يرى جيرار جينيت أن العنوان والغلاف وسائر العتبات النصية تمثل المدخل الأول إلى عالم النص، فهي لا تؤدي وظيفة جمالية فحسب، وإنما تهيئ أفق انتظار القارئ، وتوجهه نحو القراءة والتأويل. وانطلاقا من هذا التصور، يبدو ديوان "وصية درويش" للشاعرة صفاء عباسي تجربة شعرية تتكامل فيها العتبة البصرية مع المتن الشعري، ليشكلا معا رؤية تقوم على التأمل، والحنين، والبحث عن المعنى.
منذ الوهلة الأولى، يستوقف القارئ غلاف الديوان بما يحمله من هدوء بصري. فالبياض الواسع يهيمن على مساحة الغلاف، وكأنه يفتح أمام القارئ صفحة جديدة من التأمل. ويتوسط المشهد بيت بسيط تحيط به أغصان مزهرة ونباتات متدلية، فيما تحلق الفراشات في فضاء اللوحة. ولا تبدو هذه العناصر مجرد زخارف، وإنما تؤسس شبكة من الرموز التي تحيل إلى الحياة، والذاكرة، والاستمرار، وتجعل الطبيعة شريكا في إنتاج الدلالة.
أما عنوان الديوان "وصية درويش"، فيمتلك كثافة رمزية واضحة؛ فالوصية توحي بالخلاصة الأخيرة، وبالكلمة التي تبقى بعد الرحيل، بينما يحيل لفظ "درويش" إلى الزهد والحكمة والترحال الروحي. والعنوان، بهذا المعنى، لا يقدم دلالة مغلقة، وإنما يفتح أفقا تأويليا رحبا، وهو ما ينسجم مع ما ذهب إليه أمبرتو إيكو حين أكد أن العمل الأدبي يظل أثرا مفتوحا على قراءات متعددة.
ولا يخرج المتن الشعري عن الأفق الذي يرسمه الغلاف، إذ تتكرر في قصائد الديوان تيمة الطبيعة بصورة لافتة. فالشجر، والبحر، والمطر، والقمر، والريح، والأوراق، كلها عناصر تتحول من مكونات للمشهد الطبيعي إلى علامات نفسية ورمزية. وهنا تستحضر قراءة غاستون باشلار الذي يرى أن عناصر الطبيعة في الشعر ليست أشياء جامدة، بل هي صور تحمل ذاكرة الإنسان ووجدانه. لذلك تصبح الشجرة رمزا للثبات، والمطر إشارة إلى التطهر، والبحر فضاء للأسئلة، والقمر علامة على الحلم والانتظار.
ومن أبرز التيمات التي تنتظم الديوان تيمة الزمن. فالقصائد تنشغل بالعبور والتحول وتعاقب الفصول، وتستحضر باستمرار ثنائيات الحياة والموت، والوجود والعدم، والحضور والغياب. فالزمن في هذه النصوص ليس إطارا للأحداث، وإنما هو تجربة وجودية يعيشها الإنسان وهو يواجه هشاشته وأسئلته. ويقترب هذا التصور من رؤية بول ريكور الذي اعتبر أن الزمن لا يكتسب معناه إلا من خلال التجربة الإنسانية والذاكرة.
وتحتل الذات مساحة واسعة داخل الديوان، لكنها ليست ذاتا منغلقة على همومها الخاصة، بل تتحول إلى ذات إنسانية تبحث عن المعنى وسط عالم مضطرب. فالقصيدة تبدو أحيانا اعترافا، وأحيانا تأملا، وأحيانا أخرى محاولة لترميم ما تصدعه الحياة. وقد أشار صلاح فضل إلى أن الشعر الحديث لم يعد مجرد تعبير عن العاطفة، بل أصبح فضاء لإنتاج الرؤية وكشف الأسئلة الكبرى، وهو ما يبدو واضحا في هذه التجربة.

كما يحضر الوطن بوصفه أحد المحاور الأساسية في الديوان، وخاصة في القصيدة التي تبدأ بعبارة "كفرت بك يا وطن". غير أن هذه العبارة لا ينبغي أن تقرأ قراءة حرفية، بل باعتبارها صيحة احتجاج ضد واقع يخذل الإنسان. فالوطن في هذه النصوص ليس فكرة مجردة، وإنما تجربة معيشة، تختلط فيها المحبة بالألم، والانتماء بالخذلان، وهو ما يمنح القصيدة بعدها الإنساني.
ولا يغيب الحب عن الديوان، لكنه لا يقدم في صورته التقليدية، بل يظهر باعتباره تجربة تتقاطع مع الغياب والحنين والانتظار. فالآخر غالبا ما يحضر من خلال أثره، لا من خلال وجوده المباشر، لذلك تميل اللغة إلى الإيحاء أكثر من التصريح، وتصبح الصورة الشعرية الوسيط الأساسي للتعبير عن المشاعر.
ومن الناحية الفنية، يعتمد الديوان على شعر التفعيلة، مع ميل واضح إلى السطر الشعري القصير، وإلى التكثيف اللغوي، والانزياح الدلالي، وتكرار المفردات بوصفها عناصر تصنع الإيقاع الداخلي للنص. وهذا ما ينسجم مع رؤية أدونيس الذي يرى أن القصيدة الحديثة ليست تجديدا في الشكل وحده، وإنما هي تأسيس لرؤية جديدة للعالم.
كما تبدو الصورة الشعرية إحدى أهم ركائز هذا الديوان، فهي لا تؤدي وظيفة التزيين البلاغي، وإنما تتحول إلى أداة للتفكير وكشف الدلالة، وهو ما ينسجم مع ما ذهب إليه عز الدين إسماعيل حين أكد أن الصورة في الشعر الحديث أصبحت بنية فكرية وجمالية في آن واحد.
وفي المجمل، يقدم ديوان "وصية درويش" تجربة شعرية تتأسس على تفاعل الطبيعة مع الذات، والزمن مع الذاكرة، والوطن مع الإنسان. وقد نجحت صفاء عباسي في بناء عالم شعري هادئ في لغته، عميق في دلالاته، تتجاور فيه الأسئلة الوجودية مع تفاصيل الحياة اليومية، وتتحول القصيدة إلى فعل مقاومة للنسيان، وإلى مساحة للحفاظ على الأمل وسط عالم كثير التحول. وإذا كان الغلاف قد افتتح الديوان بصورة بيت تحيط به الأشجار المزهرة والفراشات، فإن القصائد تواصل تشييد هذا البيت من الداخل، بيت تسكنه الذاكرة، وتضيئه اللغة، وتظل أبوابه مفتوحة أمام كل قارئ يبحث عن معنى جديد للشعر والحياة.







التعليقات