تستعرض هذه الرواية في جزئها الأول من عمل سردي كبير يتألف من أربعة أجزاء، الواقع النفسي لرجل اسمه الملاٌ حمه مثلما بدأ به الفصل الاول من الرواية، أو حمه أمين كما في صفحات لاحقة من الأعمال الأخرى ، خان قضية شعبه الكوردي، وتحول إلى جلاد يمارس طقوس خيانته بأبشع صور الغدر والهوان، في إطار من العلاقات المتشعبة حسبما يقتضيه أي عمل سردي كبير.
تبدأ الرواية من حيث انتهت صفحة خيانة جلاد شعبه، معتكفاً وصغاره في كوخ في قرية جبلية ، يجتر ذكرياته المدنسة بعدما تخلى عنه جماعته، قعيداً مشلولاً أسفل الجسد، إثر رصاصة اخترقت عموده الفقري، مكافأة له، ودرساً لغيره ممن تراودهم حلاوة بيع الضمير. أو هكذا كان يزاحمه مثل هذا الشعور.
وعلى تواتر صفحات الأحداث التي لا عدٌ لها، تتواتر الحالات النفسية سواء ما كانت تثيره ذكريات الواقع البعيد، ام الواقع الجسدي القريب، كلما اشتد ضغطه عليه.
" رفع يديه إلى السماء يتضرع إلى الله ان يمنحه ولداً، يعطيه بندقية يصطاد بها كل الرؤوس العفنة التي أحالته إلى نصف إنسان، يذرف الدموع الساخنة معبراً عن أسفه تجاه الأيام الخوالي، وما اقترفته يداه"ص ٦
في خضمٌ هذا التفاعل المنصبٌ على تقريع الذات، ينتقل الروائي بنا إلى لون آخر من العذاب الجسدي يحيط بامرأة الرجل، وهي في حالة مخاض عسير استمرّ معها يومين متتالين، تجلت فيهما الكوامن الانسانية التي لا تخلو منها النفس البشرية عامةً، حينما يتفاعل هذا الرجل مع عسر زوجته، وما يرافق ذلك من الآم، فيطلق ثلاث رصاصات في الجو، تهبٌ على صوتها امرأة جارة عجوز، تشاركه محنة زوجته، ثم يطلب إليها أن تعود إليه بجواده ليتحامل على نفسه، وهو الكسيح، بمساعدة العجوز نفسها، على امتطاء ظهر الجواد، نحو بيت المولٌدة او القابلة، برغم ما قد يصادفه من مشاق الطريق البعيد، وما يتعلق برطوبة الارض، واحتمالات السقوط.
" أسرجي لي حصاني إنه في الزريبة.
كيف؟
إنها الوسيلة التي أنقذ فيها زوجتي.
ستموت ولا نجدك أبداً.
صرٌ على أسنانه إلاٌ أنه تذكر الجسد الميت بلا حركة (…….) قال لها متوسلاً،
ارجوك إنها زوجتي لقد عانت الكثير من أجلي.
صاحت العجوز:
الذي أعرفه أنٌ المولٌدة تبتعد كثيراً عن قريتنا واذا سقطتَ فانٌ الله سيكون معك.
(…..) فقط ضعيني على ظهر الحصان." ص ١٢
ترسم الرواية حجم العناء إلى بيت المولٌدة هذه، والعودة بها في طريق نيسمي، محفوف بالمخاطر، وما كان يتخلل ذلك من صور تعيد الرجل إلى ماضيه الكريه، سواء ما كان يسترجعه من ذكريات يولدها شلله وطلب مساعدة الاخرين، أم ما كانت تقذفه بوجهه المولٌدة التي تعرف تاريخه المشين.
هناك عند العودة إلى الكوخ الذي ترقد فيه المرأة المعسرة، يتم زرقها بإبرة تسكٌن آلامها إجراءً أولياً.
ثم ما تلبث الرواية ان تخبرنا بتمام الولادة بطفلة سليمة ، يتم الاحتفاء بها؛ رقصاً وغناءً ولكن مع صدمة مذهلة بموت الام أثناء الولادة، وحيرة الرجل بحياة قادمة، لم تتشكل لها، في عيني أحد من الناس، صورة بعد.
تشير الرواية في فصول لاحقة إلى الطابع الإنساني الذي يتعامل فيه الناس، مع رجل كان سفاحاً، حينما يضعف ويحتاج إلى مساعدة الآخرين:
"كاكا عليك بمصدر رزقك وإلاٌ فأنت لا تستطيع أن تواجه الحياة.
أعرف ذلك.
إذن تنبه للأخطاء قد توقع الناس بالمشاكل وتنعكس مصادرها عليك.
هذا الأمر ليس بيدي.
(….)عليك ان تتحلى بصفة اخرى، ان تواصل الناس وتسقط همومك بين همومهم وأحزانهم تخلص من الماضي." ٤٠-٤١
واذا كان في ما يأتيه من أبناء قريته، على عمق جراحهم منه، مواساة تلمٌ نكباتهم وتدملها في آن، فقد كان يجد ذلك في وحدة أطفاله واجتماعهم على حياة متواضعة ونظيفة، يؤكدها التمامهم الحميم على موقد النار.
