انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

أوراق السنين

عبد الواحد منيصير
عبد الواحد منيصير

قاص وأديب مغربي

7 دقائق للقراءة
6 مشاهدة
أوراق السنين
مشاركة:

لم يكن مصطفى يحتاج إلى تقويم يعلقه على جدار غرفته ليعرف أن العمر يمضي. كان يرى ذلك كل صباح في المرآة الصغيرة المعلقة قرب باب البيت، حين يتأمل الشعر الذي غزاه الشيب، والخطوط التي حفرتها السنوات حول عينيه، واليدين اللتين لم تعودا تقويان على حمل الأشياء كما كانتا تفعلان من قبل. ومع ذلك، لم يكن أكثر ما يؤلمه ما تركه الزمن على جسده، بل ما راكمه في داخله من خيبات مؤجلة وأحلام ظلت معلقة على أبواب لم تُفتح قط.

منذ شبابه، اعتاد أن يطمئن نفسه بأن الأيام القادمة ستكون أرحم، وأن ما فاته اليوم سيعوضه غدا، وأن الحياة، مهما ضاقت، لا بد أن تترك للمرء نافذة يتنفس منها. لكنه اكتشف، بعد سنوات طويلة من الانتظار، أن الغد لا يأتي دائما محملا بما نرجوه، وأن بعض الأبواب لا تغلق في وجوهنا دفعة واحدة، بل تظل مواربة بما يكفي لتمنحنا الأمل، ثم تصفق فجأة حين نمد أيدينا إليها.

كان يعمل في ورشة صغيرة لإصلاح الأثاث، ورثها عن أبيه، ويقضي نهاره بين الخشب والمسامير ورائحة الطلاء، يصلح كراسي الناس وطاولاتهم وخزائنهم القديمة، بينما كان بيته يحتاج إلى يد تصلح ما تصدع فيه. ماتت زوجته قبل أعوام، بعد مرض أنهك جسدها وأفرغ البيت من ضحكتها، وغادر أبناؤه تباعا بحثا عن حياة أفضل في مدن بعيدة، حتى صار المساء أطول من قدرته على احتماله. لم يبق له سوى مقعد خشبي قرب النافذة، وصورة عائلية قديمة، ودفتر أزرق كان يدون فيه أحلامه منذ شبابه، كأن الكتابة وحدها قادرة على إنقاذ ما عجزت الأيام عن إنقاذه.

فكر  يوما أنه سيحول الورشة إلى مدرسة صغيرة يعلم فيها أبناء الحي حرفة النجارة، حتى لا يضطروا إلى الوقوف طويلا أمام أبواب العمل المغلقة. و تمنى أنه سيبني لزوجته بيتا تحيط به الورود، وأنه سيأخذها ذات مساء إلى البحر، حيث يجلسان تحت ضوء القمر ويتحدثان عن الأيام التي سرقت منهما العمر وهما يظنان أنهما يملكان متسعا منه. كانت الأحلام تبدو آنذاك قريبة، حتى إنه لم يفكر في احتمال أن يشيخ قبل أن يحققها، أو أن تتحول المسافة بينها وبينه إلى طريق لا يعرف كيف يعبره.

لكن الحياة لم تكن تكترث بما يفكر فيه و يحلم به. توالت الخسارات، وأغلقت الورشة أبوابها أشهرا بسبب الديون، ثم عاد إليها ليجد أن زبائن الأمس صاروا يفضلون الأثاث الجاهز، وأن الحرفة التي تعلمها عن أبيه بدأت تنسحب بهدوء من حياة الناس. وكلما حاول النهوض، وجد أمامه عائقا جديدا؛ مرة في المال، ومرة في الصحة، ومرة في خيبة ثقة وضعها في شخص لم يكن يستحقها. ومع مرور الوقت، أخذ يشعر بأن جسده صار عكازا لأوجاعه، وأن قلبه، الذي طالما قاوم الانكسار، بدأ يتعب من كثرة ما يضطر إلى ترميمه.

في إحدى الليالي الشتوية، جلس أمام النافذة يتابع المطر وهو يضرب زجاجها بعنف. كانت الغرفة باردة، والمصباح الأصفر يرتجف كلما هبت الريح، وفي الخارج بدت الأزقة خالية إلا من برك الماء التي تعكس ضوءا شاحبا. فتح مذكرته ذات الغلاف الأزرق، وقلب صفحاتها ببطء، فرأى أحلاما كتبها بخط شاب كان يثق في المستقبل أكثر مما ينبغي، ثم توقف عند صفحة قديمة خط عليها عبارة لم يتذكر متى كتبها: "لن أسمح لليأس أن يكون آخر ما يعرفه الناس عني".

