-على غرار مناطق أخرى في الشرق الأوسط، لا تُعد ظاهرة نهب الآثار التاريخية -والآثار عموماً- أمراً جديداً في منطقة الهلال الخصيب، ولا سيما في أوقات النزاع. فقد خلّفت حضارات العراق المتعددة كنزاً من المقتنيات الأثرية المدفونة تحت الرمال، وهي كنوز يسهل على الناهبين استغلالها؛ بل إن هناك مقولة شائعة في العراق مفادها: "إذا حفرتَ متراً واحداً ستجد آثاراً، وإذا حفرتَ أكثر ستجد النفط". لقد بدأت ممارسات نهب الآثار -بشكلها المعروف اليوم- في العراق خلال القرن التاسع عشر، واستمرت هذه الظاهرة في التوسع نتيجةً لتزايد الاهتمام الغربي بعلم الآثار في بلاد الرافدين القديمة. وعقب ثورة عام 1958 في العراق، أصبحت عملية نهب الآثار جريمة يُعاقب عليها بالغرامة أو السجن. وفي أعقاب انقلاب حزب البعث عام 1968، أُدرج التراث الأثري العراقي الغني -الذي ينتمي إلى منطقة طالما وُصفت بأنها "مهد الحضارة"- ضمن السردية القومية بهدف تعزيز هوية عراقية موحدة. بعد عام 1979، حين تولى صدام حسين السلطة، حظيت المواقع الأثرية بحماية النظام وفُرِضت عقوبات صارمة على الناهبين. وقد حالت الحماية الفعالة التي وفرتها الدولة -حتى اندلاع حرب الخليج الأولى عام 1990- دون وقوع عمليات نهب واسعة النطاق.
غير أن حالة الفوضى التي أعقبت عام 1990 أتاحت نهب 13 متحفاً إقليمياً، كما أدت إلى عمليات نهب كبيرة للمواقع الأثرية في جنوب العراق. وقد أجرت عالمة الآثار والصحفية اللبنانية جوان فرشاخ-بجالي دراسات مستفيضة حول عمليات النهب في جنوب العراق . تجادل الكاتبة بأن العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة والدول الغربية على العراق قد تسببت في إفقار القبائل في المنطقة، إذ حالت دون تمكّن المزارعين من بيع محاصيلهم الزراعية للحكومة. وعقب الحرب، ولتعويض نقص الدخل، لجأ هؤلاء المزارعون إلى أعمال النهب، وبدأوا في "سرقة المواقع الأثرية [كـ]نوع من الانتقام من النظام". وتقدم التحليلات التي أجرتها "فرخاخ-بجالي" عام 2007 حول ظاهرة النهب -في سياق الديناميكيات القبلية العراقية- رؤىً تكشف عن هوية الناهبين والدوافع التي حركتهم . وفقاً لفارشاخ-بجالي، غالباً ما تكون المؤسسات الاجتماعية لدى قبيلة فقيرة في جنوب العراق أقوى من الحكومة المحلية وأجهزة إنفاذ القانون. كما أن نظرة هذه القبائل إلى التراث الثقافي العراقي تختلف عن نظرة الغربيين؛ إذ تقول: "نحن نرى في المواقع الأثرية تراثاً للبشرية جمعاء، في حين يرى فيها العديد من الفلاحين العراقيين مجرد حقولٍ تعجُّ بقطع الفخار التي يمكن استخراجها وبيعها كلما ضاقت بهم السبل . واحتاجوا إلى المال ...‘‘
في تسعينيات القرن الماضي، أدت العقوبات المفروضة على العراق أيضاً إلى نشوء سوق سوداء واسعة النطاق لبيع وشراء سلع تراوحت بين المواد الأساسية والقطع الأثرية. وقد خضعت العديد من هذه الأسواق لسيطرة النظام والقبائل السنية الموالية له التي كانت تعمل كوكلاء لصالحه، حيث غالباً ما سهّلت تلك القبائل عمليات التجارة غير المشروعة نيابةً عن النظام. وتولى نائب الرئيس العراقي السابق، عزة إبراهيم الدوري، إدارة شبكة الجريمة المنظمة هذه التي امتدت في جميع أنحاء البلاد؛ إذ كان يُعد "خبيراً في التهريب" يتقن إدارة "شبكات إجرامية متكاملة رأسياً". كما اشتهر الدوري بتنظيم جوانب مختلفة من حركة التمرد ضد الولايات المتحدة، ويُعتقد أنه زعيم "جيش النقشبندية" -وهو فصيل مسلح بعثي يُقال إنه كان أحد الجماعات التي دعمت تنظيم "الدولة الإسلامية النقشبندية"
يبدو أن براعة الدوري في مجالات التهريب وجمع المعلومات الاستخباراتية وتنظيم حركات التمرد قد ساهمت في صعود تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، وربما أثرت في الأساليب التي يعتمدها التنظيم للاستفادة من عمليات النهب والاتجار غير المشروع بالآثار. ومن ثم، يمكن القول بثقة إن شبكات تهريب الآثار التي تعمل حالياً تحت مظلة التنظيم تشبه تلك التي كانت تنشط في حقبة التسعينيات، والتي استغلت التراث الثقافي آنذاك لتحقيق مكاسب مالية وخدمة أهداف أيديولوجية على حد سواء. وتكمن المفارقة بين أسلوب استغلال التنظيم لهذا التراث وأسلوب نظام صدام حسين في أن مفهوم الحفاظ على تاريخ العراق وتبجيله كان يُستخدم لتبرير حكم حسين الاستبدادي كلما دعت الحاجة، حتى وإن كان يحقق مكاسب جانبية من مبيعات الآثار التي يقوم بها وكلاؤه؛ أما في حالة تنظيم "الدولة الإسلامية"، فإن هذا التاريخ يُنظر إليه باعتباره مورداً يمكن نهبه لتمويل التنظيم أو تدميره بما يتماشى مع أيديولوجيته المتطرفة ..

