انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

البلادُ التي كسرتْ رجليها

هاجر الرقيق
هاجر الرقيق

شاعرة وأديبة تونسية

2 دقائق للقراءة
18 مشاهدة
البلادُ التي كسرتْ رجليها
مشاركة:

(1)

البلادُ التي كسرتْ رجليها،

مشتْ مُتّكئةً على عافيةِ أبي

وعلى راتبٍ لا نعرف منهُ شيئًا

سوى ٱنتهائه.

أردتُّ طرفًا ٱصطناعيًّا أُسْنِدُ عليهِ

السّماءَ وما أسفلها،

ولأنّني عشتُ فقيرًا،

استعملتُ طُفولتي.

(2)

يا ربَّ الخبز

والجبن

والمناديلِ المُبقّعةِ بالبركة،

ألم تقل لي "ٱدعوني أستجبْ لكم؟"

لقد دعوتكَ كثيرًا

منذُ صغري

إلى أن أطفأت أمّي ضوءَ الغرفة،

وحين نظرتُ إلى عرشك

كانت الكهرباءُ مُنقطعةً هنالك أيضًا.

(3)

مرّةً رأيتُ أمّي تضغطُ على صدرها،

تلطمه،

تضغطُ عليهِ ثمّ تلطمهُ مرّةً ثانية،

هكذا،

إلى أن تنتهي من فردِ العجين

الذي ما كفى عائلتنا يومًا.

قلّما أكلنا،

لكنّنا مشينا للسّماء

كما لو كانت آخرَ مخبزةٍ تعملُ بالحيّ،

و ردّدنا في نهايةِ كلِّ صلاة

"بالشّفاء و الهناء."

لشدّةِ ما ٱتّسخت مائدتنا

بالدُّعاء،

كنّا نغيّرُ غطاءها بعد كلِّ وجبة

حتّى لا يحسدنا الجيرانُ على كثرةِ الله

في بيتنا.

عدا ميزانِ الحسنات

الذي تجفّفُ عليهِ أمّي أطواقَ الثّوم

وترتّبُ عُلبَ المصبّرات،

لم يمتلأ شيءٌ في مطبخنا؛

لا ثلّاجةٌ و لا رفّ.

(4)

قالوا:

"البلادُ أمّك"،

لكنّي طالما مسكتُ يدي لأقطعَ الطّريق،

وما علقَ على جزمتي لم يكن طينًا؛

كانت وحدتي

التي أنسى دومًا أن أنظّفها

قبل الخروجِ من البيت.

لأمّي سبعةُ أبناء،

الحزنُ أكثرهم دلعًا،

تُسَرِّبُ إلى جيبهِ القطعةَ الأكبر

من قلبها،

ولأنّهُ المفضّلُ عندها،

تنادينا بٱسمهِ عن طريق الخطإ.

(5)

قالوا:

"البلادُ أبوك"؛

ألهذا لم تعرف كيف تحبّنا؟

لم يكن أبي خائنًا،

لكنّي رأيتهُ يخرجُ من البابِ الخلفيّ

لٱستقبالِ الآخرة،

يطوّقُ خصرها الذي يسمنُ

مع كلِّ حرب،

ثمّ يتنزّهانِ معًا

في الهاوية!

لو دُفِنْتُ تحت قصفٍ ما،

هل كان أبي ليُقضّيَ مع موتي

وقتًا أكثر؟

(6)

أتيتُ دومًا في المرتبةِ الثّانية

بعد السّماء

وبعد حزنِ أمّي

وبعد البلادِ التي كلّما عَرِجَتْ،

أخذَ أبي ومن إخوتي عظمةً

ليُصْلِحَ مشيتها.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٣ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٢:٣٥ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

دخان حلال
ثقافة عربية

دخان حلال

كنت مدخنا شرها، حتى قال لي احد اصدقائي: انت مو مدخن، انت مدخنة متحركة! حاولت الاقلاع عن التدخين مرات كثيرة، لكن ارادتي كانت دائما تتراجع امام السيجارة. كنت اضع علبة الدخان في جيبي واقول: هذه اخر سيجارة، ثم اكتشف بعد دقائق انني كذبت على نفسي للمرة الالف. ثم جاء اصحاب الرايات السوداء. قتلوا اثنين عند…

· 3 د
نشيد سردون
ثقافة عربية

نشيد سردون

لكن ما هذا الليل الذي يتنفس عذاب النبع أنحني لأمير التراب أتوج البخار بخار التاريخ حائطا نخليا أجلس على منصة التتويج طبع علاقاتك مع الشجر الذابل ارحل بعيدا حيث خيام التاريخ غطي الطفل المستحم بنفلاء البهجة واطمس عين الملح ان البهجة تميل ليسار القلب لكن ما هذا الانسان المزمل بأقنوم النعمة الهارب من…

· 2 د
كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها
ثقافة عربية

كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها

(1) كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها: أختلي بنفسي، وأغلقُ البابَ ورائي جيّدًا حتّى لا يسمع أبي ٱرتطامَ الزُّجاج بطرف الفراش حين أقرّرُ النّوم. (2) كان أبي كلّما أحبَّ شيئًا، ركضَ صوبهُ بأدواتِ السِّباكة، ولأنّهُ لا يعرفُ كيف يفسّرُ مشاعره، كان يشحّمُ اللّغةَ بالزّيت فيبقّعُ المسافةَ بيني وبين…

· 2 د