ابتسم ابتسامة قصيرة، ثم أغلق المذكرة وألقاها على الطاولة. لم يعد يملك القوة التي كانت له، ولم يعد يرى في نفسه ذلك الرجل الذي يستطيع أن يغير العالم بيديه العاريتين. قال بصوت خافت، كأنه يخاطب رجلا آخر يجلس أمامه: "وماذا بقي يا مصطفى يا؟ لقد مضى العمر، وذهبت الأحلام، ولم يعد في القوس ما يرمى.

لم يجبه أحد. وحده صوت المطر ظل يطرق الزجاج، بإلحاح يشبه إصرار الذين لا يعرفون الاستسلام.

في الصباح التالي، جاءه صبي من أبناء الحي، اسمه ياسين، يحمل قطعة خشب مكسورة وجدها قرب حاوية للنفايات. كان الصبي في السادسة عشرة من عمره، نحيلا، كثير الحركة، يراقب الورشة منذ أشهر، ويقف أحيانا عند بابها متظاهرا بأنه ينتظر أحدا، بينما عيناه تتبعان حركة يدي مصطفى وهما تقطعان الخشب وتصقلانه وتعيدان إليه شكله الجميل.

قال الصبي وهو يمد إليه القطعة:

- عمي، هل تستطيع إصلاحها؟ أريد أن أصنع منها رفا أضع عليه كتبي.

تأمل مصطفى  قطعة الخشب، ثم رفع عينيه إلى الصبي وسأله:

- ولماذا لا تشتري رفا جاهزا؟.

أجاب ياسين ببساطة:

- لأنني أريد أن أصنعه بنفسي.

لم يعرف مصطفى لماذا شعر أن هذه الجملة الصغيرة أصابت مكانا عميقا في داخله. ربما لأنه سمع فيها صوتا قديما، صوت الفتى الذي كانه يوم وقف للمرة الأولى في ورشة أبيه، مفتونا برائحة الخشب، معتقدا أن كل قطعة مهملة تخفي شكلا جميلا ينتظر من يكتشفه. أو ربما لأن الصبي، من دون أن يدري، أعاد إليه سؤالا ظل يتهرب منه طويلا: هل تنتهي قيمة الأشياء حين تتعرض للكسر، أم تبدأ حكاية أخرى حين يجد من يؤمن بإمكانية إصلاحها؟

نهض عن كرسيه بصعوبة، وأشار إلى الداخل.

 - ادخل، إذن. لكن عليك أن تتعلم الصبر قبل أن تتعلم استعمال الأدوات.

دخل ياسين، وبدأ مصطفى يشرح له كيف يختار الخشب، وكيف يقيسه قبل قطعه، وكيف يتعامل مع المسامير حتى لا يشقق الحواف. كان الصبي يصغي بانتباه، ويسأل عن كل تفصيل، ويعيد المحاولة كلما أخطأ، بينما أخذ الرجل يكتشف، مع كل حركة، أن يديه اللتين ظنهما قد فقدتا فائدتهما ما زالتا قادرتين على منح شيء لم يكن يلتفت إليه: المعرفة، والخبرة، والقدرة على إشعال الرغبة في نفس أخرى.

تكررت الزيارة في الأيام التالية، ثم جاء صبيان آخران، وبعدهما فتاة كانت ترغب في تعلم صناعة إطارات الصور. لم تكن الورشة قد استعادت زبائنها، ولم تختف الديون، ولم يعد الزمن إلى الوراء ليمنحه زوجته أو شبابه أو الفرص التي ضاعت منه. غير أن شيئا جديدا أخذ ينمو وسط الغبار ونشارة الخشب؛ صار في المكان صوت وضحك وأسئلة، وصارت الأدوات التي غطاها الصدأ تستعيد حركتها، وبدأت الوجوه الصغيرة تمنح الجدران المتعبة حياة لم تعرفها منذ سنوات.

وفي مساء أحد الأيام، وبينما كان مصطفى يساعد ياسين على تثبيت رف خشبي، سقطت من المذكرة الأزرق ورقة قديمة، التقطها الصبي و قرأ ما كتب عليها، ثم سأله:

- عمي، هل حققت كل هذه الأحلام؟.

أخذ الرجل الورقة من يده، وتأمل خطه القديم طويلا. كانت الأحلام كثيرة، وبعضها لم يعد ممكنا، وبعضها لم يعد يعني له الشيء نفسه، لكنه لم يشعر هذه المرة بذلك الحزن الذي اعتاد أن يرافقه كلما استعاد الماضي. طوى الورقة بعناية، ثم وضعها في جيبه وقال:

- ليس كلها، يا بني. لكنني كنت أظن أن الحلم إذا تأخر فقد مات، واليوم بدأت أفهم أن بعض الأحلام لا تموت، وإنما تنتظر شخصا آخر ليحملها إلى الطريق.

