عدنان مشهي
صدر مؤخرا عن برشلونة الأدبية العمل الأنطولوجي "Echoes of Loukkous – أصداء اللوكوس"، في تجربة أدبية وفنية جماعية تنطلق من الفيضانات التي عرفتها مدينة القصر الكبير، لكنها تتجاوز الحدث في تفاصيله المباشرة، لتقترب من الإنسان وما يتركه الألم في ذاكرته ووجدانه.
فالأنطولوجيا لا تنظر إلى الفيضان باعتباره مجرد ظاهرة طبيعية أو حدث عابر، وإنما تستعيده من زاويته الإنسانية؛ من خوف الإنسان أمام قوة الطبيعة، ومن قلقه على البيت والأسرة، ومن تفاصيل الحياة اليومية حين تختل فجأة، ومن الذكريات التي تظل حاضرة حتى بعد أن تنحسر المياه.
ومن خلال تعدد الأصوات، يستعيد الكتاب وجوها مختلفة للتجربة الإنسانية: الخوف، الفقد، التضامن، الانتظار، الأمل، واستعادة الحياة. وهي مشاعر لا تنتمي إلى مدينة بعينها، بقدر ما تعكس تجربة إنسانية يمكن أن يجد القارئ نفسه فيها، مهما اختلف المكان والزمان.
ويمنح تعدد المشاركين في الأنطولوجيا الحدث أكثر من صوت وأكثر من ذاكرة، إذ يكتب كل مشارك من موقعه، لكن النصوص تلتقي في نقطة واحدة: الإنسان الذي يحاول أن يفهم ما حدث، وأن يمنح ذاكرته لغة تحفظ ما عاشه.
ويتعزز هذا البعد الإنساني من خلال حضور الفن التشكيلي، حيث يضم الكتاب حوالي 11 لوحة للفنان التشكيلي حسن البراق، تستعيد فيضانات القصر الكبير بصريا، وتفتح أمام القارئ مساحة أخرى للتأمل في العلاقة بين الإنسان والمكان والماء والذاكرة.
وتصدر الأنطولوجيا باللغتين العربية والإنجليزية، بترجمة وتقديم الأستاذ محمد الصبراوي، وإعداد الفنان التشكيلي الأستاذ حسن البراق، بينما أنجز غلافها الأديب المغربي المقيم بإسبانيا حسن يارتي.
ويشارك في هذا العمل عدد من الكتاب والشعراء والباحثين، من بينهم: محمد أخريف، المصطفى بوخزار، عبد السلام دخان، عبد المالك العسري، أمل الطريبق، محمد الجباري، سلوى قريش، محمد أكرم الغرباوي، حسن يارتي، الطيب المحمدي، محمد السكتاوي، وحنان قدامة.
كما تمتد التجربة إلى الفضاء الإسباني من خلال مشاركة الشاعر أنطونيو رودريغيز غوارديولا، بترجمة سلمى الصبراوي، لتؤكد أن المشاعر الإنسانية التي تولد من المحن لا تعرف حدودا للغة أو الجغرافيا.
وتنتظم الأنطولوجيا في ثلاثة فصول: الأصداء، الأحلام، والتأملات، وهي عناوين تختصر مسارا يبدأ من استعادة الحدث، ويمر عبر ما تركه من أثر، وينتهي عند التأمل في الإنسان والمكان والذاكرة.
من هذا المنطلق ، فإن كتاب "أصداء اللوكوس" ليس فقط أنطولوجيا عن فيضانات القصر الكبير، بل محاولة أدبية وفنية لإنقاذ الجانب الإنساني من الحدث من النسيان؛ فالفيضان قد ينحسر، وتعود الحياة إلى شوارع المدينة، لكن ما عاشه الناس من خوف وألم وتضامن وأمل يظل بحاجة إلى من يرويه.







التعليقات