انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

سحابة صيف

محمد فيض خالد
محمد فيض خالد

قاص وروائي مصري

4 دقائق للقراءة
11 مشاهدة
سحابة صيف
مشاركة:

أغمض عينيه قليلًا في شبه إغفاءة، وقد أسند رأسه المثقل بالهموم إلى جذع النخلة. غاب للحظات قبل أن يعاود النظر إلى الفضاء المشتعل أمامه؛ فمنذ وعى للحياة وهو يقضي سحابة نهاره في الغيط. كانت شمس الظهيرة في ذلك اليوم تعض بأنيابها الحداد كل شيء تصل إليه، فبدت الطبيعة مجلوة في هزال، هامدة في خضوع مذل، تمامًا كالمغشى عليه من الموت.

مرت سنون طويلة على تلك الذكرى، انفلتت وكأنها كانت بالأمس. تثاءب الرجل في تكاسل بصوت عالٍ، وعلى ثغره ابتسامة تطوقه. عاود النظر ثانية محاولًا التخفف من لعنة الملل الرهيب، في تلك الساعة من النهار تُهجر الحقول وتتحول إلى فراغ موحش. نصحته زوجته مرارًا أن يرجع إلى البيت أوان القيلولة، فيطلق عندها ضحكة عالية خجولة قائلاً في سكينة:

. "وماذا يضر عجوزًا مثلي فرغت منه الأيام؟":

في كل مرة يعتريه الحصر، ينعقد لسانه فيلازم الصمت، ويقتحم قلبه شعور غريب؛ تلك الروح المقهورة بالغصات يعتريها التشويش، فيضرب بخياله في كل صوب،لا تزال معلقة برأسه ذكرى الأمس، فتتشنج أعصابه ولا يملك زمام نفسه..

في ذلك الصباح، بدا الجو لطيفًا على غير العادة؛ اهتزت عيدان الذرة تحت خيوط نسيمه الرقيق، وتألق جبين الشمس في صفرة يوليو المنعشة، وغردت يمامة بنت عشها في مدخل الدار بنغم كوشوشة الأمل، ثم تقافزت هي وفراخها مهللة، واحتلت الفرحة الدروب،.

دس والده جسده الهزيل في جلبابه السكروتة، يتراقص شاربه الكث وهو يقول في ترفع:

" سنقابل اليوم جمال عبد الناصر، جاء خصيصًا لتوزيع الأرض على الفلاحين في المديرية"

جاء رجال الثورة ليضعوا عنهم ما أثقلهم من الإصر والأغلال. لحظتها طلب من والده بصوت مرتعش أن يرافقه للقاء ناصر، لتضيء من بعدها ملامحه ابتسامةٌ، ويتراقص قلبه..

وفي المديرية، ومن جوف الصيوان الكبير المنصوب في سوق المواشي، صرخ "جمال" في كبرياء يعلن انتهاء عهد العبودية والإقطاع. لكز والده في جنبه وقد أطربه قول ناصر:

"نحن إذن وأبناء الباشا سواء،من الآن لن تصدمنا عربته، ولن تدهس مواشينا"

حاول والده أكثر من مرة الاقتراب من المنصة، صرخ والدموع تطفر من عينيه وتلاحقت أنفاسه :

."أريد أن أسلم على جمال! "

لكن الحرس منعه، فبقيت عيناه معلقتين بوجه الرجل الأسمر في حماس ملتهب. احتفظت والدته بعقد الأفدنة الخمسة في صندوقها الخشبي إلى جوار مصحف جده، وارتسمت على وجهه صورة من الفرح الصبياني الساذج. يتذكر تلك الليلة التي سهرت القرية فيها حتى نبت الصبح؛ دارت كؤوس الشاي برغوتها الطيبة، وتناوب الرجال غابات الجوز، ولمعت العيون بالفرحة؛ فقد ذاقوا لأول مرة طعم الكرامة. اختفى ناظر الدائرة من الزمام بعد أن هجر مبنى التفتيش، ليَهبط رجال الحكومة القرية ويشرعوا في توزيع الأراضي على الفلاحين. ازدانت القرية بالأعلام الخضراء، وطاف الصبيان ينقرون الصفائح يتغنون بالثورة ورجالها الأوفياء.

اهتز في رجفة، وكأن كلماته تتباطأ فوق شفتيه في حشرجة مميتة، لينطق وهو على وشك البكاء :

. "ياما التراب لمام!"

لم تنزل صورة ناصر من فوق الجدار؛ فقد رجع والده ذات يوم من البندر يحتضنها بين ذراعيه في زهو، وأوصاهم ألا تُنزع أبداً.

