لم تكن المدينة تنام.
كانت تغمض عينيها فقط.
في الليل، حين تخفت أصوات السيارات ويقلّ عدد الذين يمشون في الشوارع، كانت البيوت تواصل سهرها. نافذة هنا تظل مضاءة حتى الفجر، باب هناك يُفتح كل بضع ساعات، وأم تضع هاتفها تحت الوسادة، كأن النوم يمكن أن يأتي بخبر.
كنت أظن أن المدن تُعرف بشوارعها.
لاحقًا عرفت أنها تُعرف بما تخبئه خلف النوافذ.
في بيتنا كانت هناك نافذة تطل على شارع ضيق. لم تكن جميلة، ولا واسعة بما يكفي لرؤية شيء مهم، لكنها كانت المكان الوحيد الذي أستطيع منه أن أرى المدينة دون أن أكون جزءاً منها.
كنت أجلس قربها طويلاً
أراقب المارة.
امرأة تحمل كيس خبز.
طفل يركض خلف كرة.
رجل يعود متأخراً، يرفع يده إلى النافذة في الطابق الثاني، ثم يواصل سيره.
لم أكن أعرفهم.
ومع ذلك كنت أشعر أن لكل واحد منهم قصة أعرف نهايتها.
ربما لأنني كنت في تلك السن التي نعتقد فيها أن الناس يشبهوننا أكثر مما يختلفون عنا.
بعد سنوات، تغيّر الشارع.
اختفت وجوه.
ظهرت أخرى.
أُغلقت محال، وفُتحت محال.
كبر الأطفال الذين كانوا يلعبون أمام البيت.
بعضهم صار يذهب إلى الجامعة.
بعضهم لم يعد يذهب إلى أي مكان.
والمدينة، كعادتها، لم تشرح شيئاً.
المدن لا تشرح ما يحدث فيها.
تترك الأشياء تحدث، ثم تحفظ آثارها في الجدران.
في صباح بعيد، استيقظت على خبر غياب أحدهم.
لم يكن قريباً مني.
لهذا شعرت بالخجل من حزني.
كنت أعرف اسمه فقط.
ربما مررت بجانبه مرة في السوق.
ربما اشترى خبزاً من المخبز نفسه الذي كنت أشتري منه.
ربما جلس ذات مساء في مقهى قريب من النافذة التي كنت أراقب منها الشارع.
لا أعرف.
لكنني في ذلك اليوم، للمرة الأولى، أدركت أن المدينة لا تفقد أبناءها دفعة واحدة.
إنها تفقدهم واحداً واحداً.
بهدوء.
حتى يصبح الغياب جزءاً من هندستها.
كبرتُ.
وصارت النافذة أقل أهمية.
لم أعد أجلس قربها.
صار لديّ ما يكفي من الحياة لأشغل يديّ: عمل، كتب، أوراق، رسائل لا أجيب عنها، ومواعيد أؤجلها لأنني لا أملك الطاقة لأشرح لماذا.
لكنني كلما عدت إلى البيت متعبة، كنت أمر بجانبها.
لا أنظر.
فقط أتحقق أنها ما زالت هناك.
كأنني أخشى أن تختفي هي أيضًا.
ذات مساء، انقطعت الكهرباء.
جلست في الظلام.
كانت المدينة خارج النافذة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.
لا مصابيح.
لا لوحات.
لا واجهات مضيئة تخبرنا إلى أين نذهب.
فقط البيوت.
بيوت صامتة، لكل واحد منها ظلامه الخاص.
وفجأة، ظهرت شمعة في النافذة المقابلة.
ثم شمعة أخرى.
ثم ثالثة.
وخلال دقائق، صار الشارع كله مليئًا بنقاط صغيرة من الضوء.
لم يكن أحد قد اتفق مع أحد.
لم تكن هناك حملة.
ولا رسالة في مجموعة.
ولا شخص يقود المشهد.
كل بيت أشعل شيئاً صغيراً، كأنه يقول للبيت المجاور:
أنا هنا.
جلست أراقبهم.
وفكرت أن الإنسان، حين يعجز عن إنقاذ العالم، يبدأ بإضاءة النافذة.
في اليوم التالي عادت الكهرباء.
اختفت الشموع.
عادت المدينة إلى ضجيجها.
لكنني لم أعد أراها بالطريقة نفسها.
صرت أعرف أن خلف كل نافذة حياة كاملة لا أعرف عنها شيئًا.