يُعتقد أنه خلال حقبة التسعينيات، تخصصت قبائل بأكملها في التجارة غير المشروعة باللقى الأثرية؛ إذ كانت تُعد "بديلاً جيداً" لتهريب النفط في السوق السوداء، ولأن عمليات تهريب الآثار أصبحت أكثر احترافية وتنظيماً بمرور الوقت على يد "عصابات تشبه المافيا". ويُعتقد أن منظمات دولية لتهريب الآثار قد توغلت في محافظة ذي قار الجنوبية -الغنية بالآثار- عام 1994، حيث استغلت المواقع الأثرية في المحافظة ووفرة الأيدي العاملة المتمثلة في ناهبين فقراء كانوا يفتقرون إلى الدعم الاجتماعي الكافي من الحكومة العراقية. ومن العوامل الأخرى التي دفعت أبناء القبائل الفقراء -ولا سيما الشيعة منهم- إلى أعمال النهب، مسعى صدام العبثي لتجفيف الأهوار الجنوبية للبلاد عقب حرب الخليج الأولى، مما أدى إلى القضاء على الإمكانات الزراعية لتلك المنطقة. وهكذا، أصبحت عمليات النهب واحدة من مصادر الدخل القليلة المتاحة لتلك القبائل، لا سيما بعد أن أدرك الناهبون أن النظام -الذي كانوا يكرهونه بشدة- يتبنى موقفاً منافقاً تجاه الآثار، إذ كان يستغل تاريخ "الهلال الخصيب" لخدمة طموحاته القومية. ورغم ما أبدته الدولة من حماية ودعم للتراث الثقافي العراقي، إلا أن نظام صدام لم يُعرِ اهتماماً يُذكر لعلم الآثار حين شرع في تنفيذ مشاريع إنشائية باهظة التكلفة لخدمة مصالحه في أنحاء البلاد. وقد ساعدت علاقة النظام بماضي العراق الناهبينَ على تبرير أفعالهم و"تجاوز الشعور بالعار الذي كان سيلاحق -لولا ذلك- المتورطين في مثل هذا النشاط غير القانوني -".
في الفترة الممتدة من عام 1990 وحتى عام 2003، توقف التمويل الحكومي العراقي المخصص لحماية المواقع الأثرية نتيجة للعقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة؛ مما أدى إلى خضوع العديد من المواقع -التي كانت محمية سابقاً- لسلطة شيوخ القبائل المحليين، الذين غالباً ما كانوا هم أنفسهم متورطين في تجارة الآثار غير المشروعة. وقد سعى صدام حسين إلى التقارب مع القبائل في أواخر التسعينيات من خلال منحهم حكماً ذاتياً وتوظيف فلاحين محليين للعمل جنباً إلى جنب مع علماء الآثار العراقيين. وتزعم فرشاخ-بجالي أن هذا الإجراء قد "أوقف" عمليات النهب في أواخر التسعينيات، إلا أن توظيف الفلاحين المحليين أتى بنتائج عكسية بعد غزو عام 2003؛ إذ تحول هؤلاء العمال -الذين اكتسبوا مهارة في أعمال التنقيب- إلى ناهبين محترفين، حيث كانوا "يتقاضون أموالاً إضافية لحفر المواقع نظراً لخبرتهم في التنقيب دون التسبب في كسر القطع الأثرية _".
