعين الذين يمرون بالزقاق مع أول ضوء للنهار، ويجيب عن أسئلتهم بلسان فصيح وصوت متزن لا تشوبها شائبة ولا تعب ولا رعشة.
صارت حياته تتتابع في كمالٍ مدهش وخالٍ من الصراعات، دون أن يلحظ أحدٌ في سوق الوراقين أن الورّاق الذي يرمم أوراق التاريخ لم يعد يملك حكاية خاصة به، وأن كل ما يكتبه الآن بين الحواشي والسطور ليس سوى ظلال لمخطوطٍ أصليّ مُحي راويه منذ زمن بعيد.
وفي كل ليلة، حين تخلو الأزقة وينام أهل المدينة طامعين في راحتهم، كان صالح يجلس في قبو دكانه، ينظر إلى المِرآة النحاسية الصقيلة، فلا يرى سوى انعكاس رجل هادئ لا يرمش، رجل انتزع منه الألم فصار كاملاً... وصار بلا ظل.







التعليقات