امرأة تخاف.
رجل ينتظر.
طفل يحاول أن يفهم لماذا تغيرت الأشياء.
شخص يكتب رسالة ثم يمسحها.
شخص آخر يضع الهاتف بجانبه وينام دون أن تأتي المكالمة.
وشخص، مثلي، يقف أحياناً أمام نافذته ويتساءل:
كم من الأشياء يمكن للإنسان أن يخسر، قبل أن يصبح هو نفسه مكاناً للخسارة؟
لم أجد جواباً.
ولم أعد أبحث عنه.
بعد أعوام، عدت إلى البيت.
كانت النافذة كما هي.
أصغر مما أتذكر.
أو ربما أنا التي كبرت.
وضعت يدي على حافتها.
كان الغبار قد غطاها.
مسحته بباطن كفي.
ثم فتحتها.
دخل الهواء.
دخل معه صوت بائع بعيد، ورائحة خبز، ونباح كلب، وضحكة طفل في الشارع.
أصوات عادية جداً.
كأن المدينة لم يحدث لها شيء.
كأنها لم تفقد أحداً.
كأن الجدران لا تحفظ أسماء الذين غابوا.
وقفت هناك طويلاً.
ثم فهمت شيئاَ لم أفهمه وأنا أجلس أمامها طفلة:
لم تكن النافذة تطل على المدينة.
كانت المدينة هي التي تطل عليّ.
طوال كل تلك السنوات، كنت أظن أنني أراقب العالم من خلف الزجاج.
لكن العالم كان يتركني أظن ذلك فقط.
كان يدخل مني ببطء.
من الضوء.
من الخوف.
من الذين رحلوا.
من الذين بقوا.
ومن كل مرة ظننت فيها أنني نجوت وحدي.
أغلقت النافذة.
ولم أغلق الستارة.
تركتها مفتوحة للمدينة.
فبعض النوافذ لا نفتحها كي نرى الخارج.
نفتحها كي لا ننسى أننا ما زلنا في الداخل.
حين يصبح الغياب أثاثًا
في القرية، كان الموت يصل قبل أصحابه.
تسمعين النساء يرفعن أصواتهن من بيت بعيد، فتفهمين أن أحداً ما غادر، قبل أن تعرفي اسمه.
كنت صغيرة حين تعلمت هذه القاعدة.
لم أكن أفهم الموت، لكنني كنت أفهم أصوات النساء.
الصوت الذي يشق المساء فجأة.
الصمت الذي يأتي بعده.
الأقدام التي تزدحم عند الباب.
والصحن الذي يظل ممتلئًا على مائدة لم يعد صاحبه إليها.
كبرتُ وأنا أظن أن الأشياء تنتهي حين تنتهي.
لم أعرف أن بعضها يبدأ بعد ذلك.
كانت أمي تحتفظ بثوب أبي في خزانة خشبية.
لم يكن الثوب جديداً.
كانت رائحته قد اختفت منذ زمن، لكن أمي لم تغسله مرة أخرى.
كلما فتحت الخزانة، رأيته معلقاً هناك، ساكنًا بطريقة تشبه الوقوف.
كنت أسألها:
— ليه ما بتلبسيه؟
فتغلق الخزانة.
— ما قدري.
لم أفهم.
كان الثوب واسعاً عليها، نعم.
لكنني كنت أعرف أن هذا ليس السبب.
كبرتُ بما يكفي لأفهم أن بعض الملابس لا تُلبس لأنها صارت أوسع من أجسادنا.
صارت أوسع من حياتنا.
بعد سنوات، غادرت القرية.
حملت معي حقيبة صغيرة، وبعض الملابس، ودفترًا، واعتقاداً ساذجاً بأن الأماكن الجديدة تمنحنا فرصة لأن نصبح أشخاصاً آخرين.
في المدينة، لم يعرف أحد أنني كنت أجلس في طفولتي قرب باب الغرفة وأحصي أصوات النساء.
لم يعرف أحد أنني أخاف من الطرق على الباب بعد منتصف الليل.
لم يعرف أحد لماذا أترك هاتفي مقلوباً على الطاولة، ثم أعود كل دقيقة لأتأكد أنه لم يرن.
لم يعرف أحد أنني حين أقول:
"أنا بخير"
أقصد أحياناً:
"لا أريد أن أفتح هذا الباب الآن."