بعد أسابيع قليلة سيغادر حقله؛ فبعد لأْيٍ مكّنت الحكومةُ المالك، وأُلغيت قوانين الثورة، فتآكلت سنوات العمر في صمت كجرف نخره النمل. كاد الرجل يفقد رشاده بعد أن وصله إخطار الجمعية الزراعية: عليه أن يخلي الأرض ويسلمها لصاحبها! بَطُلَ مفعول العقد الذي سلمه "ناصر" لوالده، وتحول إلى ورقة هي والعدم سواء.

مع المساء يعود مهدم القوى، تمتد يده في وهن ويفتح صندوق الوالدة، يخرج العقد وغلالةٌ من ضباب الذهول تظلل عينيه. يطرق ساعة، ومن بعدها يقلب كفيه منهزمًا. تنظر إليه زوجته نظرة رقيقة من وجهها العاجي، وقد أطفأ الكدر نور السرور في عينيها شفقةً بهذا المسكين.

يبدي أسفه بتحريك رأسه والاكتفاء بالابتسام في صمت، فقد كان منظره يدل على إهمال جريح. يظل على حالته يهدر بالغضب، وقد امتزج فيه الحنان بالسخرية::

. "وماذا تبقى للغلابة من الدنيا؟!"

انتهت به الحيرة إلى أن يولي عناية خاصة بصورة الزعيم؛ يخلع عنه شاله ويشرع في تلميعها والترحم عليه. كان الرجل قد أخذ كفايته من نبش ماضيه، ولم تفلح مواساة من حوله، ففي كل يوم تموت الشكوى في صدورهم.

وقبل اليوم الموعود بدا مرتبكًا، يوقظ زوجته مبكرًا ليقص عليها رؤيا تلازمه؛ ينطبع الامتعاض في وجهه وهو يتكلم عن وجه والده العابس، وملابسه المتسخة، وصمته الحزين، ليردد بصوت عليل :

. "عليه العوض! "

تبتسم في تلطف وهي تقدم له كوب الشاي:

. "أولادك فيهم البركة"

لكن الضياع يشتد عليه في كل يوم، وتضيق ابتسامته. بعد أيام تهدمت قواه، انكمش على نفسه وبات يبحلق في الوجوه مصعوقًا. وقبيل استلام المالك الأرض بساعات، توقف قلبه، وخمدت أنفاسه، وغادر دنياه ونفسه تسيل حسرةً على أرضه.

مرت السنون، وما أهون مرورها! لم تهمل الزوجة العجوز الصورة، داومت على تلميعها ونظرات التأسي تسيل من عينيها، قبل أن تنخرط في ترداد لحن ريفي حزين.

مشاركة:

آخر تحديث: ٤ آب ٢٠٢٦ في ٠٨:٣٩ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

قبضةٌ مِنْ أثرِ المجاز
ثقافة عربية

قبضةٌ مِنْ أثرِ المجاز

اليومَ أدحضُ كذبةَ القمصانِ وأقولُ عنْ ذئبِ الحكايةِ جاني لم يعوِ إلّا أنّ ثمّةَ هاجساً للغدرِ دارَ بخاطرِ الإنسانِ لم يرجَعِ الإخوانُ ، والدُهم عفى والطفلُ بين الصدقِ والبهتانِ الجبُّ موجودٌ ومَنْ مروا بهِ كانوا كما يبدو مِنَ العُميانِ تركوا الدلاءَ معلّقاتٍ في السُدى واستسلموا لغوايةِ النسيانِ…

· 2 د
دمعة على خد الغيم
ثقافة عربية

دمعة على خد الغيم

قصة قصيرة دمعة على خد الغيم أنتِ الندى الضاحك على ثغر زهرة الليم، وأنا نغمة تائهة أصابها الضيم، فلِمَ لا نلتقي في حلمٍ، في نبضةٍ، في رعشةٍ، في لحظةٍ عابرة، كي لا أكون دمعة حزينة على خد الغيم. إلى متى سأكتب حكايتي على كل تنهيدة، ألم يكف أن في القلب نيران لا يطفئها المطر؟ كثيراً ما أبحث عنكِ، كلي…

· 4 د
التجنن
ثقافة عربية

التجنن

يقول أبو حمدان: تنقلت بين بلدان وعواصم كثيرة، وكانت أكبر مصيبة في حياتي أنني لا أعرف كيف أتكلم. أبتلع ما أشعر به كما يبتلع المرء حبة دواء مرة، وأرى الأخطاء تمر أمامي كما تمر القطارات، فأدعها تمر، ثم أعود إلى بيتي مختنقا بها. أما إذا قررت أن أتكلم، فلا أحد يريد أن يسمعني. ولا أعرف السبب. أظنه لأنني،…

· 4 د