رفع ياسين رأسه مبتسما، ثم عاد إلى عمله، بينما ظل مصطفى يتأمله في صمت.

خارج الورشة، كانت الشمس تميل إلى الغروب، تلقي بآخر خيوطها على الأزقة المتعبة، وتترك فوق الزجاج انعكاسا ذهبيا يشبه صفحة بيضاء لم تكتب بعد.

في تلك الليلة، عاد الرجل إلى بيته، وجلس قرب النافذة، وفتح مذكرته الزرقاء على صفحة جديدة. لم يكتب عن العمر الذي مضى، ولا عن الخيبات التي نهشت قلبه، ولا عن الأبواب التي أغلقت في وجهه، بل كتب أنه سيعيد فتح الورشة كل صباح، وأنه سيعلم أبناء الحي ما يعرفه، وأنه سيحاول، ما بقي في يديه من قوة، أن يمنح الخشب المهمل فرصة أخرى ليصير شيئا جميلا.

ثم توقف قليلا، وأضاف في أسفل الصفحة: "لا أستطيع أن أستعيد أوراق السنين التي سقطت، لكنني أستطيع أن أختار ما أكتبه في الورقة القادمة".

أغلق المذكرة، وأطفأ المصباح، وترك النافذة مواربة على ضوء القمر. كان جسده لا يزال متعبا، وكانت آثار السنين واضحة على وجهه، غير أن شيئا في داخله استيقظ من سباته الطويل؛ شيء يشبه بذرة صغيرة قاومت الجفاف تحت الركام، حتى وجدت أخيرا شقا في الأرض تتسلل منه إلى الضوء.

وفي صباح اليوم التالي، حين رفع باب الورشة الصدئ، كان ياسين ينتظره عند العتبة، يحمل قطعة خشب جديدة وابتسامة واسعة. تبادلا التحية، ثم دخلا معا، و انحنى مصطفى على منضدة العمل، وأمسك أدواته بثبات لم يشعر به منذ أعوام.

لم يتوقف الزمن من أجله، ولم تمح الشمس ما تركته الأيام من ندوب، لكنه أدرك أخيرا أن المستقبل لا يحتاج دائما إلى معجزة كبيرة؛ أحيانا يكفي أن يجد الحلم يدا تؤمن به، وأن يجد الإنسان سببا واحدا يجعله ينهض من جديد.

وكان ذلك، بالنسبة إلى مصطفى، بداية العمر الذي لم يكن قد كتبه بعد.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٤:١٦ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

زهايمر - قصة قصيرة
ثقافة عربية

زهايمر

زهايمر قصة قصيرة سمير عبد العزيز في تلك الشقة الواسعة التي كانت يوماً تضجّ بالحياة والإيقاع المتواصل للضحكات والخُطى، لم يتبقَّ لـ "عائشة " سوى صدى خافتاً لمشيتها ومساحات شاسعة من الصمت الثقيل. كانت الجدران تتنفس ذكريات قديمة: صوراً معلقة بعناية يُغطّيها غبار ناعم، وطاولة طعام لم يعد يجلس إليها…

· 4 د
العابر الأخير.
ثقافة عربية

العابر الأخير

لم يكن رشيد يخشى الموت؛ كان يخشى أن يموت دون أن يعرف أيّ الرجلين كان طوال حياته: ذلك الذي رآه الناس في المرايا، أم ذلك الذي ظل يختبئ خلف عينيه. في جناحه الفخم، حيث تتدلى الستائر الثقيلة كأنها أُسدلت على مسرح انتهى عرضه، كان يحتضر وحيدا. على الطاولة ساعة ذهبية، وخاتم مرصع، ومفتاح خزنة، وصورة لرجل…

· 4 د
عِنَاقُ الخَوْف
ثقافة عربية

عِنَاقُ الخَوْف

عِنَاقُ الخَوْف إبراهيم مجاهد صلاح - اليمن أنا الطّفلُ والأيّامُ شيّبْنَ مَفرِقي وطيفٌ من الرّعبِ المُقيمِ مُلازمي يُرافقني كالظِّلِّ يَمشي بصمتِهِ وإن ألتفتْ عينيّ تَوارى كَمُعْدَمِ تُجسِّدُهُ الأوهامُ لُعبةَ خائفٍ ومنزلهُ بينَ الضّبابِ المُخيِّمِ فمِن أينَ أمضي للسّكينةِ آمناً وكلُّ مدىً يُفضي…

· 1 د