كان جالسا يحتسي فنجان قهوته على الشرفة المطلة على وادي دوار السفينة. كان الصباح هادئا، والهواء يهب من جهة الوادي محملا برائحة التراب اليابس. ومن مكانه المرتفع كان يرى الطريق الممتد بين البيوت، وبعض الناس يتنقلون في الأسفل كأنهم لم يكونوا يتوقعون شيئا استثنائيا في ذلك اليوم.
لكن شيئا ما لفت انتباهه.
حشد من الناس بدأ يتجمع في طرف الوادي. وبالقرب منهم كانت أكوام من حجارة الدبش، أفرغتها شاحنتان في المكان مساء الأمس. لم يعرف يومها لماذا وضعت الحجارة هناك، أما الآن فقد بدا له أن وجودها لم يكن مصادفة.
بعد قليل ظهرت سيارة الحسبة.
توقفت وسط الحشد، ونزل منها رجل وامرأة، مقيدان بالسلاسل ومعصوبا العينين. كانا يمشيان بصعوبة، يتعثران بين الحجارة، بينما يدفعهما أحد المسلحين من الخلف.
وقف في انتظارهم رجل ملتح كث الشعر، قبيح المنظر، تحيط به زمرة من المسلحين. كانوا يحملون أسلحتهم وينظرون إلى الناس بوجوه جامدة، كأنهم ضوار خرجت من البرية تبحث عن فريسة.
تقدم الرجل الملتحي، وأشار إلى الحشد بالصمت.
ثم صعد فوق كومة من الحجارة.
بدأ يخطب.
كانت خطبته طويلة. تلا آيات من القرآن، ثم أتبعها بأحاديث، وتحدث عن الطاعة والفساد والعقوبة والشرف، حتى بدا كأنه جاء بالدين كله ليحكم به على رجل وامرأة.
كان الناس يستمعون بصمت.
بعضهم خفض رأسه، وبعضهم راح ينظر إلى الأرض، وآخرون ظلوا يراقبون الرجل والمرأة كأنهم ينتظرون أن تنتهي الخطبة كي يعرفوا ماذا سيحدث.
ومن الشرفة، ظل الرجل يتابع المشهد وهو يحمل فنجان القهوة بين يديه.
ثم انتهت الخطبة.
رفع الملتحي صوته وقال:
كل واحد منكم يأخذ حجرا ويرميهما. هذا حكم الله.
ساد الصمت.
لم يتحرك أحد.
نظر أهل منبج إلى الرجل والمرأة، ثم إلى الحجارة، ثم إلى بعضهم بعضا.
كان الصمت هذه المرة مختلفا. لم يكن صمت الخوف وحده، ولا صمت انتظار التعليمات. كان صمتا ثقيلا، كأن الجميع اتفقوا عليه من دون أن يتكلم أحد.
ظل الرجل الملتحي ينتظر.
رفع أحد المسلحين حجرا صغيرا، ثم أعاده إلى مكانه.
لم يلتقط أحد من الناس حجرا.
بدأ بعضهم يتراجع خطوة إلى الخلف.
ثم غادر رجل.
تبعه آخر.
وبعده امرأة تحمل طفلا.
ثم بدأ الناس يتفرقون واحدا بعد آخر، بهدوء، من دون احتجاج أو كلمة. لم يصفقوا للجلاد، ولم يرموا الحجارة، لكنهم أيضا لم يتقدموا لإنقاذ الرجل والمرأة.
بقي الرجل الملتحي واقفا فوق كومة الحجارة.
نظر إلى الناس وهم يغادرون.
استشاط غضبا.
صرخ فيهم، لكن أحدا لم يلتفت.
نزل عن الكومة، وانحنى، وحمل حجرا كبيرا.
اقترب من المرأة وقذفه نحوها.
ثم اندفعت جماعته، وراح المسلحون يقذفون الحجارة، حجر وراء حجر.
تراجع بعض من بقي في المكان، بينما ظل آخرون يراقبون من بعيد.
سقط الرجل أولا.
أما المرأة فبقيت تتحرك تحت الحجارة، ثم ارتفع صوتها:
أنا بريئة... والله بريئة!
توقفت لحظة، كأنها تنتظر أن يسمعها أحد.
لكن لم يجبها أحد.
استمر المسلحون في رمي الحجارة.
حجر فوق حجر.
حتى لم يعد يظهر من الجسد سوى طرف ثوب.
ثم اختفى هو الآخر.
وخمد صوت المرأة.
ارتفعت فوق الجسدين تلة صغيرة من الحجارة.
ظل الرجل الملتحي واقفا أمامها لحظات، ثم التفت إلى جماعته، وكأن شيئا لم يحدث.
بدأ الناس يعودون إلى بيوتهم.
أغلقت الأبواب.
انسحبت الأصوات من الشوارع.
وعاد الوادي إلى هدوئه القديم.
أما الرجل الذي كان يراقب من الشرفة، فظل جالسا أمام فنجان قهوته البارد. نظر إلى التلة الصغيرة في أسفل الوادي، ثم إلى الطريق الذي خلا من الناس.
لم يعرف لماذا شعر أن شيئا أكبر من الرجل والمرأة قد دفن تحت تلك الحجارة.
في المساء، بقيت الحجارة في مكانها.
أما أهل منبج فعادوا إلى بيوتهم.
نام الأطفال.
أغلقت الدكاكين أبوابها.
واستمر الناس في حياتهم، كأن الوادي لم يشهد شيئا.
لكن التلة بقيت هناك.
تحتها رجل وامرأة.
وفوقهما حجارة.
وفوق الحجارة صمت مدينة كاملة.
ولم يكن أحد يعرف أيهما كان أثقل: الحجارة التي غطت الجسدين، أم الصمت الذي غطى المدينة.






التعليقات