حالة الاضطراب التي تلت عام 2003
انزلق العراق إلى أتون الفوضى عقب الغزو الذي شنته قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة في مارس/آذار 2003. وخلال معركة بغداد، التي دارت رحاها في الفترة من 8 إلى 16 أبريل/نيسان، استغل لصوص محترفون انهيار السلطة المركزية وقاموا بنهب المتحف الوطني. وقد شاركت ثلاث فئات في نهب ما يقرب من 15 ألف قطعة أثرية، وهم: اللصوص المحترفون، ومواطنون عاديون، وموظفو المتحف. ورغم كثرة ما كُتب عن حادثة نهب المتحف في الأوساط الأكاديمية والصحفية على حد سواء، إلا أن المقالات الأكاديمية والكتاب الذي أصدره العقيد بوغدانوس عام 2005 بعنوان ( لصوص بغداد)يُعدان المرجع الأوثق والأكثر دقة في سرد وقائع النهب وتحليلها، وكذلك في توثيق الجهود اللاحقة لاستعادة القطع المسروقة. ومن بين القطع الأثرية الـ 15 ألفاً التي سُرقت، أُعيدت أكثر من 5 آلاف قطعة؛ ومع ذلك، لا تزال هناك العديد من القطع التي لا تُقدّر بثمن -بما في ذلك بعض القطع ذات الأهمية التاريخية البالغة- مفقودة ولم يُعثر عليها قط ..
يُشدد العقيد بوغدانوس على مستوى الخبرة الذي أظهره ناهبو الآثار، مُرجِّحاً أن "محترفين قد وصلوا قبيل اندلاع الحرب مباشرةً -ربما عبر الأردن- بانتظار نشوب الحرب واغتنام فرصة العمر".".
ويشير العقيد بوغدانوس إلى أن احتمالية تحقيق الربح شكّلت دافعاً مغرياً؛ إذ يُقدِّر أن قيمة العديد من الأختام الأسطوانية المسمارية الصغيرة تبلغ نحو 250 ألف دولار للختم الواحد، مما "يتيح للمتمرد تهريب ملايين الدولارات داخل جيبه -"
. يُعد مستوى التنظيم لدى الناهبين وصلتهم بالجريمة المنظمة من أهم الاستخلاصات المستمدة من واقعة نهب المتحف الوطني وما تلاها من عمليات سلب لآلاف المواقع الأثرية. ويميز فيل ويليامز، الخبير في الشبكات الإرهابية بجامعة بيتسبرغ، بين سرقة المتحف وبين "أعمال النهب والسرقة والاتجار بالآثار [بشكل عام]" التي شهدتها أنحاء العراق عقب الغزو الأولي؛ إذ يشير إلى أن هذا النشاط الأخير "قوبل بإهمال كبير". ومن جانبه، يرى لورانس روثفيلد -المؤسس المشارك والمدير السابق لمركز السياسات الثقافية بجامعة شيكاغو- أن الجيش الأمريكي كان ينبغي عليه إيلاء اهتمام أكبر لعمليات نهب الآثار وتهريبها، وذلك بالنظر إلى السوابق التي استخدمت فيها الجماعات الإرهابية الأعمال الفنية والقطع الأثرية المسروقة لتمويل عملياتها وشراء الأسلحة؛ مستشهداً في ذلك بحالات مماثلة وقعت في إيرلندا الشمالية إبان فترة "الاضطرابات، وفي لبنان خلال الحرب الأهلية هناك .
ومع ذلك، ووفقاً لروثفيلد، فإن شبكات الاتجار غير المشروع بالآثار العراقية "غير مفهومة بشكل جيد". ويبدو أن وسطاء يتواصلون مع المنقبين لشراء القطع الأثرية، ثم ينقلونها إلى مهربين وتجار يتولون تهريبها إلى الخارج. وتصف مصادر أخرى سلسلة توريد إجرامية مماثلة -وإن لم تكن محددة التفاصيل- للاتجار بالآثار العراقية؛ حيث يقوم فلاحون فقراء بنهب القطع الأثرية مقابل مبالغ زهيدة، بينما يستخدم مهربون محترفون مسارات تهريب قديمة لنقل هذه البضائع إلى الأردن وسوريا، وربما تركيا أيضاً، حيث تُباع بأسعار أعلى .
أشار العقيد بوغدانوس إلى بيروت ودبي وجنيف باعتبارها وجهات معروفة للمقتنيات المنهوبة، حيث تُمنح هناك أصولاً وتواريخ منشأ مزيفة قبل أن تشق طريقها إلى السوق المشروعة. وقد قدّر المعهد الأثري الأمريكي أن تجارة الآثار العراقية غير المشروعة كانت تدر ما بين 10 ملايين و20 مليون دولار سنوياً في السنوات التي تلت غزو عام 2003. ويرى روثفيلد أن هذا الرقم يُعد "منخفضاً"، بالنظر إلى أن تمثال "لبؤة غوينول الذي يعود تاريخه إلى 5000 عام- قد بيع - بشكل قانوني "
مقابل 57.2 مليون دولار في عام 2007، وهو "أعلى سعر دُفع على الإطلاق مقابل قطعة أثرية [في ذلك الوقت]= "
المصدر
=IS and Cultural Genocide: Antiquities Trafficking in the Terrorist State
Brigadier General (Retired) Russell D. Howard, U.S. Army-
Marc D. Elliott - Jonathan R. Prohov
JSOU Report 16-11- The JSOU Press.
MacDill Air Force Base, Florida- --2016







التعليقات