في انعطافه سردية يفاجئنا الروائي بقرار الملاٌ الانتقال من تانجرو، القرية والسهل والنهر ومولد الابناء، إلى دربند حيث الموقع الذي يتسلم فيه حصته الغذائية اليومية، تخلصاً مما يكابده من مشاق وعناء في سبيل ذلك.
يواجه مبدأياً رفض الأطفال فالأمر يعني لديهم مفارقة سنوات العيش والطفولة وقبر الأم في هذا المكان الجميل، والانتقال الكلٌي إلى مكان جديد لا يعرفون أحداً ولا يعرفهم أحد فيه . وما يتطلبه العيش اللاحق في المكان الجديد، من ضريبة التكيف مع الناس الجدد والبيئة والسكن، وما إلى ما يشدٌ الإنسان إلى بيئته الأولى، مهما صغرت لاسيما ما يتعلق بواقع الحال مع خصوصية عواطف الأطفال، وما يسببه كل ذلك لهم من غربة واغتراب.
" شعر الملا حمه بزحمة الطريق وكبر سنٌه وسيطرة النصف الميت على جزئه الحي، فاستشار ولديه في الرحيل عن تانجرو الى دربندخان.
"لقد قررت الرحيل نهائياً عن تانجرو." ص ٤٦
نزل الخبر كالصاعقه على رؤوسهم، فقال بدر الدين- وهو أكبر الولدين - وهو يسحب أطرافه المتجمدة المتدلية إلى سطح العربة:
"إنه النهر والوادي الذي عشنا به كل حياتنا السابقة.
أصبحت كبيراً ولا أستطيع الحياة أكثر.
إجلس في البيت ونحن نقوم بعملك.
لا أستطيع أن أفارقكم ولو لساعة واحدة. تطلبون مني المستحيل."ص ٤٦-٤٧
لقد برزت هنا أولى الخلافات على المكان بين الأب والأبناء، كائناً ما كانت نهاية الصراع، وهي سردية مهمة تضاف إلى سرديات الخلافات العائلية على الثروة والعقار وسائر الممتلكات.
تدرج لنا الرواية في مجمل فصولها وصفحاتها، حياة طويلة وعريضة ومتشابكة تماماً، تجابهنا منذ الصفحات الأولى، بالسؤال الحار عن جهد الروائي في هذا العمل السردي الكبير، برغم ما انتابه من عثرات.
لقد صور لنا الطبيعة الجبلية الشاقٌة والجميلة معاً، وتآلف سكانها معها، والسمة الإنسانية الغالبة على علاقاتهم، ليهرعوا لنجدة من كان يخونهم، ويداه ملطختان بدمائهم .
لقد تعاونوا على مساعدة الرجل على الإتيان بالقابلة، ثم مشاركته حزنه على موت زوجته، ومن ثم غسلها وتكفينها ودفنها، وقراءة الفاتحة على قبرها، في طقوس نظيفة لا يشوبها حقد او كراهية أو تشفٌٍ.
ثم هاهم يفاجأون برحيله عن قريته، طلباً لمصادر عيش تنقذه مما هو فيه..
وكانت الحياة أول الأمر في خان، غير ملائم للعيش الكريم.
ولكن برغم ذلك فلقد توفر لولديه أكثر من مصدر للعمل في البيئة الجديدة، "دربند"، تحقق لعائلته فيها السبيل، لما سوف يتوفر له ولعائلته من عيش جديد مريح.
في "الخان" كان ملا حمه وعائلته يعانون مشاق السكن في نزل مفتوح على غرباء، يتصاحب تذمر الملاٌ مع جسامة عوقه الجسدي، وعذابه النفسي الذي لم ينقطع لحظة، فما دام هو حي، كان ثمة عذاب وأسف شديدين، ورغبة في الانتقام من مجهول.
تجسد الرواية القدرة النفسية الفائقة لرجل، ينطوي على أكثر من ذات، فهو الخائن والجلاد، وصاحب القلب الغليظ الميت، وصاحب البندقية التي لا تنام، وهو الزوج الأمين والأب الحاني الرقيق، الذي جلٌ غايته أن يحفظ وحدة أبنائه، ويسكنهم سكناً لائقاً، وفرصاً أوفر.
ما شحن الرواية بجزئها الأول، كسراً للرتابة، التوازي بين البيئة الشمالية من الأرض العراقية، كون بطلها الرئيس كوردياً اسمه حمه، والبيئية الجنوبية كون أحد أبطالها جندياً من مدينة العمارة، جنوب العراق، يقضي خدمته العسكرية هناك اسمه حنين.
وعبر كلٌ منهما تتداعى الملامح الخاصة بدءاً بالاسماء وانتهاء بالعادات والطبيعة وحتى نوع الطعام، في تفاصيل كثيرة لا عدٌ لها، مع الالتفات إلى روح المحبة والوئام التي كانت تسود الجميع.
اتسمت الرواية بسردية التشويق والغرائبيات، وبعدد لا يحصى من التفاصيل، التي لا ينجو منها عمل سردي كبير مؤلف من اربعة أجزاء تتجاوز مئات الصفحات.






