طالب كريم:
عن سلسلة " شعر " التي تصدرها دار الشؤون الثقافية العامة / وزارة الثقافة والسياحة والآثار، صدر حديثاً للشاعر الراحل رزاق إبراهيم حسن الديوان الشعري الجديد الموسوم " الشبّح الذي رأى " حين يغادر الشاعر، لا تغادر لغته، تبقى معلّقة بيننا كظل طويل، تلوّح لنا من بعيد وتقول : كنت هنا، ورأيت، وهذا بالضبط ما يفعله الديوان الشعري
" الشبّح الذي رأى " للشاعر الراحل رزاق إبراهيم حسن. عنوان يفتح الباب على مصراعيه لعالمٍ شعري يتأرجح بين الحضور والغياب، بين ما نراه وما يرانا. جاء الديوان بجهد نبيل من نجل الشاعر، الذي جمع قصائد والده وقدّمها للطبع بمقدمة حانية، وفي هذه اللفتة وحدها معنى كبير : الإبن يصير حارس للذاكرة، والقصيدة تصير وطناً ثانياً يُورّث. تتنوع بنية الديوان بين قصيدة التفعيلة والقصيدة العمودية الكلاسيكية. وهذا التنوع ليس ترفاً شكلياً، بل هو إنعكاس لطبيعة تجربة الشاعر. فالتفعيلة عنده مجال للإنطلاق و الإعتراف و الإنكسار ، والعمودي ملاذ للرصانة والتأمل وإستعادة الوزن الداخلي للروح. ينتقل رزاق إبراهيم حسن بينهما بسلاسة من يملك ناصية اللغة، لا أسيراً لشكل واحد. لاتحتاج أحياناً أن تقرأ كل القصائد لتعرف ملامح صاحبها . يكفي أن تمرّ بعناوينه، وعناوين " الشبّح الذي رأى " تشكّل لوحة متكاملة عن هاجس الشاعر : الزمن والذاكرة : " الوقت " ، " سنوات الوهم "، " هواجس الذكريات " ، " قبل فوات الأوان "، " بكاء العصور".الزمن هنا ليس تقويماً، بل جرحاً مفتوحاً.يسأل الشاعر عنه، ويعاتبه، ويحاول أن يستعيده. ويأتي عند رزاق إبراهيم حسن ، الوطن والمنفى : " كل هذا العراق "، " الوطن الساطع " ، " الحي القديم "، " فتى القدس "، " اللاجئ والفصول "، " الهاربون من الصدى " . يتوزع الوطن في قصائده بين بغداد القديمة وقدس المقاومة وبين فكرة اللجوء، الوطن ليس مكاناً فقط، هو صوت نطارده ولايتركنا : " أتُراني أعرف الصوت؟ " " الفقراء "، " كائن من حجر " ، " شلل وإرتعاش " . ينحاز الشاعر إلى المهمشين، إلى من لاصوت لهم، يكتب عن الجسد المتعب وعن الكرامة التي لا تنكسر حتى في الشلل . أما في ”إعترافات الليلة الأخيرة " ، " طفل الحلم " ، " أنني فيك فاحترس من رياحي "، " المطر المنشود " . ثمة بوح شخصي شديد الحميمية، وثمة حلم طفولي يقاوم الواقع . والمطر عند رزاق ليس طقساً، بل رجاء. وفي التراث تأتي " خيول أبي " ، " صفحات من كتاب اللقاء مع سعد الدين ". يعود الشاعر إلى الأب، إلى الحكاية، إلى الكتاب. يحفر في الماضي كي يفهم الحاضر. ويأتي عنوان الديوان " الشبح " ليجمع كل هذه الخيوط. الشبح هو الذي رأى ولم يُرَ . هو الذاكرة، هو الوطن الغائب، هو الشاعر نفسه بعد الرحيل. يراقبنا من عتبة الغياب . يمتاز أسلوب رزاق إبراهيم حسن بالمزاوجة بين المباشرة والرمز. لا يتردد في تسمية الأشياء : العراق، الفقر، القدس. وفي لحظة نفسها يلجأ إلى الإستعارة : الصدى الذي نهرب منه، الحجر الذي صار كائناً، الخيل التي تحمل اسم الأب. هذه المفارقة تمنح القصيدة قوتها. قريبة من الناس في موضوعاتها، وعميقة في إيحاءاتها.
" الشبّح الذي رأى " ليست مجموعة قصائد. هي شهادة شهادة شاعر عاش بين مدينتين : مدينة الواقع بكل قسوتها، ومدينة اللغة بكل سعتها . وبفضل جهد الإبن الذي قدّم هذه القصائد للطبع، نكتشف أن الشعر لا يموت . يتحول إلى شبح طيب، يزورنا في ليالينا الأخيرة ليقول : تذكروا.
يقع الديوان ب ---- ٢٩٢ ---- صفحة من القطع المتوسط وكان تصميم الغلاف للفنان هادي أبو الماس . .







التعليقات