المدينة لا تسأل كثيراً.
وهذه إحدى طرق قسوتها.
تسمح لك بأن تكون مجهولاً حتى عن نفسك.
في أحد الأيام، ماتت امرأة كنت أعرفها.
لم تكن قريبة.
لم أبكِ.
قرأت الخبر، وضعت الهاتف جانبًا، وأكملت عملي.
بعد ساعات، وأنا أعد الشاي، سقطت الملعقة من يدي.
لم يكن للمرأة علاقة بالملعقة.
لكنني تذكرت يدها.
كانت تمسك الكوب بالطريقة نفسها التي كانت تمسك بها أمي كوب الشاي.
فجأة، لم تعد المرأة امرأة.
صارت غرفة.
صارت عصرًا قديماً.
صارت صوت أمي وهي تنادي من آخر البيت.
صرت طفلة.
وهذا ما يفعله الموت أحياناً:
لا يأخذ شخصاً.
يعيد إليك أشخاصًا آخرين.
في آخر زيارة للقرية، فتحت أمي الخزانة.
كان الثوب ما يزال هناك.
أقدم.
أكثر هدوءاً.
مددت يدي ولمسته.
لم أشعر بشيء.
وهذا أخافني.
كنت أعتقد أن الذاكرة تحترق إذا لمسناها.
لكنها لم تفعل.
ربما لأن الأشياء، بعد زمن طويل، تتوقف عن كونها ذكريات.
تصبح أثاثاً.
تدخل في تكوين البيت.
تعيش معك دون أن تطلب منك أن تتذكرها.
جلست أمي على السرير.
قلت لها:
— لسه محتفظة بيهو؟
قالت:
— أيوة.
ثم سكتت.
لم أسألها لماذا.
لم تعد هناك أسئلة مناسبة.
بعض الأسئلة، حين نتأخر عنها كثيرًا، تفقد حقها في الإجابة.
في الليل، خرجت إلى الحوش.
كانت السماء واسعة.
النجوم كثيرة كما أتذكرها.
لكنني لم أكن الطفلة نفسها.
سمعت صوت امرأة من بيت قريب تنادي ابنتها.
ثم ضحكة.
ثم باباً يُغلق.
ثم كلبًا ينبح بعيداً
كل شيء كان في مكانه.
وهذا تحديدًا ما جعلني أشعر بالغربة.
الأماكن لا تحفظ غيابنا.
نحن الذين نفعل.
في الصباح، قبل أن أغادر، فتحت الخزانة مرة أخرى.
لم آخذ الثوب.
تركتُه هناك.
لأول مرة فهمت لماذا أبقت أمي عليه كل هذه السنوات.
لم تكن تنتظر أبي.
ولم تكن عاجزة عن الرحيل.
كانت فقط تعرف شيئاً لم أعرفه بعد:
أن بعض الأشياء لا نحتفظ بها لأننا نريد عودتها.
نحتفظ بها لأن اختفاءها الكامل سيكون نوعًا آخر من الموت.
أغلقت الخزانة.
خرجت.
وفي الطريق إلى المدينة، اكتشفت أنني كنت أحمل شيئاً معي.
ليس الثوب.
رائحته لم تعد موجودة أصلاً
كنت أحمل الطريقة التي أغلقت بها أمي الخزانة.
بهدوء.
كما لو أنها تغلق بابًا على شيء حي.
ومنذ ذلك اليوم، كلما مات أحد، لا أفكر في موته.
أفكر في الأشياء التي ستبقى بعده.
كرسيه.
كوبه.
رقم هاتفه الذي لن نحذفه.
اسمه في دفتر قديم.
صوته في ذاكرة شخص واحد.
وقميصًا معلقًا في خزانة امرأة لا تعرف كيف تشرح للآخرين لماذا لا تستطيع التخلص منه.
ثم أفهم، متأخرة كعادتي، أن الإنسان لا يموت مرة واحدة.
يموت حين يتوقف قلبه.
ثم يموت حين نتوقف عن ذكر اسمه.
ثم يموت للمرة الأخيرة—
حين يصبح الشيء الذي كان يخصه شيئًا عاديًا.
لهذا أبقي بعض الأشياء في أماكنها.
لا وفاءً للموتى.
بل خوفاً من أن يأتي يوم،
نمر فيه بجانب غيابهم،
ولا نشعر بشيء.







التعليقات